الأذان كقضية شأن عام: صراعات على صوت الإسلام

الأذان الإسلامي ليس مجرّد أغنية تتكرر، ولا هو حتّى مجرّد نداء إلى الصلاة. بل هو تجلٍّ صارخ في المجال العام، لعلاقة الجماعة بالمعتقد الإسلامي. وكسائر التجليات المشابهة، يندمغ الأذان بعوامل التاريخ والجغرافيا والسياسة والتمذهب. فليست النغمة وحدها التي تتبدل بين إقليم وآخر، بل فلسفة التنغيم نفسها، والكلمات أيضاً، بين مذهب وآخر. ولأن الكلمة والنغمة تجتمعان خمس مرات كل يوم، فتفرضان شبكة محددة من المعاني والجماليات، تحيل بدورها إلى شبكة من الانتماءات والعداوات، شارك الأذان الإسلامي طوال تاريخه في حملات البروباغاندا السياسية، وارتبط ارتباطاً حثيثاً بالسلطة النافذة التي تمسك بالمجال العام وتتحكّم به. في الآونة الأخيرة، وفي الكثير من بلدان المسلمين، تطفو مسألة الآذان إلى سطح النقاش العام.

للذين لم ينشأوا في بلاد الإسلام ولم يخبروا أحوالها، يتكوّن الأذان من كلمات مغنّاة بنغمة محلية تصدح في أرجاء المدن والقرى 5 مرّات في اليوم. هكذا مثلاً، خرج الدي جي البريطاني “داكس” فارّاً من تونس العام الماضي، بعدما مزج تسجيلاً للآذان بموسيقاه الراقصة في ملهى ليلي. أغلقت السلطات الملهى الواقع بمدينة نابل، واعتقلت مديره بتهمة “الاعتداء على الأخلاق الحميدة والتجاهر بفاحش القول”، معتبرة في ذلك “إثارة للفتنة” و”هجوماً على المشاعر الدينية”.
الأذان الإسلامي ليس مجرّد أغنية تتكرر، ولا هو حتّى مجرّد نداء إلى الصلاة. بل هو تجلٍّ صارخ في المجال العام، لعلاقة الجماعة بالمعتقد الإسلامي. وكسائر التجليات المشابهة، يندمغ الأذان بعوامل التاريخ والجغرافيا والسياسة والتمذهب. فليست النغمة وحدها التي تتبدل بين إقليم وآخر، بل فلسفة التنغيم نفسها، والكلمات أيضاً، بين مذهب وآخر.
ولأن الكلمة والنغمة تجتمعان خمس مرات كل يوم، فتفرضان شبكة محددة من المعاني والجماليات، تحيل بدورها إلى شبكة من الانتماءات والعداوات، شارك الأذان الإسلامي طوال تاريخه في حملات البروباغاندا السياسية، وارتبط ارتباطاً حثيثاً بالسلطة النافذة التي تمسك بالمجال العام وتتحكّم به.
في الآونة الأخيرة، وفي الكثير من بلدان المسلمين، تطفو مسألة الآذان إلى سطح النقاش العام.
في فلسطين المحتلة، اتخذت المسألة بعداً صدامياً مع الاحتلال. فكما تختزل رمزية شجرة الزيتون الهوية المقاومة لكونها تنتمي إلى هذا المجال العام وترمز للصراع على استرجاعه، يختزل الأذان في لحظة ما المجال العام ومقاومة الاستيلاء عليه. وبطبيعة الحال يوظّف سياسياً، أحياناً بأكثر الطرق عبثاً وإثارة للسخرية.
وفي آخر تطورات مشروع القانون الاسرائيلي الذي ينتظر إقراره في الكنيست، أنه قد تم تنقيحه قبل أقل من أسبوعين بمنح السلطات الأمنية للاحتلال الحق في دخول المساجد ومصادرة مكبرات الصوت إضافة إلى فرض غرامة تصل ما يعادل حوالي 3 آلاف دولار أميركي. وذلك، في حال خرق المساجد لحدود القانون التي ستمنع المكبرات من أن تصدح ليلاً وفي أوقات الفجر الباكر بأقل تقدير، وستحدّ من المستوى الصوتي المسموح لها.
