إيران التي نسيت تاريخ الاشتراكيين الإسلاميين

بعد 42 عاماً على رحيل علي شريعتي في مدينة ساوثهامْبتون البريطانية، ماذا بقي من تقاليد "اليسار الإسلامي" في الفضاء السياسي والفكري الإيراني؟

بعد 42 عاماً على رحيل علي شريعتي في مدينة ساوثهامْبتون البريطانية، ماذا بقي من تقاليد “اليسار الإسلامي” في الفضاء السياسي والفكري الإيراني؟

حتى الآن تم تقديم تاريخ المفكرين الدينيين وعرضه بطريقة واحدة ومن وجهة نظر واحدة، لكن هذا التاريخ لم يكن متنوعاً فحسب، بل كان أحياناً يُزاحم الآخر في الميدان ويحاول دفعه خارجاً.

فإن كان المفكّرون والشخصيات الثقافية من “الاشتراكيين الإسلاميين” والمعروفون باسم “المفكرون الدينيون الليبرال” يقفون على طرف البوصلة، فسيكون التحريفيون في الجهة المقابلة (بالإنكليزية revisionism، وتعني أيضاً إعادة النظر بالعربية، ويعرّفها القاموس الماركسي بالانتهازية التي تتستر بالاعتراف بالماركسية قولاً وتحريفها عملياً).

علي شريعتي

في الوقت الراهن لم يتبقَّ سوى القليل من تقاليد اليسار الإسلامي. فهل قام المفكّرون التحريفيون في تسعينات القرن الماضي بمصادرة “الاشتراكيين الإسلاميين”؟ ولماذا وكيف دُرست آثار المفكّرين الدينيين وتقاليدهم؟ وهل كان علي شريعتي ضحية عبد الكريم سروش؟

كتبت صحيفة “شرق” في تقرير لها عن حسينية إرشاد أنها ممثّل لتجديد الفكر الديني، وأنّها آلت بعد وفاة ناصر ميناجي مدير هذا المجمّع إلى بعض الشخصيات المقرّبة من الأصوليين المحافظين.
ومع ذلك، فإنّ حسينية إرشاد وعلى رغم أنّها كانت تشتهر وتعدّ عموماً “معقل المفكرين الدينيين”، إلا أنّها اشتهرت أكثر على يد علي شريعتي، كما ذكرها هو نفسه، لكنّه استُبدل بتيار آخر بعد ذلك، وعُرف بغلبة “الاشتراكيين الإسلاميين” عليه وصار يوصف بذلك. بهذا المعنى وحتى بعد إعادة افتتاح حسينية إرشاد في الثورة الإسلامية، فإنّ أبواب هذا المكان لم تُفتح مرة أخرى للاتجاهات اليسارية والاشتراكية.

كان التناقض بين الشخصيات المعروفة والمفكرين الدينيين كبيراً، لدرجة أنّ مهدي بازركان وعلي مطهري من المجدّدين الدينيين، من مخالفي علي شريعتي في أواسط السبعينات، وصفوا تياره بـ الانتقائي” في قراءاته.

الحملات والهجمات لم تنتهِ، فبعد الثورة مباشرة وهذه المرة مع حبيب الله بيمان أمين عام حركة الإسلاميين المعارض وأحد الوجوه المعروفة من الاشتراكيين الإسلاميين الإيرانيين الذي وصف رئيس الدولة المؤقت مهدي بازركان في رسالة إلى آية الله الخميني بـ”الليبرالي والطموح والحاقد”.

الاشتراكيون الإسلاميون في الثمانينات

تعتبر بداية التسعينات النهاية الحقيقية لليسار الإسلامي، فمنذ ذلك الحين وحتى الآن لم تتشكّل تيارات ذات طابع “يساري إسلامي”، وذات شعارات اشتراكية، ولم تكن حاضرة كذلك في الفضاء السياسي الإيراني. 

مع انتهاء الثمانينات قتل كاظم سامي قائد الحركة الثورية لشعب إيران (جاما) في عيادته بالسكين. في ذلك الوقت تم إغلاق جريدة (الأمة) ومكاتب حركة الإسلاميين المعارض بقيادة حبيب الله بيمان، واعتقل بعض أعضائها أيضاً. وقبل ذلك تم إلقاء القبض على أعضاء في مجموعات أصغر مثل مجموعة “بيشتازان” و”موحدين”.

من بين حركات اليسار الإسلامي هناك اسمان آخران تم قمعهما بسرعة، بسبب الصِدام المباشر مع الجمهورية الإسلامية ومحاولة الإطاحة بها. فكانت “مجاهدو خلق” أيضاً منظّمة ومع أنّ مجموعة من قادتها ذهبت للقاء الخميني، إلا أنّه اتضح بسرعة أنهم ليسوا مؤهلين للخضوع لحكم آية الله خميني الإسلامي، وليسوا مع الليبراليين.

