fbpx

هنا القصة الثالثة

هبة أبوطه - صحافية أردنية

هبة أبوطه - صحافية أردنية

مقالات الكاتب

الأردن: قلقٌ على معتَقلي رفض “صفقة القرن”

صهيب نصرالله خلال تظاهرة

عجزت عن حبس دمعتها، وهي تروي بتأثر بالغ حكاية ابنها صهيب 

(28 سنة)، “لماذا لم يفرجوا عنه حتى الآن، فالدولة ضد صفقة القرن، وهو هتف أيضاً ضد هذه الصفقة التي تعارضها الحكومة”. 

صمتت والدة صهيب دقائق ثم عادت تتحدث وهي تنظر الى السماء مناجية: “أعد ابني يا الله إلي فهو ليس مذنباً، خطفوه مني خطفاً”.

وصهيب نصر الله واحد من ثلاثة شبان (مالك الجيزاوي ومحمد أبو عجاج)، ألقت الأجهزة الأمنية الأردنية القبض عليهم في 26 حزيران/ يونيو الماضي على خلفية مشاركتهم في المسيرة التي نظمتها القوى الوطنية والحزبية والشعبية في 21 حزيران، والتي انطلقت من دوار تاج مول بجانب القنصلية السعودية في منطقة عبدون في العاصمة عمان، باتجاه السفارة الأميركية رفضاً لصفقة القرن ومؤتمر البحرين الذي شارك فيه الأردن.

خداع في الاعتقال

عائلات الموقوفين الثلاثة في حال قلق وحيرة.

مالك جيزاوي

ساجدة زوجة مالك الجيزاوي (28 سنة)، تعتبر أن زوجها سرق منها قبل إتمام سنة على عقد قرانهما. “استغلوا نقطة ضعف مالك” تجاه عائلته، هكذا تقول ساجدة وهي تروي لـ”درج” قصة اعتقال زوجها الذي أنهى دراسة الصحافة في جامعة البتراء، وما زال على مقاعد الدراسة في كلية العلوم السياسية في الجامعة الأردنية ليحصل على درجة الماجيستير.

وأضافت: “اتصل أحدهم بمالك وأخبره أن شقيقه يرقد على سرير في أحد المستشفيات، فخرج مالك من دون أن يفكر لوهلة واحدة وهو يركض لرؤية شقيقه، فنسي هويته الشخصية ومحفظته، ولكن كان هناك فخ منصوب له، ففور وصوله إلى المستشفى قامت الأجهزة الأمنية باعتقاله”. 

لا تعرف ساجدة أي مصير ينتظر مالك الذي تعتبر قضيته ورفاقه الآخرين أحدث قضايا التوقيف بسبب التعبير عن الرأي في الأردن، والتي يرى حقوقيون وناشطون أنها تتزايد في الآونة الأخيرة.

حال القلق نفسه يعيشه والد محمد أبو عجاج (24 سنة). يقول لـ”درج”: “حسبي الله ونعم الوكيل كل الناس طلعت تهتف ليش اعتقلوا محمد، لأننا أولاد مخيمات!” مشيراً الى مخيم “البقعة” حيث يعيش وابنه وعائلته.

ما حصل مع أبو عجاج خداع أيضاً بحسب والده، فقد اتصل عناصر من الأمن بوالده طالباً منه أن يذهب ومحمد للقائهم بحجة انهم يريدون سؤاله عن موضوع معين ولن يطول الأمر أكثر من نصف ساعة، لكن النصف ساعة امتدت أياماً وليالي وأسابيع، ولم يخرج محمد من قبضة السلطات الأمنية حتى اليوم. 

أما اعتقال نصرالله، فكان شبيهاً بفيلم دراما بوليسي وفق صديقه راكان الذي يوضح لـ”درج”: “كان عناصر من الأمن يجوبون منطقة اللويبدة وهم يحملون صورة لصهيب ويسألون المواطنين عنه، إلى أن قام أحد بالابلاغ عنه فقامت سيارات الأمن بتطويق المكان واعتقال الشاب، عند دوار باريس في منطقة جبل اللويبدة الكائنة في العاصمة عمان”. 

 

 “إن خرق الحكومة الحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي جاء بتوظيفه وكأنه استجابة للضغوط السعودية والتدخل السعودي في الأردن، لأن الهتافات التي أطلقها الشباب كانت ضد مؤتمر البحرين وضد صفقة القرن وضد الدور السعودي في التسويق لصفقة القرن”. 

 

إخلال بضمانات المحاكمة العادلة

مثُلَ الشبان الثلاثة أمام مدعي عام محكمة أمن الدولة الذي وجه لهم تهمة “القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائيّة أو تعكّر صلاتها بدولة أجنبيّة أو تعرّض الأردنيين لخطر أعمال ثأريّة تقع عليهم أو على أموالهم”، بالاستناد إلى المادة 3/ب من قانون منع الإرهاب.

ولا بد من الإشارة هنا إلى تساؤلات جدية بشأن عدم استقلالية محكمة أمن الدولة، إذ أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في ملاحظاتها الختامية في ما يتعلق بالتقرير الدوري الرابع للأردن، عن عدم استقلالية أجهزة أمن الدولة سواء من حيث تنظيمها أو عملها، باعتبارها محكمة تفتقر الحياد من قبل الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع لمجلس حقوق الإنسان في تقريره عام 2016.

