fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

إيران: أربعون عاماً على ثورة المشنقة

وصل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو إلى إيران خريف 1978، أي قبل أشهر قليلة من عودة الإمام الخميني إليها. كان الأخير مازال مقيماً في قرية “نوفل لو شاتو” قرب باريس، والأول يتجول بين المتظاهرين “الذين يحرّكهم آيات الله”، في شوارع طهران. وقع فوكو أسير اللحظة الرومنسية التي ترافق بدايات الثورات عادة، وتصل فيها تضحيات الشعوب إلى حد الأسطورة، فوصف الجو الديني الذي يخيم على الثورة بـ”الروحانية السياسية”.

الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، أدهشته مثالية الثورة الإيرانية، بإسقاطها الحكم الديكتاتوري في الشارع، فكتب “صباح الخير يا طهران العزيزة” وأعجب بشخصية الإمام الخميني المتواضعة وتجربته الثورية الملهمة، فكتب له قصيدة “آه يا خي”، التي غنتها عزة بلبع.

الشاعر العراقي مظفر النواب الضائع في المنافي، وجد في الثورة الإيرانية وطنه، فزارها أكثر من مرة بعد انتصار الثورة، وما زالت صورته باكياً، يمرغ وجهه بحدائد مقام الإمام الرضا في مدينة مشهد، حديث الإيرانيين المعتدّين بأثر ثورتهم في القلوب.

كثيرون غيرهم جذبتهم اللحظة الرومنسية للثورة الإيرانية، فعلى متن الطائرة الفرنسية، ذات الأربعمئة مقعد، التي نقلت الإمام الخميني وعائلته ومساعديه، من باريس إلى طهران، في الأول من فبراير العام 1979، كان برفقته 120 شخصاً غير إيراني.

لكن اللحظة الرومنسية التي ترافق الثورات عادة، سرعان ما تزول، بمجرد أن يخلو الشارع من الثوار ويبدأ الترتيب. في حالة الثورة الإيرانية، يمكن القول إن اللحظة الرومانسية دامت ستة أشهر بالتمام والكمال، لأنه بعد مضي الأشهر الستة الأولى، نصب الإمام الخميني نفسه مرشداً أعلى للثورة، تطبيقاً لنظرية ولاية الفقيه، التي تؤمن بها المدرسة الشيعية الأصولية، ثم أجرى بعدها، أول استفتاء شعبي حول شكل النظام، فصوتت الأكثرية لصالح الإسلامي.

أول إنجاز حققته الثورة المظفّرة، بعدما استتب لها الأمر، كان موجة الإعدامات الأولى، التي نفذتها المحكمة الثورية برئاسة صادق خلخالي، الذي نفذ – بأمر من الخميني – في يوم واحد، حكم الإعدام برئيس حكومة الشاه، أمير عباس هويدا والوزراء كافة، وطاولت الإعدامات أسر “الطاغوت” أي العائلات الثرية، إضافة إلى جنرالات وضباط في الجيش والشرطة واقتصاديين وصحافيين وموظفين حكوميين وموالين وأناس عاديين.

منذ لحظتها الأولى استدعت الثورة في إيران كل الحالمين وأوكلت إليهم مهمة تغيير العالم وأغرتهم بانتصار على شاكلة انتصارها، فحوّلتهم إلى ميليشيات ومرتزقة، بينما عمّقت أزماتها الداخلية وتسببت بعزلتها عالمياً

الواقع الجديد الذي فرضه الفاعلون السياسيون الأساسيون في الثورة، كان يحتاج إلى بعض التضحيات التي تشبه التصفيات، وعلى طريقة “الثورة تأكل أبناءها” التي قالها فرنسي آخر، هو جان جاك دانتون، الثائر الذي أعدمته الثورة الفرنسية، بدأت عمليات تطويق المعارضين من الأحزاب الإسلامية واليسارية والقومية، ثم عزلهم ثم سجنهم ثم تصفيتهم. أما من استشعر الخطر قبل وقوعه، فقد فر هارباً خارج البلاد، كما فعل أبو الحسن بني صدر أول رئيس جمهورية بعد الثورة.

