fbpx

هنا القصة الثالثة

موفق نيربية - كاتب وسياسي سوري معارض

موفق نيربية - كاتب وسياسي سوري معارض

مقالات الكاتب

ازدحام الثلاثيات وتصادمها حول سوريا

كان لافتاً تماماً كقرارات ترامب المتعلقة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم بحقها في الجولان المحتل، أن يتم الاتفاق على الاجتماع الثلاثي الرفيع الأميركي – الروسي – الإسرائيلي في القدس. وعلى رغم حديث متوقع لمصادر متنوعة حول فشل الاجتماع في التوصل إلى اتفاقات حول سوريا وإيران، إلا أن هذا اللقاء حقق، نجاحاً كبيراً لإسرائيل أولاً، ولروسيا ثانياً… وربما للولايات المتحدة أيضاً، بإدارتها الحالية ومصالحها الانتخابية على الأقل.

الشرق الأوسط معتاد على “الثلاثيات” منذ زمن طويل. بدأ روزفلت ذلك بلقائه مع الملك عبد العزيز على ظهر المدمرة في قناة السويس، وما نتج عن ذلك من تأسيس لمحور سعودي- مصري- سوري، لعب دوراً في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الأمن والاستقرار، وتأمين انسياب النفط ومواجهة الاتحاد السوفياتي قديماً، مع إزاحة نفوذ الفرنسيين ثم البريطانيين بالتدريج.

وتبلورت حديثاً ثلاثية مهمة، من السعودية والإمارات ومصر، تقوم على مواجهة إيران والتطرف الإسلامي والإخوان المسلمين خصوصاً، كما لا تزال مغبشة قليلاً مواجهة الثلاثية المذكورة بحيث تشترط كل دولة الأخرى في وجودها وحركتها. فقطر تهرب من حصار خليجي، وإيران من حصار أميركي، وترزح تركيا بين الجبارين الروسي والأميركي. إنها ثلاثية متكاملة.

الشرق الأوسط معتاد على “الثلاثيات” منذ زمن طويل. بدأ روزفلت ذلك بلقائه مع الملك عبد العزيز على ظهر المدمرة في قناة السويس

كما أن هنالك ثلاثية مهمة تعمل بوقود القضية السورية، تضم من أصبح يُطلق عليهم اسم الضامنين، وهم روسيا وإيران وتركيا، وعنوانهم التجاري في أستانا. وجاء وصفهم بالضامنين لأنهم اتفقوا على ضمان اتفاقات تخفيض العنف في مناطق أربع، انتهت ثلاث منها منذ زمن وأعيدت إلى النظام برعاية روسية، من دون أن يتوقف أحد عند مسؤولية الضامنين والتزاماتهم. هذه الثلاثية تعتاش على الغياب الأميركي، وأطرافها مستعجلون دائماً ومتلهفون لتسريع وقائع مناسبة تضطر مجموعة القرارات النهائية لأخذها بالحسبان.

ولا شيء يتفوق في الأهمية على آخر هذه الثلاثيات، تلك التي بدأت عملها في القدس أخيراً، وهي مؤلفة من روسيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، الغائب الحاضر دائماً في السابق، الحاضر الحاضر الآن كما يبدو، وكما يطمح نتانياهو.

تقول بعض المصادر الإسرائيلية إن نتانياهو لم يخرج مرتاحاً لنتائج اللقاء، بسبب التعنت الروسي، وحتى بسبب حفاظ بولتون على لهجته المتراخية مع الإيرانيين، وتكرار بيان أن الباب مفتوح للحوار معهم. وهذا يتناقض بالطبع مع الموقف الإسرائيلي غير المساوم، والميّال إلى الحسم وإنهاء الخطر الإيراني وإن عبر القوة.

تخرج إسرائيل من حالة باطنية مفترضة وسحرية تتغذى عليها قصص نفوذها الهائل في السياسة الأميركية أولاً ثم في روسيا والعالم، إلى حالة معلنة رسمية تكون فيها الضلع الثالث المكافئ والمستضيف للدولتين الأقوى في العالم. هذا نجاح كبير للسياسة الخارجية الإسرائيلية لا بدّ من الإقرار به، ونقطة تحول سوف تُسجّل في تاريخ السياسة الدولية، من باب الشرق الأوسط على الأقل. تحتاج إسرائيل إلى هذا النجاح قبل الانتخابات الأميركية، لتعزيزه إن عاد ترامب إلى مكتبه، أو الحفاظ على أرضيته إن خرج منه ولم يعد.

تبلورت حديثاً ثلاثية مهمة، من السعودية والإمارات ومصر، تقوم على مواجهة إيران والتطرف الإسلامي والإخوان المسلمين خصوصاً

من ناحية أخرى، يحتاج نتانياهو وجماعته إلى ذلك النجاح بتلهف وتطلع إلى الانتخابات النيابية القريبة أيضاً. فعلى رغم متانة الاستراتيجية وموضوعيتها النسبية في هذين البلدين، يبقى للانتخابات ومواسمها دور كبير وفاعل.

