fbpx

هنا القصة الثالثة

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

مقالات الكاتب

الأردن استقبل كوشنر وتنفس الصعداء

تنفس الملك عبدالله الثاني، والأردنيون معه، الصعداء – ولو مرحلياً- بعد فشل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو في إعادة تشكيل حكومة جديدة، ما قد يؤخر فرض “صفقة القرن” لتسوية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.

إلا أن هذه المفاجأة السارّة لا تعفي الملك وحكومته من معضلة اتخاذ قرار سيادي حول مشاركة الأردن من عدمها في “مؤتمر سلام” اقتصادي تستضيفه المنامة في 25-26 حزيران/ يونيو؛ استباقاً للشق السياسي من الصفقة المزعومة لتصفية القضية الفلسطينية.

ذلك أن ديبلوماسية الرقص على الحافة – التي تنتهجها القيادة الأردنية وسط إقليم ملتهب- لن تحميها من استحقاقات حتمية على جبهتي القضية الفلسطينية وإيران، وسط غضب شعبي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وكبت الحريات السياسية. إذ ينتظر أن يتواصل الاحتقان في صيف ساخن، بانتظار إجراء الانتخابات الإسرائيلية في موعدها المبدئي يوم 17 أيلول/ سبتمبر واحتمال محاكمة نتانياهو بتهم فساد، حتى لو كسب الانتخابات.

وثمّة خشية في عمّان من أن تقنص واشنطن – المحرجة من ردّ فعل معظم الدول الغربية والعربية على صفقة القرن والمشاركة في مؤتمر البحرين- فرصة جديدة لفرض تسوية عرجاء في مصلحة إسرائيل قبل انطلاق عربة الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2020، بما في ذلك السماح لإسرائيل بضم المستوطنات في مناطق (ج)، أي 42 في المئة من الضفّة الغربية.

لكن يمكن القول اليوم إن عمّان نجت مرحلياً من سيناريو مرعب؛ يتمثل بإعلان صفقة ترامب لوأد حلم الفلسطينيين بإقامة دولتهم على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق عودة اللاجئين بموجب القرار رقم 191 مع ترسيم نهائي للحدود، مدعومة بترتيبات أمنية لحمايتها.

على رغم ذلك، على عمان التعامل مع استحقاق حضور مؤتمر المنامة المرفوض شعبياً وفلسطينياً وفي معظم الدول العربية، ما عدا السعودية والإمارات وقطر، أقلّه من زاوية عدم غلق الباب بوجه ترامب، بينما تواصل رهانها على عامل الوقت والمعارضة الأممية لإجهاض الصفقة. ويبقى الأردن في “بوز المدفع” مقارنة مع موقف السلطة الفلسطينية، التي أعلنت بوضوح مقاطعتها المؤتمر. صحيح أن عمان ليست السلطة، لكنّها تتشارك مع الفلسطينيين في حلم حل القضية الفلسطينية بعدالة، وفق قرارات الشرعية الدولية. وهناك مبادئ مهمّة لا تستطيع عمان القفز عليها، مقارنة مع دول الخليج؛ مثل الوضع النهائي للقدس، وضمان دور الهاشميين في رعاية المقدسات الإسلامية، وحق العودة والتعويض للاجئين وللدول المستضيفة وترسيم الحدود وغيرها من الترتيبات النهائية.

يمكن القول اليوم إن عمّان نجت مرحلياً من سيناريو مرعب؛ يتمثل بإعلان صفقة ترامب لوأد حلم الفلسطينيين بإقامة دولتهم على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق عودة اللاجئين بموجب القرار رقم 191 مع ترسيم نهائي للحدود، مدعومة بترتيبات أمنية لحمايتها.

الفلسطينيون مكون رئيس في النسيج الأردني لا يمكن تجاوزه أو إغضابه. سمعة الأردن وصدقية خطابه السياسي باتا على المحك داخلياً وخارجياً. ذلك أن الملك استعاد ثقة الشارع المحتقن حين أعلن قبل أسابيع لاءاته الثلاث المتصلة بالتوطين والوطن البديل والقدس. وبالتالي فإن قرار المشاركة قد يؤطر بتهم الخيانة للأردن، ما قد يضع الخط الرسمي في موقع صعب أمام محاولة إقناع الأردنيين والفلسطينيين بمبررات المشاركة من دون إحباطهم.

قبيل وصول كوشنر إلى عمّان الأربعاء الماضي وعقده لقاء موسعاً في القصر، ثم ثنائياً مع الملك، لم يعلن عنه رسمياً بحسب ديبلوماسيين غربيين، احتشد العشرات من أنصار جماعة الأخوان المسلمين في محيط السفارة الأميركية في عمّان. بالتوازي، أصدر ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية بياناً حدّد فيه يوم الجمعة 24/6/2019 يوم غضب شعبي عربي في جميع العواصم في مواجهة ترتيبات الإدارة الأميركية.

