fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

إيطاليا ضدّ أوروبا

احتمال تشكيل حكومة شعبويّة في إيطاليا صار قاب قوسين أو أدنى. هذا ما أوحت به الوثيقة التي سُرّبت إلى الإعلام واعتُبرت بمثابة المسوّدة لبرنامج حكوميّ مشترك.

مفاوضات الحزبين “النجوم الخمس” و”العصبة” (أو الرابطة في ترجمة أخرى) التي طالت نسبيّاً يبدو أنّها تغلّبت على الإشكالات السابقة التي كانت تفصل بينهما، بما فيها الموقف من سيلفيو بيرلوسكوني، حليف “العصبة” الذي تعتبره “النجوم” كبير الفاسدين، والتنافس بين لويجي دي مايو، زعيم “النجوم” وماتيو سالفيني، زعيم “العصبة”.

هكذا، وإذا ما قيّض للحكومة أن تتشكّل، بحسب ما بات متوقّعاً، أمكن القول إنّ تلك الحكومة الشعبويّة ستتمتّع بقوّة ملحوظة: فـ “النجوم” تسيطر على أغلبيّة أصوات الجنوب فيما تسيطر “العصبة” على الوزن الأكبر في الشمال (من دون أن تنعكس هذه القوّة على مجلس الشيوخ).

أهمّ ما يجمع بين هذين الحزبين أنّهما مناهضان لـ “المؤسّسة” يطرح كلّ واحد منهما نفسه بوصفه بديلاً عنها. وأنّهما، وإن أصرّا على توكيد البقاء في الاتّحاد الأوروبيّ، يناهضان المشروع الأوروبيّ بقوّة، أقلّه في نقطتين: رفض سياسته حيال اللاجئين الذين “ينبغي خفض عددهم بأيّ وسيلة ممكنة”، وشطب الديون الأوروبيّة المستحقّة على إيطاليا، والبالغة 250 بليون يورو، بهدف خفض الدين الخارجيّ الكبير الذي يثقل على الاقتصاد الإيطاليّ. وأخيراً، فالحزبان الشعبويّان يجمع بينهما الإعجاب بكلّ من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وزميله الروسيّ فلاديمير بوتين.

وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ سيكون كارثة على أوروبا لا تقلّ عن كارثة بريكزيت البريطانيّ. فإيطاليا، بعد خروج بريطانيا من الاتّحاد، باتت صاحبة الاقتصاد الأوروبيّ الثالث حجماً، بعد ألمانيا وفرنسا. لكنّ ما قد يفوق ذلك أهميّة هو تجسيده لانكسارات ثلاثة كبرى: واحد يطال المشروع الأوروبيّ كمشروع استطاع ديمقراطيّاً، لأوّل مرّة في التاريخ، أن يتجاوز نطاق الدولة – الأمّة، وأن يعد بالمزيد من تجاوزها لمصلحة كيان أكبر. ما حصل في إيطاليا هو الانتصار الثاني (بعد البريطانيّ) الذي تحقّقه الدولة – الأمّة وروحها القوميّة. أمّا الانكسار الثاني فيطال الديمقراطيّة الليبراليّة لصالح تثبيت الديمقراطيّة كمجرّد إجراء انتخابيّ وتقنيّ. ويبقى كاستطراد للعاملين السابقين، انكسار النموذج الأوروبيّ في مواجهة النموذج الروسيّ، وكذلك تراجع قدرته على تصويب النموذج الأميركيّ بعد الانتكاسة الترامبيّة التي ألمّت به. وبالطبع فهذا ما سوف ينعكس مزيداً من التردّي على السياسات الخارجيّة لروما التي ترفع، هي الأخرى، شعار “إيطاليا أوّلاً”. أمّا أوّل من ستفتك بهم النزعة القوميّة الجديدة والظافرة سيكونون حتماً المهاجرين واللاجئين.

هل يمكن لأوروبا أن تحتمل هذه الإيطاليا؟ بل هل يمكن لإيطاليا نفسها أن تحتملها؟ وهل ستستطيع قوى المعارضة التي انهارت أشكالها وأحزابها القديمة أن تعاود اختراع نفسها بما يمكّنها من مواجهة التحدّي، ومن استثمار الأخطاء التي سيرتكبها الائتلاف الجديد الموعود؟

الفترة القصيرة المقبلة ستشهد مراقبة دقيقة لروما، وتفكيراً متواصلاً لمحاولة الإجابة عن تلك الأسئلة.

إقرأ أيضاً