إيران وقواعد اللااشتباك مع إسرائيل

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
نوفمبر 21, 2019
لا يستقيم الحديث عن "مقاومة" لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك "المقاومة" سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب

تشن إسرائيل الغارة تلو الغارة، في سوريا، مستهدفة قواعد عسكرية ومستودعات ذخيرة، وقوافل تسلح للنظام وللحرس الثوري الإيراني وللميليشيات المسلحة التي تتبع له، لا سيما “حزب الله”، وهو ما بتنا نشهده في العامين الماضيين، أكثر من أي فترة سابقة، فهي وجهت ضربات في 12 و20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 كما باتت تضرب حتى في العراق، كما شهدنا في الأسابيع الماضية. 

ثمة ملاحظات عدة هنا، الأولى، أن إسرائيل تضرب في حين أن الأطراف الأخرى تكتفي بادعاء حق الرد في الزمان والمكان المناسبين. والثانية، أن إيران تحاول استدراج إسرائيل، عبر الجبهة السورية، أو عبر جبهة غزة (كما حصل أخيراً)، في حين أنها تتجنب التورط مباشرة، حتى أنها تتجنب توريط “حزب الله” في أي مواجهة مع إسرائيل. وقد يجدر التذكير هنا بأن إسرائيل ذهبت إلى إيران ذاتها (مطلع العام الماضي) في غارة استولت فيها على جزء كبير من أرشيفها النووي، من دون أن أي رد على ذلك. والملاحظة الثالثة، أن استدراج إيران، والقوى التابعة لها، لمواجهات مع إسرائيل، ليس الغرض منه، المقاومة، وإنما يأتي كوظيفة استخدامية سياسية وآنية، وحسب، وضمن ذلك ركوب قضية فلسطين والتلاعب بفكرة المقاومة. 

تغدو قواعد اللا اشتباك مع إسرائيل، مجرد ذريعة أو غطاء لوأد تطلع شعب سوريا ولبنان والعراق وإيران إلى الخلاص.

الفكرة الأساسية التي ينبغي إدراكها هنا تتعلق بتفسير زيادة وتيرة الضربات الإسرائيلية وعددها وقوتها، في العامين الماضيين، مقارنة مع الأعوام الماضية، باعتبار أن الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في الدور الإيراني بتخريب المشرق العربي، أدى أغراضه، وأن إيران أتمت مهمتها وآن أوان تحجيمها. 

ولعل ما تفترض ملاحظته، في هذا الإطار، أن إيران، وميليشياتها المسلحة، لم تهيمن على بلدان المشرق العربي من العراق إلى سوريا ولبنان، في غفلة من الزمن، لا عن أميركا ولا عن إسرائيل، وإنما هي هيمنت بفضل تسهيلهما الأمر لها، بطريقة غير مباشرة، سواء بتسليم الولايات المتحدة العراق، بعدما غزته (2003)، إلى الميليشيات التابعة لإيران، وتفكيكها الدولة العراقية (الجيش والأمن والجهاز البيروقراطي والخدمي)، وصوغ دستور طائفي (في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر)، اعتقاداً من الولايات المتحدة الأميركية بأنه يمكنها الاستثمار في إيران، وادعاءاتها، لخلق فوضى وتشققات في المشرق العربي، بحيث يقوم نظام “الولي الفقيه”، وحرسه “الثوري” وما يسمى “فيلق القدس”، والميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، بالعمل “الوسخ”، في تصديع البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي.

ما تقدم يفسر السكوت الإسرائيلي عن تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان (لا سيما بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، واستدارة حزب الله إلى الداخل اللبناني)، وتوقيفه المقاومة، مع التذكير بأن “حزب الله” لم يطلق رصاصة على إسرائيل من جنوب لبنان، لا إبان الانتفاضة الثانية التي استمرت خمسة أعوام (2000- 2004)، ولا في الحروب الإسرائيلية الثلاث التي شنتها إسرائيل على غزة في الأعوام 2008، و2012، و2014. أما لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين (2006)، والتي استجرت حرباً مدمرة على لبنان، والتي اضطرت أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله ذاته للاعتذار عنها، فهي حدثت فقط للتغطية على اغتيال الحريري وخروج النظام السوري من لبنان، ولغرض استعادة الحزب هيبته، وفرض ذاته لاعباً في الساحة اللبنانية، على نحو ما بتنا نشاهد في السنوات القليلة الماضية. 

هكذا، وفي المحصلة وبغض النظر عن الادعاءات فإن “حزب الله” انصرف عن المقاومة عملياً منذ عام 2000 أي منذ 19 عاماً، في حين أنه انشغل في السنوات الماضية بقتل السوريين وتشريدهم وتدمير عمرانهم، دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وها هو يشتغل كمدافع عن النظام الطائفي الفاسد في لبنان، في حين تقوم إيران بالدور ذاته مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق.

وكانت إسرائيل كثفت غاراتها العسكرية وضرباتها الجوية والصاروخية بدءاً من العام الماضي (2018)، ولعل أقساها تلك التي حصلت في نيسان/ أبريل، قرب حماة، والتي أدت إلى تدمير قاعدة إيرانية كبيرة، تحتوي على مخازن أسلحة. أما أعنف الهجمات التي شنتها إسرائيل في سوريا، في العام الحالي، فكانت في شهري تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس المنصرمين، إذ استهدفت بداية العاصمة دمشق ومدينة حمص في مطار المزة العسكري، منشآت عسكرية إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” في الكسوة، جنوب دمشق، قاعدة الفيلق الأول، مركز البحوث في جمرايا، منشآت عسكرية في صحنايا، مجموعة من القواعد التابعة لـ”حزب الله” في جبال القلمون، إلى جانب قواعد أخرى في حمص. ثم استهدفت قواعد في دمشق، ما أدى إلى مصرع عشرات بينهم كوادر في “حزب الله”، إضافة إلى عسكريين إيرانيين. وتزامنت هذه الهجمات مع أخرى مماثلة شنتها إسرائيل ضد مقرات لـ”حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت.

في المحصلة، لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب التي تكافح للتحرر من أنظمة الفساد والاستبداد والطائفية، ففي الحالين تغدو قواعد اللااشتباك مع إسرائيل، مجرد ذريعة أو غطاء لوأد تطلع شعب سوريا ولبنان والعراق وإيران إلى الخلاص.

إيران : هل تعيد “الصفعة الشيعية” النظام إلى رشده؟

إقرأ أيضاً

ميزر كمال- صحافي عراقي
التصعيد الذي بدأ قبل أوانه، يثير المخاوف من موجة جديدة من العنف، والقمع الذي تتبعه القوات الأمنية العراقية لمواجهة الاحتجاجات في عموم البلاد
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الحساسية المفرطة حيال مشهد فتية الطوائف يحطمون مصرفاً أو يستهدفون البرلمان، يجب أن تُوجه نحو السلطة الوقحة للمصرف وللبرلمان. ويجب أن يُشهر في وجهها إصبعاً يشبه اصبع حسن نصرالله حين يشهره في وجه خصومه في “14 آذار”.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email