fbpx

هنا القصة الثالثة

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

مقالات الكاتب

الأردن: ضجيج يثيره تعيين أشقاء نواب يتوّج بتغريدة للملك

حرب “تسريب” وثائق حول توظيف أشخاص في الجيش وفي الحكومة، بعيداً من معايير التشغيل المتبعة، أجّجت تجاذبات شارع يتحرك منذ ثلاثة أشهر للمطالبة بالعدالة الاجتماعية، وإنقاذ جيوش الباحثين عن عمل وكبح الفساد.

ولأول مرّة شهد الشارع الإلكتروني الأردني جدالاً واسعاً بسقوف عالية على خلفية تغريدتين للملك عبدالله الثاني، انتقد في إحداهما تسريب الوثائق وحثّ الحكومة في الثانية على التزام النزاهة والشفافية لدى ملء الشواغر الرسمية.  فترسانة القوانين – بما فيها قانون حماية أسرار ووثائق الدولة، النافذ منذ نصف قرن- وتعليمات ضبط سلوك العاملين في القطاع العام لم تعد كافية لردع حرب إلكترونية كيدية باتت تطاول الجميع وتنثر شراراتها في الفضاء الالكتروني. يفاقم الوضع شعور شعبي بعدم فعالية أنظمة تقديم التظلم وحماية المبلغين بموجب قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد.

مسربو المعلومات من داخل “السيستم”، حول قرارات توظيف “علية القوم” ورواتبهم، يسعون إلى فضح مثل هذه الممارسات إما من باب شعور بالظلم أو لإضعاف الحكومة أو تصفية حسابات بين مراكز قوى. وربما أيضاً بهدف اللعب على وتر يداعب مشاعر الناس نتيجة تردي أوضاعهم المعيشية وارتفاع المديونية من دون أن يعرفوا كيف ولماذا؟

هذه السجالات تساهم في تحويل منصات التواصل الاجتماعي، أداة جديدة لممارسة دور رقابي على السلطة التنفيذية؛ كان يفترض أنه في صلب دور البرلمان والصحافة التي تهمشت. وهكذا يخطف مسربون غاضبون من داخل “السيستم” هذه الأدوار، لانتقاد طريقة إدارة الدولة أو انعدام الشفافية في التوظيف، فيما قوائم الانتظار لدى ديوان الخدمة المدنية تطول لتتجاوز الـ300,000 باحث عن فرصة عمل. وتتفاقم صعوبة الوضع، في ظل تفاوت الدخل بين المعينين في سلك القطاع العام المترهل أو بموجب عقود خدمات.

وتعكس التعليقات التي أعقبت التغريدات الملكية، انكسار حاجز الخوف الشعبي على وقع أكبر أزمة إدارة دولة تواجه الملك عبدالله الثاني، الذي دخل العقد الثالث من عهده قبل شهر. لم يعد أحد فوق المساءلة حتى إذا كان شخصاً محمياً بالقانون أو مصانا بالدستور.  

مسلسل تسريب قرارات وتعيينات، معظمها مذيلة بتوقيع رئيس الحكومة عمر الرزاز المتهاوية شعبيته، بدأ قبل أكثر من شهرين عندما سرّبت مذكرات تتعلق بتعيين أربعة أشقّاء لنواب. آنذاك، اضطر الملك إلى زيارة مجلس الوزراء والمطالبة بإعادة النظر في تلك التعيينات. إنما لم يتغير شيء.

على أن وقائع هذا الأسبوع أجبرت الملك على التدخل شخصياً عبر منصتّه لإدانة ما وصفها بعمليات اغتيال الشخصية والتجريح، تعرض لها ثلاثة شباب كانوا على وشك العمل في وزارة العدل – بمجموع رواتب عشرة آلاف دولار- بعيداً من جدول انتظار ديوان الخدمة المدنية.

وأردف الملك تغريدة ثانية أكد فيها وجوب إتاحة فرص العمل لجميع الشباب بشفافية ومساواة، وفق معيارين أساسيين: الكفاءة والجدارة.

في تغريدته الأولى، توعد الملك الغاضب بأن يأخذ القانون مجراه حيال مسربي المعلومات والوثائق الرسمية، في إشارة ضمنية إلى وثيقة حول تعيين ضابط باكستاني متقاعد مستشاراً في القوات المسلحة براتب مرتفع. قال أيضاً إن اغتيال الشخصية ونشر معلومات مغلوطة تعد صارخ على الحياة الشخصية وعلى الأعراف والقوانين، مؤكداً أنه أمر دخيل على مجتمعنا وقيمنا.

لكن بدلاً من التهدئة وإبعاد الناس من التجريح في حال ارتكبت أخطاء، تلقت صفحة “تويتر” الخاصة بالملك عشرات التعليقات الناقدة على نحو غير مسبوق للتعاطف الملكي مع الثلاثة الذين كانوا سيعينون من دون عرض الشواغر الثلاثة للتنافس. كتب معلقون أن من غير المعقول محاسبة شباب الأطراف المهمشة، وفق مقاييس الجدارة والكفاءة فقط، لأن ظروفهم تختلف عن الذين أتيحت لهم ظروف تعليمية ومجتمعية مساندة. وسأل البعض إذا كان المطلوب بعد هذه التغريدة أن تكمم الأفواه حيال التجاوزات اليومية. تغريدات أخرى اتسمت بالغضب المصحوب بالسخرية، على رغم قوانين تجرم مس كرامة الملك.

في المقابل، سجّلت مئات التعليقات المرحبة بتعهدات القصر والمؤيدة وقف هذه المهاترات التي تضعف الدولة.

