fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

إيران تحاول خنق “الحرية المسترقة”

لم تمض قضية اعتقال شقيق الناشطة والصحافية الإيرانية مسيح علي نجاد واثنين من أقاربها، من دون أن تحدث موجة استنكار عالمية واسعة، خلافاً لحسابات رجال الاستخبارات الإيرانية، الذين يصعّدون، من دون ضجيج، طرائق المواجهة، مع ناشطات حملة “الحرية المسترقة” وناشطيها، والتي تقودها علي نجاد من منفاها في نيويورك.

فإضافة إلى الدعم الذي تلقته علي نجاد، من منظمات حقوقية عالمية وشخصيات تعمل في مجال حقوق الإنسان، والذي أسفر عن إطلاق سراح قريبيها (ليلى وهادي لطفي)، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية، بياناً تدين فيه العملية ووصفتها بـ”المهينة والجبانة”، وطالبت بالإفراج الفوري عن المعتقلين.

وفي برنامجها الذي تقدمه على “صوت أميركا”، وضعت علي نجاد هذه الحادثة في خانة الخطف، وقالت: “في الوقت الذي يدعي روحاني وظريف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنهما يسعيان إلى السلام، نراهما في الداخل يرهبان الشعب ويقمعانه بوحشية”، ذلك أنه تزامناً، مع اللقاءات الودية وتوزيع الابتسامات وأجواء المرح، التي أشاعها الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، كانت الأجهزة الأمنية الإيرانية، تقود ثلاثة من أقارب علي نجاد، إلى السجن، وتطلق حملة شعواء، ضد ناشطات حملة “الحرية المسترقة”، وتتعقب وتعتقل وتنكل بكل فتاة، خلعت حجابها، ونشرت صورة أو مقطع فيديو، على صفحة الحملة على موقع “فيسبوك”. 

وهدد رئيس محكمة طهران الثورية موسى غضنفر آبادي كل من تشارك بالحملة، وتعمل بتوجيهات علي نجاد، وكل من تنشر مقطع فيديو على “فيسبوك”، باعتقالها، وتطبيق المادة 508 من قانون العقوبات الإيراني، بحقها، والتي تقضي بالسجن 10 سنوات، بتهمة الفاحشة والاتصال بالعدو. 

الحرب المستعرة بين النظام الإيراني، والنساء الرافضات الحجاب الإجباري، ليست بجديدة، وهي مندلعة منذ اللحظة الأولى، التي أعلنت فيها الجمهورية الإسلامية قانون إلزامية الحجاب، بعد انتصار الثورة مباشرة، ولكنها تخفت وتهب وفق الظروف الاجتماعية والسياسية والأمنية. وأخيراً ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي، في نقل وقائعها إلى العالم.

 

فالنظام الإيراني الذي يسيطر على قرار أربع عواصم عربية، ويضخ ميزانيات ضخمة لتمويل الميليشيات التابعة له، وإدارة الأجهزة الأمنية الأكثر رعباً في العالم، لا يستطيع السيطرة، على حملة تدار على “فيسبوك” من قبل امرأة تعيش في المنفى!

 

فمنذ عقد تقريباً، أطلقت شخصيات إيرانية معارضة تعيش في الخارج، دعوات، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتشجيع النساء الإيرانيات على خلع الحجاب، لكنها، لم تلق الاهتمام المناسب، إلى أن أطلقت علي نجاد من نيويورك، عام 2014، حملة “الحرية المسترقة”، مع مجموعة من الشباب، بمبادرة خاصة ومن دون دعم مادي ولا حتى معنوي من أحد، ولكنها للمفاجأة، حظيت بشعبية واسعة في غضون أيام.

استطاعت علي نجاد بإيمانها بقدرات نساء بلادها وبخطابها البسيط، أن تقنع كثيرات في إيران، على رغم الخطر الذي يحيط بهن وبعائلتهن، بأن يسجّلن مقاطع فيديو، وهن يسرن في الشوارع، سافرات، ويرسلنها إليها، وتقوم هي بنشرها على صفحة الحملة على “فيسبوك”، لتنشر خلال أيام، آلاف الأفلام والصور، التي سرعان ما اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي والصحف ووسائل الإعلام العالمية. كما جذبت أنظار العالم إلى بعض ما يحصل في الداخل الإيراني، خصوصاً مسألة الحريات وحقوق المرأة، وأصبحت علي نجاد بذلك أكثر المعارضات والمعارضين نفوذاً في إيران وأشهرهم خارجها.

بعد الانتشار المبهر الذي حققته الفيديوات الأولى، توسع نشاط الحملة، وتحول إلى نضال حقيقي يومي، وتفرعت منه حملة “الأربعاء الأبيض”، ما شكل إلهاماً، للكثير من الحملات والأنشطة النسوية المناهضة للحجاب الإجباري، مثل “فتيات شارع الثورة”، على رغم الانتقادات المتبادلة بين الحملتين، التي تلامس العداوات أحياناً. لكن العداوة الحقيقية، تجاه علي نجاد، تأتي من مؤسسات النظام الإيراني، من دون استثناء، التي لم تدخر منذ خمس سنوات إلى اليوم، وسيلة، لتشويه نضالها، حتى أنه لا يكاد يمر يوم على الجمهورية الإسلامية، من دون أن يذكر فيه أحد المسؤولين اسمها، أو خبراً مفبركاً عن علاقتها بالموساد ووكالة الاستخبارات الأميركية وحياتها الجنسية وثروتها، خصوصاً بعد لقائها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، في يوم المرأة العالمي. ولذلك تشهد نساء “الحرية المسترقة” و”الأربعاء الأبيض”، قمعاً وحشياً هذه الأيام، وفي الأيام كلها، وتتعرض عائلة علي نجاد وأقاربها، لعمليات انتقام، منتظمة.

لكن حملات النظام المرتدة، لا تنم إلا عن عجز أجهزته الأمنية، عن معالجة ظاهرة خلع الحجاب في الأماكن العامة، وقمع المطالبات بإلغاء فقرة الحجاب الإجباري من الدستور، وفشله في شيطنة مسيح علي نجاد. وهذا مشهد على درجة عالية من الغرابة، فالنظام الإيراني الذي يسيطر على قرار أربع عواصم عربية، ويضخ ميزانيات ضخمة لتمويل الميليشيات التابعة له، وإدارة الأجهزة الأمنية الأكثر رعباً في العالم، لا يستطيع السيطرة، على حملة تدار على “فيسبوك” من قبل امرأة تعيش في المنفى!

“فاتيما” الإيرانية نجت من زواج مبكر… ماذا عن الأخريات؟

 

إقرأ أيضاً