الأثرياء لا يستطيعون شراء سلام العالم

ترجمة – Foreign Policy
أغسطس 14, 2019
أصبحت فكرة الاستثناء الأميركي، التي كانت في وقت ما عقيدة وطنية، فكرة غريبة غير مألوفة، لم يحدث هذا جراء تنصيب شخص متنمر غير ناضج رئيساً للبلاد قبل سنوات، بل تعود جذور الأمر إلى سنوات سابقة.

أصبحت فكرة الاستثناء الأميركي، التي كانت في وقت ما عقيدة وطنية، فكرة غريبة غير مألوفة، لم يحدث هذا جراء تنصيب شخص متنمر غير ناضج رئيساً للبلاد قبل سنوات، بل تعود جذور الأمر إلى سنوات سابقة.

ربما عليك أن تعود بالزمن إلى الوقت الذي قامت فيه مؤسسات النظام العالمي الليبرالي وخطة مارشال، لتجد من يقول واثقاً إن الدور العالمي الذي تلعبه أميركا هو استثناء جيد بدلاً من كونه استثناء سيئاً. في بعض الأوساط بدأ الاستعداد لدفن جثة عقيدة الاستثناء الأميركي. شعرت وكأنني سمعت ألحان موسيقى تأبين هذه العقيدة، عندما قرأت أن جورج سوروس وتشارلز كوك -أيقونة العولمة الليبرالية واليمين الليبرالي- تحالفا لتمويل معهد كوينسي للحكم الرشيد، وهو مركز فكري مكرس للحد من تأثير أميركا على مستوى العالم.

الرئيس جون كوينسي آدمز

يرمز الاسم إلى الرئيس جون كوينسي آدمز، الذي اشتهر بقوله في خطاب 4 تموز/ يوليو سنة 1821، إن أميركا “لا تذهب خارجاً للبحث عن وحوش لتدميرهم”. تبنى الواقعيون أمثال جورج كينان هذا التعبير واعتبروه معياراً. إضافة إلى تأكيد آدمز أن أميركا بقوتها العسكرية قد تصبح “الآمر الناهي في العالم”، لكنها “لن تبقى مسيطرة على نفسها”.

يبدو أن هذا هو المبدأ التوجيهي لمعهد “كوينسي”، أو على الأقل لاثنين من مؤسسيه، هما أندرو باسيفيتش وستيفن فيرتهايم. وعلى رغم أن باسيفيتش وصف نفسه “بالكاثوليكي المحافظ”، إلا أنه ناقد لاذع للسياسة الأميركية إبان الحرب الباردة وما بعدها. في كتاب صدر له عام 2002، بعنوان الإمبراطورية الأميركية، سعى باسيفيتش إلى إعادة تسويق سمعة اثنين من كبار نقاد السياسة الخارجية الأميركية اليساريين وهما تشارلز بريد وويليام أبلمان ويليامز، وكلاهما حاججا بأن صورة أميركا عن نفسها بأنها السيد المهيمن الخير، أخفت الواقع الوحشي لرأسمالية تمجد ذاتها. في مقال صحافي نشر مؤخراً، دعا باسيفيتش إلى سياسة خارجية قائمة على الاعتراف بأن “المشروع الإمبريالي يؤدي لا محالة إلى الإفلاس، المالي والأخلاقي”.

في مقال نشر في مجلة “الجمهورية الجديدة the New Republic”، رأى فيرتهايم المؤرخ في جامعة كولومبيا، أن الليبراليين في أميركا ومنذ نهاية الحرب الباردة استسلموا لرؤية المحافظين الجدد عن التفوق العسكري الأميركي، وبالتالي شاركوا في الإجماع الأميركي على سياسة الحروب الدائمة. ولهذا ظل الليبراليون صامتين أمام تمجيد ترامب القوة العسكرية، بحسب ما كتبه فيرتهايم. ويرى أنهم “فشلوا لعقود في وقف الحرب والعنف للسبب الذي فشلوا لأجله في مكافحة انعدام المساواة المتنامي”. أعترف بأنني توقفت طويلاً أمام هذه الملاحظة. للأسف تجاهل فيرتهايم الإفصاح عن هذا السبب، لعله ظنه معروفاً بالضرورة.

بعيداً من العظة في هذه القصة، يشعر معادو العسكرة بأن وقت طرح القضية للنقاش قد حان. أولاً يفضل معظم الأميركيين الاعتناء بحديقتهم الخاصة، إلا إذا تعرضت لخطر ماحق، وكانت هذه هي الحال طوال 80 عاماً، لكنه لم يعد كذلك. ثانياً، “الحروب الأبدية” كما يسميها النقاد، في العراق وأفغانستان، نفرت المصوتين من فكرة قدرة أميركا على خدمة الخير في العالم عبر استخدام القوة. ثالثاً، يبدو أن ترامب عمق روح السخرية لدى كل من معجبيه وكارهيه، وأخيراً، من يجرؤ على معارضة الشعار القائل “لنضع حداً للحروب الأبدية”.

