fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

الأديان تزدري الأديان… فماذا عنّا؟

هل يحق لنا نشر مقطع كاريكاتوري أو عرض مشهد تمثيلي أو رسم ساخر من مرشد الثورة الإيرانية السابق الإمام الخميني أو الحالي علي خامنئي؟ وهل يمكن فعل الأمر نفسه مع مفتي الأزهر أو مع بابا الفاتيكان ؟؟ ماذا عن السخرية من رئيس الدولة أو زعيم الطائفة ؟؟ وهل يشمل الأمر الجيش الوطني وملوك دول صديقة و”قامات” فنية وثقافية؟؟ ماذا عن الشخصيات التاريخية؟  

لقد تكررت الحالات التي نجد فيها أنفسنا في قلب معركة رأي عام منقسم، وفي مواجهة قضاء أسير حسابات القداسة والسياسة. فقد منع الأمن العام اللبناني رسماً لمجلة “كورييه انترناشيونال” الفرنسية يسخر من خامنئي وقمعه السياسي. بعد المنع ثار رأي عام محلي على الإجراء الرقابي وجرت إعادة نشر الرسم عبر السوشيال ميديا فتقدم شخص اسمه فادي حدرج بدعوى قضائية بحق صحافيين وصحافيات أعادو نشر الكاريكاتور مبررا ذلك بقوله، “عندما أجد من يتطاول على رموزي الدينية والمرجع الذي اعتبره وريث الأئمة نسبة لعقيدتي أستطيع أن أقاضيه”.

إنها معركة دفاع عن غيبيات إذاً في منطقة تختلط فيها السياسة بالمقدس على نحو هائل. العمامات الدينية تقرر في السياسة ويُمنع انتقادها في السياسة بذريعة موقعها الديني فتكون النتيجة منع انتقاد السياسي والديني معاً.

المعارك مع الرسوم والبرامج الساخرة قصة ذات فصول في المنطقة العربية ، إذ تدرك الأنظمة المستبدة جيداً أن الضحك عدو السلطة، وأن للفكاهة قدرة على تحريك العقول وتحريرها من ثقل المقدس ووهمه. فالساخرون يهزون بنقدهم اللاذع القائم على المفارقات الهائلة في ممارسات أهل السلطة من رجال دين وسياسة وعسكر، ممالك الصمت والخنوع التي يحرص المستبدون على فرضها. لذلك تتعامل السلطات المستبدة مع السخرية بصفتها جريمة وتلاحق الساخرين جسديا ومهنياً ..

 

لماذا يخاف المستبدون السخرية أكثر من غيرهم ؟

لأن السخرية ببساطة بوسعها أن تكشف الزيف والكذب. الشيخ امام كان ساخراً فسجن، القاشوش سخر بصوته الأجش من عنف الأسد فقتل. باسم يوسف سخر من الإخوان ومن العسكر فبات في المنفى. رائف بدوي سخر من النصوص المكرسة فجلد وسجن في السعودية..

 

في الحقيقة لربما لا يستسيغ كثيرون قول ذلك لكن نعم، حرية التعبير تقترن بالاساءة واستفزاز المشاعر الدينية والقومية والوطنية أيضاً. لا أعني هنا الاستفزار المجاني أو الشتيمة الشخصية، لكن تناول المعتقدات سواء من حيث التحليل النقدي والموضوعي أو الساخر، هو حرية تعبير، لكن بات كثيرون اليوم مع نهوض الانظمة الشمولية يحاولون تقويض أي تعبير بصفته ازدراء للأديان.

خاضت أوروبا معارك شرسة لعقود لتنتصر في النهاية لحرية التعبير، وكان أحد تجليات هذه الحرية رفض اعتبار ازدراء الأديان جريمة، فحرية نقد الأديان لا يمكن أن تتبلور إن لم يملك الناقدون الحق في تناول المقدس بحرية، حتى في حال رأى المؤمنون أن في ذلك ازدراءً لمعتقداتهم. وقد تآلف الرأي العام الأوروبي مع النقد اللاذع للمسيحية وصار جزءاً من المقاربة العلمية والفنية والأدبية أيضاً وجزءاً من الوعي المجتمعي ..