لم تستثن التصفيات الدموية، شخصيات الصف الأول أيضاً، من رجال الدين الذين كانوا حول الإمام الخميني، لكنهم عارضوه في فكرة إقامة ولاية الفقيه، أمثال: السيد محمود طالقاني والشيخ محمد كاظم شريعتمداري، فما زالت الشكوك تدور حول ظروف موتهما الغامضة.

حفلات الإعدام في الجمهورية الإسلامية، ما زالت مستمرة، رغم مرور أربعين سنة على انتصار الثورة، وهذا نظرياً، يعني أن الثورة لم تنتصر أبداً. ذلك أن البطش هو دليل خوف! أما إسكات المعارضين بإفنائهم أو إخفائهم، يعني أن الثورة لا تحتمل النقد ولا ترغب في التغيير وتخشى على سلطتها من الرأي الآخر، وهذا دأب الديكتاتوريات وليس الثورات الشعبية الملهمة، لكن مم تخاف الثورة الإسلامية؟

بعد الثورة توسّع الشمال ويكاد ينفجر من ثقل الثروات، أما الجنوب فيتوارث الفقر والحرمان

بنظرة سريعة إلى الواقع الإيراني اليوم، يظهر جلياً أن الأسباب التي أوجبت الثورة على الشاه، مازالت على حالها، مع فوارق بسيطة في الشكل.

الجيش

الشاه كان حلمه أن يجعل جيشه أقوى جيش في المنطقة، وكان سعيداً بلقب شرطي الخليج. الثورة بعد أربعين سنة تصرف ميزانية خيالية على تصنيع السلاح، وعلى تسليح الميليشيات الموالية لها في المنطقة، بينما الشعب الإيراني محروم من أدنى شروط الحياة الكريمة، فنحو 60% من الشعب الإيراني، هم من ذوي الدخل المحدود وصولاً إلى ما دون خط الفقر العالمي. 11 مليون إيراني يعيشون في أحزمة البؤس حول المدن الكبرى.

طهران والفقر

الفقراء هم وقود الثورات، هذه المقولة طبقتها الثورة الإيرانية. فأول من ثار على الشاه هم فقراء المدن الكبرى وسكان الأرياف والأقليات، والقاسم المشترك بينهم هو الحرمان. اليوم، الوضع أيضاً، على حاله. العاصمة طهران أكبر دليل على هذه المراوحة، قبل الثورة كانت طهران طهرانين، شمال يسكنه الأثرياء وجنوب يموت فيه الفقراء. بعد الثورة توسّع الشمال ويكاد ينفجر من ثقل الثروات، أما الجنوب فيتوارث الفقر والحرمان والفاقة عاما بعد عام.

التنمية

التنمية إحدى أهم دوافع الثورة على الشاه. كانت التنمية بالنسبة للشاه وأعوانه، فورات موسمية ووعوداً خطابية على مدار السنة. كان الشاه يمقت أهل الأرياف لأنهم متدينون، ليس بسبب دينهم، بل لأن تدينهم يقف في وجه تحديث إيران أو “تغريبها” كما يقول رجال الدين الثوريون، لذلك تعمّد إهمالهم وإهمال مناطقهم، فولّد ذلك في نفوسهم نقمة، فانضموا باكراً إلى صفوف الثورة. بعد أربعين سنة على الثورة، هناك مناطق ريفية في إيران ليس فيها مستشفيات ولا كهرباء ولا ماء، بيوتها من طين وشوراعها تراب ومدارسها عبارة عن غرف مهجورة بلا أسقف ولا أبواب. كل ما فعلته الثورة، أنها وسّعت دائرة إهمال الأرياف، حيث طاول المدن أيضاً. على سبيل المثال، مناطق مثل عبادان التي كانت تعدّ إحدى أكبر مصافي النفط في العالم، ما زالت مدمّرة منذ الحرب العراقية الإيرانية، ولم تصلها الخطط التنموية للحكومة المركزية.