هناك تقارب طبيعي بين النقاد اليساريين الذين يرون في القوة الأميركية قوة حاقدة ومؤذية والواقعيين الذين يتأففون من المبادئ الأخلاقية لليمين واليسار، لكنهم يرون في تعزيز الديموقراطية وبناء الأمة والشعارات الليبرالية الأخرى تبديداً كبيراً للطاقات القومية ومشروعاً محكوماً عليه بالفشل. بالفعل، لربما ساهم المنظر الواقعي اللامع في مجلة “فورين بوليسي ستيفن والت”، في تأسيس معهد كوينسي الخريف الماضي عندما اقترح تشكيل تحالف يضم التقدميين المعادين للحرب والواقعيين، والليبراليين المحافظين، للوقوف في وجه تحالف “الليبراليين التدخليين وصقور المحافظين الجدد”. أثار هذا الزواج الجبري بين سورس وكوخ الكثير من الدهشة والحيرة، لكن مقصد والت هو أن لديهما من وجهات النظر المشتركة في السياسة الخارجية أكثر مما هو ظاهر للعيان، هذا بافتراض أن سورس يحمل شكوك والت ذاتها تجاه النظام العالمي الليبرالي ودور أميركا في الحفاظ عليه.

رأى فيرتهايم المؤرخ في جامعة كولومبيا، أن الليبراليين في أميركا ومنذ نهاية الحرب الباردة استسلموا لرؤية المحافظين الجدد عن التفوق العسكري الأميركي، وبالتالي شاركوا في الإجماع الأميركي على سياسة الحروب الدائمة.

يقودني هذا إلى سؤال الجدارة. بالنسبة إلى مفكري اليسار من أمثال باسيفيتش وورتهايم وبالنسبة إلى واقعيين من أمثال والت ومايكل مندلباوم، فإن الفرق بين الليبراليين والمحافظين الجدد، أي بين جون كيري وبول وولفوفيتز هو فرق تكتيكي فقط. فكلاهما وفقاً لوالت “يعتنق عقيدة الاستثناء الأميركي، ويفضل التفوق العسكري الكاسح، ويؤمن بالهدف الأسمى المتمثل في نشر القيم الليبرالية في كل ركن من أركان المعمورة”. هذا تلخيص جريء، لكن ما يتغافل عنه مهم أيضاً.

لشرح وجهة نظري دعونا نأخذ باراك أوباما مثالاً.  فكما أوضح في الخطاب الذي ألقاه عند تسلمه جائزة نوبل للسلام. لم تكن مبادئ أوباما مناهضة كثيراً للحرب أو القوة العسكرية، لكن في الحملة الانتخابية في 2008، سحر الليبراليين من خلال تعهده باستخدام المزيد من الحنكة السياسية -والقليل من القوة- أكثر بكثير من جورج دبليو بوش، وكان يستشير مساعده بشكل أكبر بدل إملاء الأوامر باستمرار. تسلم أوباما منصبه مؤكداً أن التنافس بين القوى العظمى أصبح شيئاً من الماضي وأن القضايا المعاصرة فائقة الأهمية كانت هي القضايا العالمية، مثل تغيُّر المناخ وحظر استخدام الأسلحة النووية والفقر وانهيار الدول. بالنسبة إلى أوباما كانت عقيدة الاستثناء الأميركي تعني الاضطلاع بدور قيادي في القضايا العابرة للحدود وليس القضايا الوطنية.

لم يفشل أوباما لأنه لم يحاول. فقد عرض إعادة ترتيب العلاقات مع روسيا، لكن هذا التنسيق سرعان ما انهار بعدما اجتاح فلاديمير بوتين أوكرانيا وهدد دول شرق أوروبا ودول البلطيق الأعضاء في حلف الناتو. وخفّف من انتقاده لحقوق الإنسان في الصين، لكنه في المقابل لم يكسب أي شيء على الصعيد التجاري أو الممارسات التجارية أو الأمن الإقليمي (ناهيك بحقوق الإنسان بالتأكيد). وقد سحب أيضاً جميع القوات المقاتلة من العراق، لكن في ما بعد اضطر إلى إرجاعها عندما بدا أن البلاد على وشك التفكك أمام هجمات تنظيم الدولة الإسلامية. وحاول أن يكون محور ارتكاز بدايةً من الشرق الأوسط إلى آسيا، لكنه فشل في تحقيق ذلك. تساهل الواقعيون مع أوباما لأنه قاوم نزوة التدخل في سوريا ووبّخوا منتقديه بشدة. لكن أوباما أنهى فترة ولايته وهو واقع في فخ التنافس بين القوى العظمى ومتورط في الحرب ضد الأشرار في كلِ من العراق وأفغانستان.