أما في أوروبا، التي تعيش منذ أعوام ذروة أزمتها مع التكاثف الديموغرافي للانتشار الإسلامي، فلم تتوقف مسألة الاذان عن إثارة الجدالات الإعلامية والقانونية. وكان آخرها قرار محكمة ألمانية في بلدة أور-ايركانسفيك منع المسجد المحلي من بثّ الأذان، بعدما كان ذلك مقتصراً على صلاة الجمعة أسبوعياً.
نقلت الصحافة الألمانية عن لسان أحدّ المدّعين على المسجد الذي تديره الجالية التركية: “هو نوع من الغناء بنغمة لها تأثير مقلق علينا. ولكن أكثر ما يقلقنا هو محتوى النداء. إنه يضع الله بمرتبة أعلى من إلهنا نحن المسيحيون”.
يثير هذا القول في الحقيقة مجموعة من النقاط المتعلقة بجماليات الاذان كما بمحتواه. فالأزمة في هذا المجال العام الألماني أزمتان. اصطدام المقامات الشرقية بالتراث السمعي المألوف أوروبياً، واصطدام المعتقد الإسلامي بالمألوف الأوروبي في إدارة المجال العام من الناحية الدينية وهو مألوف آت من ماضي مساومات كاثوليكية-بروتسنانتية ومسيحية-يهودية.
لكن واقع الحال أن هاتين الأزمتين قائمتان داخل الإسلام نفسه، وبين الأقطار والأقاليم والمذاهب نفسها. أذكر أنني في العام 2008 بعد انتقالي للعيش في بيروت وقد تربيت في طرابلس، كنت على مائدة إفطار رمضاني مع عدد من مساكنيّ واصدقائهم، ننتظر آذان المغرب. كانت المرّة الأولى التي أشهد فيها انقساماً حول توقيت الإفطار بين اذانين، ما صدمني حقيقة ولم أكن قد تخيلت احتماله من قبل. اذانان بتوقيتين مختلفين صدحاً في المجال العام وقاما بفرز المجتمعين فوراً بين “سني” و”شيعي”.
محتوى الأذان يفرّق أيضاً في لبنان مثلاً بين جغرافيتين، واحدة دون الأخرى تصدح بشهادة أن “علياً ولي الله”. وداخل كل واحدة منهما سيجد المراقب جغرافيات صغرى. مثل وفرة الابتهال قبل الآذان وادائه اللحني الغني في مساحات نفوذ التراث الصوفي والعرفاني. مقابل ندرة الابتهال والمينيمالية، minimalism، النغمية في مساحات النفوذ السلفي.
من جانب آخر، يظهر جلياً أن المذهبية ليست بالضرورة قادرة على اختراق الجغرافيا والهوية المحلية جمالياً، ولو نفذت هنا وهناك. لو أخذنا الاذان التركي نفسه الذي أقلق سكّان البلدة الألمانية وجعلناه يصدح في طرابلس، ل”أقلق” ذلك الطرابلسيين بنفس الدرجة رغم التآلف المذهبي (والسياسي-الاقتصادي)، ورغم انتماء المساحتين لعالم المقامات وربع الصوت الذي لا تألفه الموسيقى الاوروبية الحديثة.
فالأذان تركي كما يصدح بالدعوة إلى الصلاة والفلاح، يصدح أيضاً بتركيته. في لفظ الكلام ومخارج الحروف، والأهم في الخصوصية المقامية والآداء اللحني. فلنأخذ مثلاً مقام “الحجاز” الشائع الاستخدام في الآذان. سنجد الأداء التركي لهذا المقام مختلفاً في نقلاته النغمية وعُربه عن ادائه في مدن بلاد الشام الكبرى مثل طرابلس وحلب وحمص ودمشق أو في منطقة الحجاز بالجزيرة العربية.
حجاز تركي