على رغم الوجود المتزامن لكاظم سامي وحبيب الله بيمان وزعيم مجاهدي خلق مسعود رجوي في بداية الثورة، في قائمة الانتخابات الائتلافية لزعماء القيادة، ما منح صورة عامة لتدفق تيار الاشتراكيين الإسلاميين، لكن هذه الجماعات تباعدت بسرعة.

مع انتخاب كاظم سامي في أول برلمان، فإنّ تيار جاما دخل مفاصل السلطة، وامتنعت حركة الإسلاميين المعارضة عن المشاركة في الحكم والسلطة، وبنت استراتيجيتها في مجال المجتمع المدني. “مجاهدو خلق” أيضاً دخلوا مرحلة الإطاحة بالجمهورية الإسلامية، لكن لا يمكن أن يعرف أحد المصير المتفاوت والمختلف لليسار الإسلامي.

عبدالكريم سروش

التسعينات وأزمة اليسار

القمع السياسي في إيران لم يكن السبب الوحيد لأفول المجموعات الاشتراكية الإسلامية من دائرة السلطة، فقد واجهت أزمات داخلية أيضاً، وحصل إشكال في وجهات النظر والانسجام في ما بينها.

في بدايات عقد التسعينات وانهيار الاتحاد السوفياتي وأزمة اليسار العالمية، تزامنت خيبة الأمل من الاشتراكية والمسائل المتعلقة بمستقبل اليسار مع منعطف آخر؛ فالتحول الاقتصادي لإيران بعد الحرب باتجاه السوق الحرة، لم يترك مجالاً ومكاناً للاشتراكيين الإسلاميين.

المفكرون اليمينيون والمحافظون وصفوا انهيار الاتحاد السوفياتي بالانتصار التاريخي لـ “الليبيرال الديموقراطي”، فكان نقد الثورة والأيديولوجيا، مفتاح العصر الجديد. هذا الظرف كان فرصة جديدة لمجموعات مثل “حلقة كيان” (وهي أهم وأشهر مركز دراسات لمنظّري التيار الإصلاحي) وشخصيتها البارزة عبد الكريم سروش.

عصر التحريفيين الإسلاميين

كان هذا تغييراً في الفترة التي صار فيها الاشتراكيون الإسلاميون مهمّشين، وحاول المفكرون الدينيون من أمثال عبد الكريم سروش محو آثار الاشتراكيين الإسلاميين بقراءة جديدة للإسلام، فإذا كان شريعتي أراد تحويل الإسلام من ثقافة إلى أيديولوجية، فإنّ سروش كان ناقداً لتلك الأيديولوجيا.

الدفاع عن الديموقراطية الليبرالية والتحريفية في الثورة ونقد الأيديولوجيا كانت من الموضوعات الرئيسية للمفكرين الدينيين في التسعينات، والتي اشتهرت مع مجلة “كيان”. وكان الاشتراكيون المسلمون يلجأون إلى الضغط لتشكيل المجالس وتنظيمها، إلا أنّ مفكري التسعينات شددوا على الفردانية والأخلاق والعرفان الصوفي.

وبهذا المعنى فإن كان اليسار الإسلامي يعدّ مع انبساط الإسلام (البسط كمصطلح أطلقه عبد الكريم سروش ويقابله القبض وهو مصطلح مأخوذ من الصوفية والعرفان)، فإنّ التحريفيين في التسعينات يحسبون على انقباض الإسلام السياسي.

 يبدو أنّ أصل تيار المفكرين الدينيين في التسعينات وما اشتهروا به أكثر هو أنّهم مرتبطون بأفكار الديموقراطية الليبرالية أكثر من التقاليد الفكرية الدينية في إيران. ويعتقد الكثيرون أنّه يجب اعتبار حكومة أكبر رفسنجاني مرآة سياسية للتغيّرات في الرأي في المفكرين الدينيين.

مهما يكن الأمر، فإنّ أكبر هاشمي رفسنجاني استبعد السياسيين المحسوبين على اليسار في الميدان السياسي للجمهورية الإسلامية من المناصب التنفيذية، مع ذلك فإنّ الكثير من هيمنة الخطاب الديني الفكري في الميدان الفكري في إيران، هو نتاج قربه من التيار الإصلاحي.

فصل الاشتراكيين الدينيين عن اليسار العلماني

المسلمون الاشتراكيون وفي الوقت الذي أخذوا بعض مضامين الماركسية، فإنّهم عرّفوا أنفسهم على أنّهم متمايزون عن اليسار العلماني ومنفصلون عنه. في المقابل، لم يتوانَ المفكرون الدينيون في التسعينات وما بعد عن الترويج المباشر للفكر الليبرالي.

