fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

استهداف “بقيق” السعودية: إنه أوان تحديد مستقبل الشرق الأوسط!

منشآت بقيق النفطية السعودية

منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وهناك ثلاث مصالح جوهريّة تحدّد مسارَ السياسة الخارجيّة الأميركيّة في الشرق الأوسط: ضمان التدفّق الآمِن لمصادر الطاقة من المنطقة إلى الأسواق العالميّة، والمساهمة في الحفاظ على أمن إسرائيل، وضمان ألّا تُهدّد دولةٌ أو مجموعةٌ من الدول النفوذ الأميركيّ بطريقة من شأنها أن تُهدّد المصلحتَين الأخرَيَين. بعبارةٍ أخرى، وبعيداً من الأسباب الاستراتيجيّة والتاريخيّة والأخلاقيّة والسياسيّة للعلاقة “المتميّزة” بين الولايات المتّحدة وإسرائيل، فإنّ النفط هو سبب وجود الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط أصلاً. 

وهنا تحديداً تكمن الأهمّيّة الكبيرة لهذه اللحظة، وأعني بها لحظة ما بعد الهجوم على أهمّ منشآت معالَجة النفط الخام السعوديّة. ستخبرنا طريقة استجابة إدارة ترامب إنْ كانت النخبة الأميركيّة لا تزال تعتبر مصادر الطاقة من المصالح القوميّة الجوهريّة أم لا، وإن كانت الولايات المتّحدة حقّاً في طريقها إلى الخروج تماماً من الشرق الأوسط، إذ يشكّك في هذا كثيرون في المنطقة.

حين توالَت الأنباء عن تعرّض منشآت معالجة النفط السعوديّة في بقيق وهجرة خُرَيص للهجوم، وأنّ من الراجح أن يكون الجناة هم الحوثيّون – حينها سرعان ما تحوّل الجدل بين خبراء السياسات الخارجيّة للحديث عن مسؤوليّة المملكة العربيّة السعوديّة عن المعاناة في اليمن، وعن مدى تأثير إيران على الحوثيّين، وعن العدو الذي تحاربه السعوديّة حقّاً. لم تتزايد حدّة هذه التساؤلات إلّا بعدما اتّهم وزير الخارجيّة الأميركيّ، مايك بومبيو، إيران تحديداً بالمسؤوليّة عن الهجمات. كان هناك تكهن بأنّ بومبيو -وهو أحد أشد المعارضين في الإدارة الأميركيّة لإيران- بدا لطيفاً للغاية، وهو يوجه اللومَ مباشرةً إلى الإيرانيّين، على رغم كون طهران -على الأرجح- مسؤولة بشكلٍ غير مباشر فقط. وليس هذا بالموقف اللامعقول، بالنظر إلى تاريخ إيران الطويل في تجنّب المواجهات المباشرة وتفضيلها دعم الوكلاء بالمال والتقنيات والأسلحة للقيام بالمهمات القذرة في أرجاء المنطقة. فيما اتّفق آخرون مع بومبيو حول وضوح الدور الإيرانيّ في العمليّة، وهو موقف ازداد قوّةً بعد ورود تقارير تشير إلى استخدام صواريخ كروز في الهجمات. لقد كانت النقاشات قويّة، وإن لم تكن دائماً بنّاءة، وهي في الواقع لا تُحدِث فرقاً كبيراً.

بالعودة إلى لقاء الرئيس الأميركيّ فرانكلين روزفلت مع الملك السعوديّ عبد العزيز آل سعود عام 1945، فإنّ الولايات المتّحدة اتّبعت سياساتٍ تضمن تدفّق الصادرات النفطيّة من الشرق الأوسط من دون عوائق. لم تكن عمليّة “عاصفة الصحراء” عام 1991 “حرباً من أجل النفط”، بل كانت حرباً لحماية التدفّق الحرّ للصادرات النفطيّة في الوقت ذاته. وكما أوضَحَ حينها الرئيس الأميركيّ جورج بوش الأب، فقد كانت هناك مبادئ محدّدة ساهمت في اتّخاذ قرار نشر 540 ألف جنديّ أميركيّ في المملكة العربيّة السعوديّة، ومن ثَمّ استخدام القوّة لطرد القوّات العراقيّة من الكويت، بخاصّة أنّه كان انتهاكاً واضحاً للمعايير الدوليّة أن تبتلع دولةٌ ما دولةً أخرى. كانت السابقة التي انتهجَها الرئيس العراقيّ صدّام حسين خطيرةً للغاية، وكانت مبرّراً ملائماً للتدخّل في الكويت، ولكن لا يخفى أنّ انتهاك المعايير الدوليّة هدّد أيضاً المصالِح الأميركيّة الأساسيّة. فصدّام لو نجح في الإفلات من أيّ عقابٍ بشأن تلك الخطوة لَتجرّأ على تهديد إسرائيل والسعوديّة وآخرين، وربّما عطّل إمدادات النفط، وفي أثناء ذلك ربّما هدّد الهيمنة الأميركيّة. لهذا السبب أعلن الرئيس الأميركيّ بوش الأب، بعد ثلاثة أيّام فقط من دخول الدبّابات العراقيّة مدينةَ الكويت في صيف عام 1990، أنّ “هذا العدوان على الكويت لن يدوم”.