بعد ذلك، ألغى رئيس الوزراء قرارات التوظيف، فبدا وكأن وزير العدل هو المتسبب، بدلاً من أن يتحمّل هو شخصياً مسؤولية قراره بطلب تعيينهم في كادر وزارة العدل، للعمل في مجالي تنسيق منصّات التواصل الاجتماعي وإدارة المشاريع، بحسب الرواية الرسمية.

 

الجميع بات مستنفراً لقنص أي فرصة تكشف خطأ مقصوداً أو غير مقصود في القرارات الرسمية، لتعبر عن استيائها وتلقي بحممها على صانعي القرار. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

 

توقيت التسريبات الأخيرة عمّق إحراج السلطة، وسط خوف من أن تبدأ حروب التسريبات لتطاول أموراً مسكوتاً عنها قد تكون أخطر. إذ جاء بعد أيام من تضرّر مئات المواطنين وأصحاب محال تجارية من سيول جارفة أغرقت وسط المدينة، وسير عشرات الشباب الباحثين عن عمل من محافظات مهمشة صوب الديوان الملكي بحثاً عن الإنصاف بعدما فقدوا الثقة بالحكومة. وبذلك فاقمت التسريبات أجواء الإحباط العام وأثارت استياء الناس من غياب العدالة، بدءاً بنوعية الخدمات العامة وانتهاء بالواسطة والمحسوبية في التعيينات والمعاشات من دون محاسبة.

بعد تسريب وثائق تعيين أربعة أشقاء لنواب، سرّبت مذكرات بتوقيع رئيس الوزراء ذات صلة ببلدية عمان. تضمنت الأوراق دفع أموال من الخزينة لتغطية احتفالات تكريم كان يمكن الاستغناء عنها. ثم جاءت وثيقة الجيش، المؤسسة التي لطالما حماها قانون 1971.

والحبل على الجرار في زمن انعدام لغة التفاهم والثقة بين الحكومة والشعب.

في معظم دول العالم الغربي الأكثر ديموقراطية، لا يعاقب مسربو الوثائق والمعلومات التي تكشف فساداً مالياً أو أخلاقياً، بخاصة في المؤسسات العامّة التي تستقي موازاناتها من دافعي الضرائب، بخاصة إذا ثبت أن تسريباتهم جاءت لخدمة المصلحة العامة. في البال الجدل الاخلاقي والقانوني الذي طاول تسريبات دولية مثل أوراق بنما، وسنودن وجوليان أسانج.

لكن الوضع يختلف في الأردن، وكأننا نواجه العوارض ونتجاهل المرض! صحيح أن المملكة وضعت نظاماً لحماية المبلغين والشهود تحت مظلة هيئة الشفافية ومكافحة الفساد، بخاصة لدى التبليغ عن جرائم مخلّة بواجب الوظيفة العامة وبالثقة العامة. يشمل ذلك قبول موظفي الإدارة العامة أي رشى أو ارتكابهم جنحتي الواسطة أو المحسوبية، بما يلغي حقلاً أو يحقّق باطلاً، فضلاً عن إساءة استعمال سلطة.

كثيرون توقفوا عند تسريب وثائق تعيين في الجيش، ذلك أن فكرة التجاسر على إخراج معلومات من داخل نظام مغلق قد تؤدي لاحقاً في حال لم تتوقف إلى إفشاء أسرار قد تشكّل تهديداً لأمن الدولة. وفي البال قيام متقاعدين عسكريين بتغذية معلومات لنشطاء مقيمين خارج الأردن، لبث أخبار عبر مواقع إخبارية تحت إدارتهم. بالطبع هناك أيضاً أربعة أنواع وثائق تحت قانون حماية وثائق وأسرار الدولة: سرّي للغاية، سرّي، محدود ووثائق عادية.

الانطباع السائد الآن بأن الفساد ينخر الدولة ومؤسساتها حقيقة في غياب المعلومة وبعد تدجين الإعلام التقليدي العام والخاص.

ويقول خبير قوانين الإعلام ورئيس لجنة شكاوى الإعلام المرئي والمسوع التابعة لهيئة الإعلام يحيى شقير، إن “السوشيل ميديا” باتت الخيار الوحيد المتاح أمام الشعب للتظلم بعد انغلاق السبل الأخرى القانونية والإعلامية. “في الوقت ذاته، فإن ما يقع من تسريبات مصيبة باتت تنخر جسم الدولة. والناس فقدوا البوصلة”، يضيف، لافتاً إلى خلط القيم والمفاهيم بطريقة تنافي المسموح والممنوع قانونياً وأخلاقياً. وبذلك أخذت المنصات الالكترونية دوراً رقابياً حقيقياً، بدل البرلمانات والإعلام.

ويقول شقير: “عندما تنعدم الوسائل العادية للتعبير عن الرأي، دائماً يلجأ الناس لتفريغ الطاقة بطريقة عنيفة… إما بالكلام أو بالفعل من خلال الاعتصام أو من خلال ضرب حجارة على رموز”.

نتوقع استمرار التسريبات بالجملة لتتحول بسرعة البرق إلى قضية رأي عام في شارع محبط ويائس يطالب بتغيير نهج إدارة الدولة على نحو أبعد من مجرد تدوير أشخاص في المناصب، ومحاسبة كبار المسؤولين وليس الصغار فقط.

فالجميع بات مستنفراً لقنص أي فرصة تكشف خطأ مقصوداً أو غير مقصود في القرارات الرسمية، لتعبر عن استيائها وتلقي بحممها على صانعي القرار. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

الأردن ليس بخير

 

 

 

إقرأ أيضاً