إيران وقواعد اللااشتباك مع إسرائيل

لا يستقيم الحديث عن "مقاومة" لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك "المقاومة" سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب

تشن إسرائيل الغارة تلو الغارة، في سوريا، مستهدفة قواعد عسكرية ومستودعات ذخيرة، وقوافل تسلح للنظام وللحرس الثوري الإيراني وللميليشيات المسلحة التي تتبع له، لا سيما “حزب الله”، وهو ما بتنا نشهده في العامين الماضيين، أكثر من أي فترة سابقة، فهي وجهت ضربات في 12 و20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 كما باتت تضرب حتى في العراق، كما شهدنا في الأسابيع الماضية. 

ثمة ملاحظات عدة هنا، الأولى، أن إسرائيل تضرب في حين أن الأطراف الأخرى تكتفي بادعاء حق الرد في الزمان والمكان المناسبين. والثانية، أن إيران تحاول استدراج إسرائيل، عبر الجبهة السورية، أو عبر جبهة غزة (كما حصل أخيراً)، في حين أنها تتجنب التورط مباشرة، حتى أنها تتجنب توريط “حزب الله” في أي مواجهة مع إسرائيل. وقد يجدر التذكير هنا بأن إسرائيل ذهبت إلى إيران ذاتها (مطلع العام الماضي) في غارة استولت فيها على جزء كبير من أرشيفها النووي، من دون أن أي رد على ذلك. والملاحظة الثالثة، أن استدراج إيران، والقوى التابعة لها، لمواجهات مع إسرائيل، ليس الغرض منه، المقاومة، وإنما يأتي كوظيفة استخدامية سياسية وآنية، وحسب، وضمن ذلك ركوب قضية فلسطين والتلاعب بفكرة المقاومة. 

تغدو قواعد اللا اشتباك مع إسرائيل، مجرد ذريعة أو غطاء لوأد تطلع شعب سوريا ولبنان والعراق وإيران إلى الخلاص.

الفكرة الأساسية التي ينبغي إدراكها هنا تتعلق بتفسير زيادة وتيرة الضربات الإسرائيلية وعددها وقوتها، في العامين الماضيين، مقارنة مع الأعوام الماضية، باعتبار أن الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في الدور الإيراني بتخريب المشرق العربي، أدى أغراضه، وأن إيران أتمت مهمتها وآن أوان تحجيمها. 

ولعل ما تفترض ملاحظته، في هذا الإطار، أن إيران، وميليشياتها المسلحة، لم تهيمن على بلدان المشرق العربي من العراق إلى سوريا ولبنان، في غفلة من الزمن، لا عن أميركا ولا عن إسرائيل، وإنما هي هيمنت بفضل تسهيلهما الأمر لها، بطريقة غير مباشرة، سواء بتسليم الولايات المتحدة العراق، بعدما غزته (2003)، إلى الميليشيات التابعة لإيران، وتفكيكها الدولة العراقية (الجيش والأمن والجهاز البيروقراطي والخدمي)، وصوغ دستور طائفي (في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر)، اعتقاداً من الولايات المتحدة الأميركية بأنه يمكنها الاستثمار في إيران، وادعاءاتها، لخلق فوضى وتشققات في المشرق العربي، بحيث يقوم نظام “الولي الفقيه”، وحرسه “الثوري” وما يسمى “فيلق القدس”، والميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، بالعمل “الوسخ”، في تصديع البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي.

ما تقدم يفسر السكوت الإسرائيلي عن تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان (لا سيما بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، واستدارة حزب الله إلى الداخل اللبناني)، وتوقيفه المقاومة، مع التذكير بأن “حزب الله” لم يطلق رصاصة على إسرائيل من جنوب لبنان، لا إبان الانتفاضة الثانية التي استمرت خمسة أعوام (2000- 2004)، ولا في الحروب الإسرائيلية الثلاث التي شنتها إسرائيل على غزة في الأعوام 2008، و2012، و2014. أما لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين (2006)، والتي استجرت حرباً مدمرة على لبنان، والتي اضطرت أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله ذاته للاعتذار عنها، فهي حدثت فقط للتغطية على اغتيال الحريري وخروج النظام السوري من لبنان، ولغرض استعادة الحزب هيبته، وفرض ذاته لاعباً في الساحة اللبنانية، على نحو ما بتنا نشاهد في السنوات القليلة الماضية. 

هكذا، وفي المحصلة وبغض النظر عن الادعاءات فإن “حزب الله” انصرف عن المقاومة عملياً منذ عام 2000 أي منذ 19 عاماً، في حين أنه انشغل في السنوات الماضية بقتل السوريين وتشريدهم وتدمير عمرانهم، دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وها هو يشتغل كمدافع عن النظام الطائفي الفاسد في لبنان، في حين تقوم إيران بالدور ذاته مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق.

وكانت إسرائيل كثفت غاراتها العسكرية وضرباتها الجوية والصاروخية بدءاً من العام الماضي (2018)، ولعل أقساها تلك التي حصلت في نيسان/ أبريل، قرب حماة، والتي أدت إلى تدمير قاعدة إيرانية كبيرة، تحتوي على مخازن أسلحة. أما أعنف الهجمات التي شنتها إسرائيل في سوريا، في العام الحالي، فكانت في شهري تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس المنصرمين، إذ استهدفت بداية العاصمة دمشق ومدينة حمص في مطار المزة العسكري، منشآت عسكرية إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” في الكسوة، جنوب دمشق، قاعدة الفيلق الأول، مركز البحوث في جمرايا، منشآت عسكرية في صحنايا، مجموعة من القواعد التابعة لـ”حزب الله” في جبال القلمون، إلى جانب قواعد أخرى في حمص. ثم استهدفت قواعد في دمشق، ما أدى إلى مصرع عشرات بينهم كوادر في “حزب الله”، إضافة إلى عسكريين إيرانيين. وتزامنت هذه الهجمات مع أخرى مماثلة شنتها إسرائيل ضد مقرات لـ”حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت.

في المحصلة، لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب التي تكافح للتحرر من أنظمة الفساد والاستبداد والطائفية، ففي الحالين تغدو قواعد اللااشتباك مع إسرائيل، مجرد ذريعة أو غطاء لوأد تطلع شعب سوريا ولبنان والعراق وإيران إلى الخلاص.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email