لم يقتصرْ الأمرُ على الأوقات التي اشتدّت فيها الأزمات، فقد حرِصت الولايات المتّحدة دائماً على بقاء صنبور النفط مفتوحاً. والواقع أنّ النهجَ الذي اتّبعَته في التعامل مع المنطقة بأسرِها (بدءاً من الأعمال الديبلوماسيّة الروتينيّة وصولاً إلى القضايا ذات المخاطر العالية، مثل الحفاظ على سياسة “الاحتواء المزدوَج”، وهي اختصار لسياسة واشنطن لعزل نظامَي الحكم في إيران والعراق وتقويضهما، بل وحتى التفاوض على خطّة العمل الشاملة المشتركة) كان موجَّهاً نحو جعل مضيق هرمز مساراً آمِناً لعبور ناقلات النفط.

لَطالما اضطرّ صانعو السياسات في واشنطن إلى التصالح مع علاقات بلادهم الاستراتيجيّة التي تجمعها مع الجنرالات والملوك والرؤساء الذين يُسيئون معاملة شعوبهم ويسخَرون من القيم التي يعتزّ بها الأميركيّون، ويطالبون الولايات المتّحدة بتقديم الأمن والحماية لهم – وكلُّ ذلك بسبب النفط. خلال قمة السبع (مجموعة الدول الصناعية السبع العظمى في العالم، مع استثناء الدولة الثامنة: روسيا) التي عُقِدت في مدينة بياريتز الفرنسيّة، في شهر آب/ أغسطس الماضي، أشار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الرئيس المصريّ، عبد الفتّاح السيسي، بوصفه “ديكتاتوره المفضَّل”، بيد أنّ إعجابَ الرئيس الشخصيَّ -بغضِّ النظر عما ينطوي عليه من إحراج- ليس هو الركيزة التي تقوم عليها العلاقة، فمصر وقناة السويس تُمثّلان جزءاً بالغَ الأهمّيّة من النظام الإقليميّ الذي تقوده الولايات المتّحدة، والذي يساعدها على تحقيق مصالحها، لا سِيَّما حرّيّة تدفّق موارد الطاقة.

قد تتغيَّر أهمّيّة النفط بالنسبة إلى الولايات المتّحدة إلى حدٍّ كبير مع تقدُّم التكنولوجيا، التي من شأنها جعل الطاقة البديلة والمركبات الكهربائيّة وقدرة البطاريات على تخزين الطاقة، أفضلَ وأرخَص. غير أنّه حتّى ذلك الوقت ستظلُّ مواردُ الطاقة في الشرق الأوسط تمثّل مصلحةً أساسيّة من المصالِح الأميركيّة في المنطقة. ولا يزال الازدهارُ الأميركيّ والعالميّ (المترابطان ارتباطاً وثيقاً) قائمَين على استهلاك المواد الكربونيّة، ولهذا السبب كان من الغريب للغاية أن تتّبع إدارة ترامب نهجاً متهاوِناً في الاستجابة لهذه التهديدات التي تتعرَّض لها هذه المصلحة الأساسيّة. 

لقد أثبتَت الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج في الآونة الأخيرة لقادةِ إيران أنَّ بإمكانهم التصعيد والإفلات من العقاب. فخلال فصلَي الربيع والصيف، بدأ الحرسُ الثوريّ الإيرانيّ يضع الألغام على ناقلات النفط، ثم قام بإسقاط طائرة أميركيّة من دون طيار، وأعقب ذلك تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز. في حين اتّسم ردّ إدارة ترامب على هذه الأحداث بالضعف عموماً، فقد أنشأت بعثةً جديدة للأمن البحريّ مع حلفائها، وطبَّقت عقوباتٍ على إيرانيّين لن يسافروا إلى الولايات المتحدة أبداً ولا يملكون أصولاً هناك. والآن، إذا كان لنا أن نصدِّق وزيرَ الخارجيّة الأميركيّ في ما قاله، فقد ضرَب الإيرانيّون مفصلاً أساسيّاً في البنية التحتيّة النفطيّة السعوديّة، ما أدَّى إلى حرمان الأسواق العالميّة من كمّيّاتٍ كبيرة من النفط. وهذا ما يحدث عندما توجّه رسالة إلى الحرس الثوريّ الإيرانيّ مفادها أنهم يملكون منطقة الخليج.

لدى الإيرانيّين -وغيرِهم من المعارضين للولايات المتّحدة في المنطقة- الأسباب الكافية للاعتقاد بأنّ ترامب يتحدَّث بصوتٍ عالٍ ويلوِّح بعصا ليس لها وجودٌ على أرض الواقع. وفي حين لا يرغب أحدٌ في قيام حرب في المنطقة، يمكن أن يكون الردّ الانتقاميّ للولايات المتّحدة، بعد إسقاط إيران طائرةَ استطلاع أميركيّة، رادعاً وكافياً لجعل الإيرانيين يُمعِنون التفكير قبل الإقدام على اتخاذ خطوة رئيسيّة مثل مُهاجمة منشأتَي بقيق وهجرة خُرَيص.

بطبيعة الحال، لا توجد سياسة خالية من المخاطر، فضلاً عن أنّ مخاطرَ نُشوب صراعٍ إقليميّ أوسعَ نطاقاً تلوحُ في الأفق في كلِّ مكان، ولكن الإيرانيّين (إذا كانوا بالفعل وراء هذه الهجمات) يختبرون الأسسَ المنطقيّة التي لطالما تبنّتها الولايات المتحدة للاستثمار في الشرق الأوسط على مدى السنوات السبعين الماضية. وإذا لم يرُدّ ترامب عسكريّاً على أيٍّ من تلك الهجمات، فيتعيَّن على الولايات المتّحدة أن تَحزِم أمتعتَها وتنكفِئ على نفسِها.

 

هذا المقال مترجَم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

إيران والولايات المتحدة تخوضان حرباً في العراق

إقرأ أيضاً