قضى التعديل الذي طرأ على الدستور الأردني عام 2011، بأن لا يمثل أي شخص مدني أمام أي قاضٍ عسكري في أي قضية جزائية، إذ نصت الفقرة الثانية من المادة 101 في الدستور، “لا تجوز محاكمة أي شخص مدني في قضية جزائية لا يكون جميع قضاتها مدنيين، وتُستثنى من ذلك جرائم الخيانة العظمى والتجسس والإرهاب”. وبحسب قانون المحاكمات الجزائية المدعي العام هو قاضٍ، ووفقاً للتعديلات لا تجوز محاكمة المدني أمام قضاة عسكريين.

محمد أبو عجاج

قالت محامية الشبان الثلاثة نور الإمام: “محكمة أمن الدولة كونها لا تتبع للسلطة القضائية ومشكَّلة بموجب أحكام قانون خاص وبموجب قرار من مجلس الوزراء أو رئيس الوزراء وفق المادة 60 من قانونها، فهي لا تتبع معايير المحاكمة العادلة، لهذا نحن نطالب دوماً بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العادي”.

أضافت: “قدمنا 6 كفالات إلى تلك المحكمة، لكنها رُفِضَت وها نحن بصدد انتظار ردها على الكفالة السابعة”.

إلى ذلك اتفق الناشط الحقوقي رياض صبح مع الإمام في ما يتعلق بمحكمة أمن الدولة، إذ شدّد على أنها “صاحبة اختصاص، لأنها ذات طبيعة عسكرية وبالتالي ليست كالمحكمة المدنية التي يفترض أن تنظر في دعاوى حرية الرأي والتعبير، ناهيك بأن تعكير صفو العلاقات ليس مذكوراً في العهد الدولي لحقوق الإنسان بين أسباب الاعتقال”. 

انتهاك صارخ

اعتقال الشبان الثلاثة على خلفية تعبيرهم السلمي عن رأيهم الرافض صفقة القرن والدور الذي تلعبه السعودية إزاء تمرير الصفقة، يعد انتهاكاً صارخاً للدستور الأردني الذي كفل في المادة 15 حرية التعبير عن الرأي، “لكل أردني الحق بأن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون”.

ويوضح الناشط صبح لـ”درج”: “إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المادة 19 ذكر مسألة حرية الرأي والتعبير وهي حق أساسي لكل انسان لكن ذكر شروط التقييد وهي تتعلق بالأمن الوطني والصحة العامة والآداب العامة وحقوق الآخرين وسمعتهم. أما التهمة التي وجهت للشبان الثلاثة وهي تعكير صفو العلاقات، فلا تندرج ضمن التقييدات، لذا من حقهم ومن حق أي إنسان انتقاد سياسات حكومته وسياسات الدول الأخرى أيضاً، ولا يجوز المساس بتلك الحرية”.

وبالنسبة إلى التهمة الموجهة إلى الشبان الثلاثة، فينظر إليها الأمين العام لـ”حزب الوحدة الشعبية” سعيد ذياب بقلق، ويقول لـ”درج”: “إن خرق الحكومة الحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي جاء بتوظيفه وكأنه استجابة للضغوط السعودية والتدخل السعودي في الأردن، لأن الهتافات التي أطلقها الشباب كانت ضد مؤتمر البحرين وضد صفقة القرن وضد الدور السعودي في التسويق لصفقة القرن”. 

وأردف: “تهمة تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة تهمة مرفوضة حزبياً وشعبياً، لأنها تنذر بأن الأردنيين سيقيدون حال انتقادهم السياسات المحلية أو حتى الإقليمية التي تنتاقض والمصلحة القومية العربية، التي قد تقدم عليها بعض الدول، وقد تتعسف الحكومة وتعتقل من ينتقد “إسرائيل” على اساس أنها دولة شقيقة، وتتم محاسبته على هذا الأساس”.

جدية الأردن في محاربة صفقة القرن

يرى ذياب أنّ الأردن سيتعرض لخطر في حال إتمام صفقة القرن، لكنه يرى أن الحكومة الأردنية غير جادة في مواجهتها موضحاً: “لو كانت الحكومة جادة لخلقت أرضية للمواجهة والتصدي وأبرز طرائق التصدي، الانفتاح على القوة الشعبية وإشراك الناس بالقرار السياسي، للتصدي لهذه الصفقة ولو كانت الحكومة جادة لما مارست سياسة تكميم الأفواه والاعتقال، ولما أدارت ظهرها للمطالب الشعبية بوقف التطبيع مع إسرائيل، ووقف السير قدماً باتفاقية الغاز مع الكيان، فكل هذه المواقف والتصرفات تضرب بالصميم صدقية الحكومة في رفض صفقة القرن”.

ما زال الشبان الثلاثة في السجن، وسط قلق متنامي من استهداف الناشطين السياسيين وتطويق مساحات حرية التعبير القليلة المتاحة…

لاجئ فلسطيني في الأردن… حنين لا ينقطع لـ”البئر الأولى” 

إقرأ أيضاً