إذاً ما المغزى؟ هل أضعفت تدخلات الليبراليين الموجودين حول أوباما -سواء هيلاري كلينتون أو سامانثا باور- عزمه وبصيرته؟ هل كان -وهذا ما حدث فعلاً- ضحية النصائح غير السديدة؟ بدت لي هذه الفكرة سخيفة. ما حدث هو أن الواقع صدم أوباما، ووجد أن الانتقال من “العالم كما هو”، وهو عنوان مذكرات مستشاره بين رودس، إلى “العالم الذي نتمناه”، إحدى العبارات الأخرى المفضلة لِأوباما، أصعب مما توقع. اضطر أوباما إلى إبقاء بضعة آلاف من القوات في العراق لأن العراق كان في حاجة إلى مساعدة الأميركيين في القتال ضد تنظيم الدولة -الذي اعتبره أوباما تهديداً خطيراً بحقٍ -وإن لم يكن وجودياً- على الأمن القومي الأميركي. وكان عليه الوقوف إلى جانب حلفاء أميركا في حلف الناتو في مواجهة روسيا. وكان عليه أيضاً إخبار الصين أنه لا يمكنها ببساطة الاستيلاء على الجزر المتنازع عليها حتى أثناء التوصل إلى اتفاق بخصوص تغيّر المناخ بين البلدين. لم يُمجد أوباما استخدام القوة مطلقاً، مثلما فعل بوش أو يعلم الله مثلما فعل ترامب خلال خطابه في 4 تموز/ يوليو، ولم يلجأ إلى القوة إلا عندما لم يجد وسيلة أخرى أكثر فاعلية منها.

يدرك الليبراليون أهمية مواصلة البحث عن ميادين للتعاون في بعض القضايا مثل تغيّر المناخ، لكنهم لا يخدعون أنفسهم بخصوص بقية دوافع القوى العظمى الأخرى.

وفي القائمة ذاتها، حدّد باسيفيتش القضايا المعاصرة الكبرى على أنها هي: تغيّر المناخ والتحول العالمي للسلطة والأمن المعلوماتي. يمكنك الاختلاف حول أولوياته المحددة تلك، لكنك مع ذلك ستوافق على أنه لطالما كانت المشكلات الكبرى -بدرجة أكبر حتى من عام 2008- هي المشكلات العالمية. لكن وصْف الصراعات بين الدول العظمى بأنها “بقايا ترجع إلى القرن العشرين”، كما يقول باسيفيتش، مجرد أمنية فقط. وبالمثل وصف فيرتهايم تصادم أفكار بين: “مقاتلي الحرب الباردة الجدد”، الذين يتوقون إلى إعادة إشعال حربٍ من زمنٍ آخر، وبين “الكاظمين المُتحليين بدرجة كبيرة من ضبط النفس”، الذين يرون مزايا التعاون مع الصين (ومن المفترض روسيا).  لكن هذه ثنائية زائفة، فنحن نعيش في هذا القرن وفي نسخة جديدة من القرن الماضي بشكل متزامن.

يدرك الليبراليون أهمية مواصلة البحث عن ميادين للتعاون في بعض القضايا مثل تغيّر المناخ، لكنهم لا يخدعون أنفسهم بخصوص بقية دوافع القوى العظمى الأخرى. وبالمثل، يمكن أن يشعر المرء بالذعر من قرار ترامب إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من طرف واحد، من دون أن يخدع نفسه بشأن خطورة قرار طهران بتجاوز الحدود القصوى المفروضة على تخصيب اليورانيوم وخرقها. لذا من الصعب تجنب الاستنتاج القائل إن الحشود الأقل تأثيراً تعيد ترتيب المشكلات العالمية حتى تتناسب مع مذهبهم.

جدير بالذكر أن الرئيس الأميركي جون كوينسي آدامز لم يكن واقعياً ولا أصولياً ولا حتى ليبرتارياً. بل كان بالأحرى قومياً متحمساً. وعندما كان آدامز وزيراً للخارجية في عهد الرئيس جيمس مونرو، أصر على أن تظل أميركا طرفاً محايداً في الصراعات القائمة بين الملكية والجمهورية في أوروبا. وقد فعل ذلك لأن المصالح الوطنية الأميركية كانت موجودة في مكان آخر. كما دافع آدامز وحيداً في مجلس الوزراء عن حملة أندرو جاكسون الوحشية ضد الهنود الحمر والقوات الإسبانية في شمال فلوريدا، لأن جاكسون كان يُعجل من عملية التوسع الأميركية الحتميّة. ومثل الآباء المؤسسين، لم يشك آدمز مطلقاً في أن العناية الإلهية قد خصّت أميركا بالعظمة. لم يؤيد أي أحد بإخلاص أكثر منه المبدأ الذي نسميه اليوم عقيدة الاستثناء الأميركي.

هذا المقال مترجم عن foriegnpolicy.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

حمزة بن لادن: عندما يكون الولد سر أبيه…

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email