الغريب أن من تستفزهم السخرية من أصحاب سلطة دينية أو زمنية لا يشعرون بالغضب نفسه حين تُتهم تلك الشخصيات وتلك المعتقدات بممارسة العنف والتمييز والاضطهاد. لقد مارست المسيحية عنفاً جعلها في الغرب مادة نقد وتشريح ولم تسلم أي فكرة لاهوتية من التحليل والنقد والسخرية أيضاً، ومع ذلك فهناك مؤمنون مسيحيون ولا يعتبرون وجود هؤلاء الساخرين او الملحدين تهديداً لهم. وما قيل في الغرب عن المسيحية يمكن أن يقال مثله تماماً عن الإسلام في النصوص المتعلقة بالعنف والتمييز ورفض المساواة..

أكثر شريحة تمارس ازدراء الأديان هم رجالات تلك الأديان الذين يكررون أمام المؤمنين من أتباعهم كيف أن دينهم هو الصحيح وأن كل الأديان والمذاهب الأخرى هي إما ضالة أو محرفة بل ومثيرة للسخرية.. لا أحد ينافس المجالس الداخلية لجماعات السنة والشيعة من السخرية من معتقدات بعضهما البعض. كذلك يفعل الموارنة المسيحيون والروم الأرثوذكس وهكذا..

في المحصلة فلو قررنا أن نعتمد قاعدة تجريم ازدراء الأديان، فإن البداية يجب أن تكون من العقائد والنصوص الدينية. لهذا السبب تماماً ترفض الدول الغربية والدول الديمقراطية تجريم “ازدراء الأديان”، ولا مكان لهذا المصطلح.

 

أكثر شريحة تمارس ازدراء الأديان هم رجالات تلك الأديان الذين يكررون أمام المؤمنين من أتباعهم كيف أن دينهم هو الصحيح وأن كل الأديان والمذاهب الأخرى هي إما ضالة أو محرفة بل ومثيرة للسخرية..

 

نعم، هناك تشدد في حماية الحق في حرية المعتقد وممارسة الشعائر لكن لا يشمل ذلك بأي حال الحق في منع من لا يؤمن بإشهار ذلك وبرفض العقيدة الدينية بل والسخرية منها.

حين أناقش البعض عبر السوشيال ميديا بشأن الحرية والسخرية أتلقى الكثير من الشتائم والتحريض على العنف وتأتي الشتائم مذيلة بعبارة أن هذه حرية تعبير أيضاً..

لقد تمكن التجهيل الممارس من الأنظمة والقيادات الزمنية والروحية من خلط المفاهيم لدى الرأي العام لكن قاعدة التعامل واضحة، فحقوق الإنسان تحمي الحق في الإيمان وفي الاعتقاد وحرية الضمير وفي الحماية من العنف والتشهير والتمييز، لكنها في المقابل لا تحمي الأديان أو المعتقدات والأفكار من النقد أو السخرية. وحده التحريض على العنف والكراهية والتمييز والعنصرية هو ما يجب أن يجرم عليه القانون أما غير ذلك فلا..

لكن لماذا يخاف المستبدون السخرية أكثر من غيرهم ؟

لأن السخرية ببساطة بوسعها أن تكشف الزيف والكذب. الشيخ امام كان ساخرا فسجن، القاشوش سخر بصوته الأجش من عنف الأسد فقتل. باسم يوسف سخر من الاخوان ومن العسكر فبات في المنفى.رائف بدوي سخر من النصوص المكرسة فجلد وسجن في السعودية..

اللائحة تطول ..

في بلادنا الكثير من البذاءة والسخف والخفة وثقل الدم وهذه ليست سخرية. فالسخرية السياسية تحديداً هي لغة نابضة تسخف الحكام والمستبدين وتجعلهم بلهاء جهلة..  

في بلادنا يتم خنق الضحك والسخرية لصالح احترام مزيف كاذب سياسي كان أم ديني أم قومي. ثورات 2011 حلّت من ثقل السياسة بالضحك لكن في مرحلة الارتداد إلى العنف المضاد للثورات خُنقت تلك الضحكات لتستحيل سجناً ودماً. وها نحن نعيش معضلة حقيقية مع ازدياد الحروب والانقسامات وانعدام الثقة والأمل حتى بات يغلبنا العجز.

ليس هناك وضع مثير  للسخرية قدر هذا الوضع الانهياري الذي تعيشه مجتمعاتنا. والسخرية هنا هي شعور تعويضي عن الفشل ومقاومة له. لدينا ساخرون موهوبون لكنهم ما أن شقوا طريقهم حتى تم اسكاتهم.

بقيت لنا ضحكات الزعماء وثقل ظلهم الذي لا يحتمل..

 

إقرأ أيضاً:

قطر تريد العدالة لخاشقجي لا للسودانيين

نظام الأسد قتل ماري كولفين… حان وقت المحاسبة

إقرأ أيضاً