حجاز طرابلسي

حجاز حجازي

 
استثناءان جماليّان حققا اختراقات محدودة في العقد الأخير داخل مساحات العُرب النغمية واللفظ في الاذان: جمالية خليجية انتشرت في الكثير من مناطق بلاد الشام وشمال افريقيا (وآسيا)، وبمدى أقل جمالية إيرانية انتشرت بالدرجة الأولى في لبنان. من المهم هنا القول، إن هاتين الجماليتين لا تختزلان وساعة الغنى المقامي والادائي لمناطق إيران والجزيرة العربية المختلفة، بل تشكلان أنواعاً من القوالب العامة.
وعلى الرغم من كون هذين التأثيرين يستندان إلى أدوات إعلامية وسياسية وثقافية ضخمة ويحققان انتشاراً أوسع في مجالات الإنشاد الديني، إلا أنهما يواجهان في سياق الأذان مقاومة طبيعية حيناً ومحفزة سياسياً في الحين الآخر.
في تونس مثلاً، حملت تصريحات وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم خصوصية في الاستجابة لظهور هذه المسألة المتعلقة بالشأن العام. وقد أعلن قبل أقل من شهر عن الاتجاه نحو التعاون مع معهد الرشيدية الموسيقي لإعداد المؤذنين وتثقيفهم في المدرسة التونسية للمقام والأداء. ويأتي هذا القرار الذي سبقت إليه الجزائر المجاورة قبل عام، استجابة على ما يبدو للعديد من الشكاوى.
ولكن الوزير حين يشير إلى الموروث التونسي المهم من المؤذنين والقراء أمثال علي البراق ومحمد البراق وعثمان الأنداري، ليعود وينفي أي “تعصب” للمدرسة التونسية، فعلينا أن نفهم الخطوة بالذات كجزء من خطاب “تونسة” للأذان، وربما للممارسة الإسلامية عموماً. ويتوجب علينا أن نربطها بالسياق السياسي والايديولوجي الذي يتحكّم اليوم بالمجال التونسي العام.
إن التحالف الحاكم في تونس اليوم بين “النداء” و”النهضة”، يبدو في كثير من وجوهه محتملاً للخصومة. ففيما تتعمق الخلافات داخل “النهضة” الإخوانية المصدر بين تيارات “تحديثية” وأخرى أكثر تصلّباً في انتمائها لـ”الإسلام السياسي”، تصعّد “النداء” (البورقيبية العلمانية الخطاب) الليبرالية محاولاتها لحشر “النهضة” في زاوية تناقضاتها الايديولوجية الداخلية.
على وقع اقتراب موعد الانتخابات البلدية التونسية، تتصاعد وتيرة هذه الآلية التنافسية مع تصريحات متزايدة من قيادات “النداء” تتحدث فيها عن “خطر الإسلام السياسي” وتحذر فيها بوضوح من “النهضة” ومن إمكانيات فوزها بالانتخابات. أما “النهضة” فهي بين خطوات علنية تبرؤية مثل ترشيح اليهودي سيمون سلامة ضمن قوائمها البلدية، وبين تنامي الخلافات الداخلية والاستقالات المفتوحة على التأويل.
ضمن هذه الخريطة المبسطة لحال توظيف الإسلام في الصراع السياسي التونسي، يظهر الوزير عظوم بوجه قريب من “النهضة” وآخر ليس ببعيد عن “النداء”. وفي الوجهين، يحسب عظوم على “التكنوقراط” البراغماتيين الذين لا يرون في مصلحتهم انهيار التحالف الحاكم أو حشر “النهضة” في خانة “الإسلام السياسي الخطر”.
في عمقه، يوسّع القرار سلطة الدولة المدنية داخل الممارسة الدينية. ولكنه في الآن نفسه يطرح “الإسلام المحليّ” بديلاً عن “الإسلام السياسي” المتجلّ في جماليات خارقة للجغرافيا ضمن سياق ايديولوجي واحد. لأنّ الوزير إذ يعمل على “تونسة” الأذان فهو في الدرجة الأولى ينافس الجمالية المحمولة سلفياً، ونعني هنا بالذات السلفية بمعناها الشائع المستند إلى الفضائيات بدعاتها ومنشديها.
هل يرتبط ذلك بعودة العلاقات بين تونس والسعودية بقيادتها الجديدة؟ بالملف القطري والحديث عن ضغوط لإغلاق مكاتب “اتحاد العلماء المسلمين”؟
هذا وفي المملكة السعودية التي تشهد تحوّلات كبرى مؤخراً فيما يتعلق بالالتقاء بين المعتقد الإسلامي والمجال العام، أثار الصحافي في جريدة “الوطن” – المحسوبة على النظام – محمد السحيمي جدلاً حين وجه انتقادات حادة لتضارب أصوات الأذان ببعضها البعض، مسانداً الدعوات إلى منع بثّ الصلوات والخطب عبر مكبرات الصوت. على أنه اتهم ضمنياً السلطات الدينية بالتخاذل في تطبيق قرار سابق بهذا الشأن والرضوخ لضغوطات الإسلام السياسي، وتحديداً حركة “الصحوة”.
لسنا في موضع تضخيم الارتباطات السياسية للقرار، ولكنه يقع حتماً على خطّ الجدال حول الأذان كقضية شأن عام تثير الخلاف وتبيّن الخصوصيات في التراث كما في الوجهة.
المؤذن إذن ومعه مكبر صوته: مقاوم مهاجر فاتح مقلق داع مغن موال جامع مفرّق مطرب منفّر. سلطة هنا، وانقلاب هناك. أوجه تتبيّن تعدديتها أكثر فأكثر مع توجهنا صوب عالم أقل مركزية وأكثر التصاقاً بالهويات الصغرى منه بالسرديات الايديولوجية الكبرى. الأذان صوت الإسلام في المساحة العامة، ضابط ايقاعه في الزمن الجماعي. ومثله ليس له وحدانية إلا في أنه يحتوي كل هذا التضارب والتناغم معاً.
 