في هذه الأجواء، انعقد لقاء غير ثلاثي في المنامة، بمبادرة أميركية تشبه سياسات الإدارة الحالية، وأيضاً تشبه تركيبات المنطقة. فقد كان منظمها جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي الأقدم منزلة والأصغر سناً، والأهم أنه صهره ومكمن سره الجامع بين الاقتصاد والسياسة والقائم بالتوليف بينهما. وباختصار وتكثيف، كان الاجتماع الذي كان يُراد له أن يكون مؤتمراً، فغدا ورشة، فاشلاً بمعانٍ متعددة، في رأي كثر من المراقبين والرافضين.

ولا بدّ أن ما يهم ترامب وصهره ومن يمثلان، هو تمرير أولي لفكرة استناد السياسة إلى الاقتصاد، مروراً بالعامل العسكري أحياناً، إذ يكون على كل من يريد الضمان والحماية أن يدفع مسبقاً، ولكل من يحتاج إلى قرار سياسي وموقف داعم أن يدفع. ويمكن أيضاً من جهة أخرى شراء الجميع، وبسعر تفرضه موازين القوى غالباً. تعتمد عبقرية فكرة صفقة القرن الموعودة على هذا الجوهر، القاضي بأن أصعب وأعقد قضية في العالم منذ ما بعد الحرب الكونية الأخيرة، القضية الفلسطينية، يمكن إنهاؤها وحلها عبر ضخ الأموال، ومن جيوب أصحاب القضية غير المباشرين، أو المتورطين بها ولا يعرفون انفكاكاً يتوقون إليه.

لم يتغيب أحد من المهمين عن الساحة، ولو أنهم هربوا إلى التمثيل الضعيف وغير السياسي، وجاء تغيب الفلسطينيين وهجومهم على اللقاء والمشروع مفاجئاً للبعض، وغير مفاجئ لمن يعرف أن هنالك قاعاً للحفرة الحالية لا يمكن أن ينزل أي فلسطيني تحته، أو يجرؤ على ذلك حتى. على رغم هذا، كان أهم منتج لورشة المنامة في رأي المراقبين الإسرائيليين، وهم الأقرب إلى الوقائع والحقائق، هو تحقيق درجة من “التطبيع”، غير مسبوقة. هذا الإنجاز ليس نتيجة لنجاحات ترامب وصهره وسياستهما الجديدة وحسب، بل هو أيضاً نتيجة طبيعية لمجمل ما حدث في المنطقة في هذا القرن، وصورة نتائجه الراهنة.

لا سحر في الرقم 3، وإلا لاعتمدته الأساطير والأديان القديمة، التي لطالما استخدمت الرقم 4 أو 7 أو 12، مروراً بالرقم واحد الحاسم في روما القديمة وبشكل أقل في الولايات المتحدة. الرقم 3 هو بداية الجمع في العربية، وهو أكثر ثباتاً من تلك الآراء التي تعتبر الاثنين جمعاً. في السياسة، لا يمكن التعويل على اجتماع طرفين، لأنه ليس من طرف ثالث يستطيع الشهادة أو التحكيم بينهما، طرف يخفف من احتمالات التآمر والكذب وازدواج الوجه.

لا مصلحة لنا في تفكيك تلك الثلاثيات من طريق المواجهة، بل ربما كان ذلك فخاً من طبيعة “المؤامرة”، التي تضمرها تلك الثلاثيات. مصلحتنا في فهم مضامينها، قبل فوات الأوان، ثم في تعطيل مفاعيلها أو الاحتماء منها موقتاً، أو التفاعل معها لو ظهرت فائدة في ذلك. ولكن الابتعاد قليلاً، والشغل على استراتيجية دينامية وذاتية التمحور هو الأساس والأصل.

في السياسة، لا يمكن التعويل على اجتماع طرفين، لأنه ليس من طرف ثالث يستطيع الشهادة أو التحكيم بينهما، طرف يخفف من احتمالات التآمر والكذب وازدواج الوجه.

جاء ذكر سوريا كثيراً في ثلاثية القدس الأكثر أهمية، ولكن انطلاقاً من كونها محلاً ومقراً للنشاط الإيراني القابل للانفجار في وجه الجميع. إن ذلك سيئ لنا في الظاهر والرسمي والحقوقي، لكنه ربما يفيدنا في النتيجة. وتبقى لنا ثلاثيتان بانتظار لحظة الحقيقة والتسوية: إحداهما تضم الولايات المتحدة وروسيا وتركيا من الخارج أو من فوق، والثانية على الأرض، تضم المعارضة والنظام والشعب السوري.

وبالمناسبة، في علم الميكانيك، هناك مفهوم مهم اسمه “مثلث القوى”، تمثل أضلاعه شدة القوى الفاعلة واتجاهها، وتقوم عليه حسابات التوازن والاستقرار.

بين دول الخليج وجرح سوريا النازف

إقرأ أيضاً