تحاول عمان خلق توازن بين استمرار التواصل مع إدارة ترامب من دون أن يعني ذلك موافقتها المعلنة على السياسات الأميركية، لأن ذلك سيضعها في مأزق مع الرأي العام. ثمّة خشية في أوساط ديبلوماسيين غربيين بأن جزءاً من الشارع الأردني بات يقود وجهة الموقف السياسي صوب مقاطعة المنامة من دون أن يدرك كلفة الغياب. وثمّة حاجة لموقف قيادي واضح يأخذ زمام المبادرة لحماية مصالح الدولة الاستراتيجية، ضمن حد أدنى من التوافق الوطني. تلك مهمة شبه مستحيلة لكنها مطلوبة لحماية المصالح الأردنية في ظل محدودية الخيارات، بحسب ساسة وديبلوماسيين. ثمّة صداقة وطيدة بين ملكي الأردن والبحرين، وبالتالي تتوقع أوساط ديبلوماسية مشاركة أردنية على المستوى الوزاري الرئيسي أو الثانوي، لأن غيابه كليّاً وهو مكشوف الظهر أميركياً وعربياً، يشبه الانتحار السياسي.

المخرج من متاهة غياب القرار، بحسب الرواية الرسمية، يكمن في أن يتحدث الأردن عن موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية خلال المؤتمر والسعي للحصول في المنامة على صورة واضحة حيال الأفكار المطروحة لتنمية البنى التحتية في الضفة الغربية وقطاع غزة والاردن ومصر ولبنان، من دون إغفال مواصلة حشد الموقف الدولي لحل الدولتين والرهان على إهمال الخطّة التي ولدت ميتة أصلاً.

عمان ستخسر كثيراً في حال قاطعت ملتقى المنامة، إذ إنها تعتمد على واشنطن لتوفير 1.5 مليار من المساعدات المالية السنوية، من دون احتساب المساعدات العسكرية، وذلك بعد ثلاث سنوات على نضوب المساعدات الخليجية المباشرة للخزينة. تأتي المساعدات الأميركية مقابل تحالف استراتيجي تعزّزت أواصره اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، خلال العقدين الماضيين. وتأمل عمّان بأن تساعدها واشنطن في تحديث أسلحتها، ومواصلة تمويل برامج تنموية حيوية، بما في ذلك السماح للمصدرين الأردنيين بدخول السوق السورية بقائمة سلع أوسع، لا تتعارض مع المقاطعة الاقتصادية الأميركية لسوريا.

يقف الأردن وحيداً في الإقليم في ظل انهيار النظام العربي وانحسار نفوذ العراق وسوريا وانغماس مصر في قضايا داخلية، وكذلك تراجع نفوذ أوروبا السياسي والاقتصادي. الوضع الحالي يشبه العزلة التي غلّفت الأردن في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، حين وقف الراحل الحسين بن طلال على الحياد خلال غزو العراق الكويت.

عمان ستخسر كثيراً في حال قاطعت ملتقى المنامة، إذ إنها تعتمد على واشنطن لتوفير 1.5 مليار من المساعدات المالية السنوية، من دون احتساب المساعدات العسكرية، وذلك بعد ثلاث سنوات على نضوب المساعدات الخليجية المباشرة للخزينة.

ويتوقع أن تماطل عمّان في إعلان قرارها النهائي، على رغم الضغوط الداخلية والخارجية. وثمّة رهان بموت صفقة القرن سريرياً بسبب غياب مصادر تمويل خليجية كافية لتمويلها على خلفية تراجع أسعار النفط وكلفة تمويل الحرب المستعرة في اليمن منذ 2015.

إقرأ أيضاً: الأردن يواجه صفقة القرن بتعديل حكومي مخيّب

في أي حال، تبقى إسرائيل المستفيد الأكبر سواء فرضت الصفقة أم طويت. فهي ماضية في مخططها لقضم ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية، توسيع المستوطنات وتهويد القدس بمباركة أميركية غير مسبوقة. حل الدولتين مات منذ سنوات، بسبب الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض منذ اتفاق أوسلو عام 1993. وعلى رغم تمسك قادة الدول الإسلامية المشاركين في أعمال قمة الدول الإسلامية الـ14 في مكة بحل الدولتين نظرياً، ورفضهم أي إجراء يمس الوضع التاريخي والقانوني للقدس، إلا أنهم مضطرون لأن يدعموا أجندة السعودية في تصعيدها ضد إيران، والتي باتت في عيون الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها في الخليج، السبب الرئيسي لحال عدم الاستقرار في المنطقة بدلاً من الصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل.

عمان لا ترغب باستعادة “جهادييها” بعد هزيمة “داعش”

إقرأ أيضاً