المعارضة

كان الشاه عدواً شرساً للمعارضين، وقد أذاقهم الويلات وتفنن رجاله بطرق تعذيبهم وتصفيتهم. بحيرة الملح التي تقع على الطريق ما بين طهران وقم، ابتعلت أجساد عدد كبير منهم وحللتها. رجال الثورة اليوم، ليسوا أقل تفنّناً بالتعذيب والقتل من رجال الشاه. السيدة مادر لطفي (أم لطفي) التي رحلت منذ أيام، واحدة من نساء تجمّع “مادران خاوران”، الذي يضم أمهات السجناء السياسيين، الذين أعدمتهم الثورة في العام 1988، وأخفت جثثهم في مقبرة جماعية جنوب طهران. وثّق التجمع إعدام 30 ألف معارض، ما زالت عائلاتهم لم تتسلم جثثهم بعد. كانت هذه الإعدامات هي سبب الخلاف الذي نشب بين الإمام الخميني وخليفته الشيخ حسين علي منتظري، الذي جُرّد من مسؤولياته عقاباً له، ووضع في الإقامة الجبرية حتى وفاته.

سجن إوين 

سجن إوين، كان كابوس الإيرانيين أيام الشاه. شهدت زنزاناته عذابات سجناء الرأي، الذين أشعلوا فتيل الثورة من أجل إيران أكثر عدلاً، منذ الأيام الأولى لتولي الشاه عرش المملكة بعد الانقلاب على والده بدعم من الأميركيين. لم ينج معارض له من براثن إوين. المعارضون اليوم، على اختلاف مشاربهم وأجناسهم يلقون في غيابات سجن إوين الرهيب، شهوراً وسنوات طوالاً بدون محاكمات، فلا ناجي من بطش الثورة إلا تجارها. منهم من يقضي تحت التعذيب ومنهم من يخرج حاملاً عاهة طيلة حياته، منهم من يموت تحت الاغتصاب ومنهم من تُجبر عائلته على نسيانه تحت الضغط والترهيب فيُنسى كأنه لم يكن.

الفساد

كان حكم الشاه حكماً فاسداً، الوظائف القيّمة في الدولة والصفقات التجارية الكبرى وتراخيص الشركات وحركة المال والأسواق، كانت حكراً على فئة معينة من الناس، مثل أقربائه وأقرباء زوجته الملكة فرح ديبا، الموالين المتزلّفين، الأصدقاء، ضباط الجيش، وعدد محسوب من العائلات الثرية المعروفة. كان على المواطن الإيراني أن يلجأ إلى الوساطة أو الرشوة أو تقاسم أرباحه مع أصحاب النفوذ ليحصل على وظيفة أو رخصة عمل أو صفقة تجارية صغيرة. مع الثورة لم يتغير شيء. القابضون على مقدرات الدولة يمكن حصرهم بمن وردت صفاتهم أعلاه، بعد حذف كلمة الشاه ووضع كلمة ثورة مكانها. علماً أن معدل البطالة اليوم، ناهز 30% خاصة لدى الشباب، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ إيران.

يبقى أن الشاه استطاع أن يفرض هيبة مملكته على كل دول العالم وممالكه، بكثير من الفوقية العرقية والنفس الإمبراطوري والاعتداد القومي، ولكن بدبلوماسية ناعمة، ولأن ينتزع اعترافاً دولياً بمحورية الدور الإيراني، من دون أن يسلّح أو يموّل أو يجنّد طرفاً. أما الثورة، فلم تضع نصب عينيها سوى خطة التصدير. منذ لحظتها الأولى استدعت كل الثوريين الحالمين وأوكلت إليهم مهمة تغيير العالم، وأغرتهم بانتصار على شاكلة انتصارها، فحوّلتهم إلى ميليشيات ومرتزقة، بينما عمّقت أزماتها الداخلية وتسبّبت بعزلتها عالمياً.

إيران، الأرض التي تعج بالثروات والخيرات، بدءاً من أعلى الخارطة حيث تحضن مياه بحر قزوين سمك الحفش المنتج للكافيار، نزولاً صوب مياه الخليج حيث مزارع اللؤلؤ والمرجان ومراعي الأسماك والطيور ومكامن الغاز الطبيعي في الأعماق، مروراً بحقول النفط على الحدود مع العراق ومزارع الفستق في المناطق الداخلية، ومواسم الزعفران في السهول الباردة وحائكات السجاد اليدوي في كل بيت، قذفتها الثورة بعد أربعين سنة على انتصارها، نحو حافة الانهيار والإفلاس والبطالة والفقر والجوع…

وربما الثورة على الثورة…

إقرأ أيضاً:
رسالة من سجينة إيرانية: “بدأت أنسى ملامح أطفالي”
السجن والموت لنشطاء بيئة إيرانيين…لأنهم “مفسدون في الأرض”

إقرأ أيضاً