وهكذا وفي حين أنّ المفكرين الدينيين في التسعينات من أمثال عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري ومصطفى ملكيان لجأوا إلى شرح النظريات الغربية العظيمة، فإنّ اليسار الديني الإيراني راح يلجأ أكثر إلى الاعتماد على مصادره وموارده الدينية ويتكئ عليها. ويمكن أن ينظر في هذا الموضوع أيضا كمثال إلى محمد نخشب مؤسّس تيار الموحدين الاشتراكيين الذي تأسس 1941.

في عقدي الأربعينات والخمسينات، كان الاشتراكيون الإسلاميون يبنون هوياتهم الخاص في معارضة “حزب توده” والماركسية، ولكن في الوقت ذاته، كانوا يحاولون الابتعاد من ضغوطات الدعاية ضد الشيوعية.

في أواخر الستينات وبداية السبعينات لم يسلم علي شريعتي أيضاً، وعلى رغم اهتمامه بعلم الاجتماع الغربي، من اتهامات الدعاية ضد الشيوعية، واعتبر ضمن التيارات الدينية الماركسية. وبهذه الطريقة يبدو أنّ اليسار العلماني في عقد السبعينات ركز على معاداة الإمبريالية، بينما ركز اليساريون الإسلاميون وبخاصة شريعتي على نقد الاستعمار.

وعلى رغم هذه الخلافات، فإنّه وفي الميدان السياسي كان هناك تنظيمان هما “منظمة فدائيي خلق” و”حركة مجاهدي خلق”، قاتلتا ضدّ حكم الشاه لإسقاطه، لكن ضغط هذه الدعاية المعادية للشيوعية كان عام 1974 عندما أصبح عدد من أعضاء “حركة مجاهدي خلق” ماركسيين. ولحلّ هذه الخصومة التاريخية بدأوا تصفية المنظمة، وربما كان هذا الموضوع إشارة إلى بدء توسّع الفجوة والهوة بين الدينيين والماركسيين.

في نهاية المطاف، كان تحوّل “حركة مجاهدي خلق” إلى حركة ماركسية لينينية، بداية شرخ عميق بين التيارات الإسلامية والماركسية العلمانية، ولم تصلح هذه العلاقة أبداً. وفي السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية، فإنّ الحركات الاشتراكية الاسلامية لم تقرب بمعظمها لا الماركسية العلمانية ولا المصادر النظرية لليسار الغربي.

على رغم بدء انتقاد الماركسية من قبل التيارات الدينية بجهود مرتضى مطهري، كوجه للانفصال عن اليسار العلماني، إلا أنّها استبدلت في أجزاء منها بالهوية الفكرية الدينية في التسعينات.
هل ثمة فرصة أخرى لنهوض اليسار الديني؟

عند تشكيل مجلس الناشطين الوطنيين الدينيين عام 1999، اندمجت التيارات اليسارية والليبرالية في الممارسة العملية وعلى أرض الواقع، ومع تشكّل هذا المجلس التحقت به حركة الإسلاميين المعارضة، وهي واحدة من آخر المجموعات ذات الهوية الاشتراكية الإسلامية بقيادة حبيب الله بيمان، أحد أبرز الوجوه والشخصيات في هذا التيار.

وفي الوقت نفسه، تمكنت مجموعات مثل حركة الحرية والجبهة الوطنية، على رغم اندماجهما في مجلس الناشطين الوطنيين الدينيين، من الناحية العملية، من الحفاظ على هويتهم من خلال بروز التناقضات أحياناً وموقعهما المستقلّ أحياناً أخرى. ومع ذلك، يبدو أنّ المثقفين الدينيين الذين خرجوا ذات يوم من رحم منافسيهم اليسار، تراجعوا على الساحة ولم يمتلكوا رونق سابقيهم أيضاً.

في المقابل، وقع الاقتصاد الإيراني لا سيّما في العقدين الأخيرين تحت أعباء الصعوبات الاقتصادية، إضافة إلى موجة الاستياء العامة، وتراجع نجم المفكرين الدينيين التحريفيين إلى جانب تيار الإصلاحيين.

في مثل هذه الحالة، هل يستطيع الاشتراكيون المسلمون واليساريون الدينيون إنشاء تيار فكري جديد؟

 

ترجمة عباس علي موسى

هذا المقال مترجم عن موقع بي بي سي فارسي ولقراءة المقال الأصلي يمكن زيارة الرابط التالي 

https://daraj.com/%d9%82%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%aa%d9%86%d8%a7/

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email