 [video_player link=””][/video_player]

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
ترجمة – Quartz
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة “أبل” عام 1997، بعد 12 سنة من الغياب عنها، كانت الشركة التي شارك في تأسيسها تفتقر للهمة والوجهة. فعرض جوبز خطته لإعادة إحياء العلامة التجارية المتعثرة، مستعرضاً أحد العناصر الضرورية: الشغف، قائلاً “من يملكون الشغف يمكنهم تغيير العالم للأفضل”.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
ربما لو أن جنرال الرابية الغضوب (الذي اشتهر بشتائمه)، لم يصبح الآن رئيساً للجمهورية، لكان استبدل خطاباته الهادئة الحنون بكيل من الشتائم التي كنّا معتادين عليها. أما شتائم اللبنانيين في الشوارع، فمرفوضة وغير مقبولة “بلا تهذيب”!
هديل مهدي – صحافية لبنانية
من المؤكد أن المنتحر يريد أن ينهي ألمه وليس حياته. ومن الواضح أن الأسباب الرئيسة وراء الإقدام على الانتحار في هذه الحالات هو الوضع الاقتصادي الصعب.
ترجمة – Washington Post
شهد عهد ترامب طائفة من سياسات الصحة الإنجابية المروعة، من بينها تتبع “مكتب إعادة توطين اللاجئين” فترات حمل الفتيات المراهقات ودوراتهن الشهرية لمنعهن من الإجهاض.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email