fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Coda Story

مقالات الكاتب

إنّه فيلم كذّاب مثل سيّده – سيّد الكرملين

قد يُعجب الرئيس دونالد ترامب بالفيلم الروسي الجديد Crimean Bridge Made With Love-(جسر القرم مصنوع بالحب). إذ إن الأشرار الرئيسيين في الفيلم هم الصحافيون الأميركيون – الذين أُتيحت لهم الفرصة لفترة وجيزة لإثبات أنه يمكن الوثوق بهم.

يقول متحدث إعلامي وسيم في الفيلم، “أخيراً، سيكونون قادرين على إظهار شيء جيد عن روسيا”، بينما يستعد لإعطاء طاقم من العاملين في إحدى القنوات التلفزيونية الأميركية جولة في الجسر البحري الذي شارف على الانتهاء، ويربط بين شبه جزيرة القرم وروسيا.

بالطبع، خيب الأميركيون آمال مضيفيهم، وأظهروا أنهم غير قادرين حتى على الثناء على هذا الإنجاز الروسي. وقالوا إن هذا الإنجاز “مجرد قرية بوتمكين أخرى”، مُستخدمين ذلك المصطلح الروسي القديم الذي يُستخدم في الأصل لوصف كل ما هو زائف.

بيد أن الاهتمام الحقيقي بهذا الفيلم يكمن في من يقف وراءه: وهي مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير شبكة قنوات RT الروسية، وهي من دعائم آلة الدعاية الدولية التابعة للكرملين، التي تحاول الآن دخول مجال صناعة السينما.

بعد مرور أربعة أعوام على قيام رئيسها الأعلى، فلاديمير بوتين، بضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، استخدمت العملية الفعلية لبناء الطريق الذي يبلغ طوله 11 ميلاً (19 كيلومتراً) والذي يربط بين شبه الجزيرة وروسيا، كخلفية درامية لفيلمها الرومانسي الكوميدي الأول.

كتبت سيمونيان سيناريو الفيلم. وقام زوجها تيغران كيوسيان بإخراجه، ووفقاً لموقع بي بي سي الروسي، فقد تلقيا تمويلاً من مؤسسة السينما في وزارة الثقافة، لا يقل عن 100 مليون روبل روسي (1.5 مليون دولار)، من دون الحاجة إلى القلق بشأن أي منافسة.

عندما عُرض فيلم Crimean Bridge في وقت سابق من هذا الشهر في متنزه زيرياداي الرائع الجديد الذي يقع في موسكو بالقرب من الكرملين، كان الحدث الرئيسي في تلك الليلة بالنسبة إلى النخبة الحاكمة في روسيا – وكان من بين الحضور ديمتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وماريا زاخاروفا، مديرة دائرة الصحافة والإعلام في وزارة الخارجية الروسية.

وبالغا في الثناء على الفيلم بعد ذلك، أثناء حديثهما إلى وسائل الإعلام الرسمية. قال بيسكوف: “الفيلم رائع للغاية، وينبغي على الجميع الذهاب لرؤيته”. بينما وصفته زاخاروفا بأنه فيلم “خفيف، وصيفي، ولطيف، ومؤثر”. على رغم ذلك، بعيداً من جمهور النخبة، لم يكن رد الفعل حول الفيلم إيجابياً.

وقد تلاشى أي أمل لدى الفريق المكون من الزوجة والزوج في أن يحطم هذا الفيلم إيرادات شباك التذاكر مع نهاية الأسبوع الأول، والتي جاءت في المركز السادس المُخيّب للآمال في التصنيف. وتلقى الفيلم انتقادات قاسية على مواقع المراجعة. وجاءت بعض التعليقات لتصف الفيلم بأنه “ممل”، و”خالٍ من الموهبة”، وبأنه مجرد “دعاية”، و”هراء”، و”مبتذل”.

أما عن قصة فيلم Crimean Bridge، فلم يكن هناك قصة تدور حولها الأحداث. يتألف الفيلم من خطوط درامية من نوع فتى يلتقي بفتاة – وما يربطها ببعضها بعضاً، هو أن جميعها تحدث في شبه جزيرة القرم بالقرب من موقع بناء الجسر.

لكن كما هو متوقع من صانعي الأفلام الذين يتسمون بهذه الصفات، يصور الفيلم ذلك الجانب المثالي من روسيا الذي حاول الكرملين اختلاقه على مدى السنوات الأخيرة من خلال حملاته الإعلامية المختلفة. تمكنك ملاحظة مقتطفات من ذلك الجانب لروسيا في النشرات الاخبارية، والأفلام الوثائقية التي تتحدث عن بوتين والبرامج الأخرى على القنوات التلفزيونية التابعة للدولة. يجمع فيلم Crimean Bridge كل هذه الأشياء في مكان واحد.

يُمثل الفيلم مزيجاً يضم صوراً للقوة العصرية ذات التقنيات العالية (ممثلة هنا بالجسر) ممزوجة مع القيم القومية التقليدية، والمتمثلة في التركيز المستمر على الانتصار في الحرب العالمية الثانية، المعروفة في روسيا باسم “الحرب الوطنية العظمى”، إضافة إلى جرعات منتظمة من العبارات الطنانة المناهضة للغرب والتاريخ المُعادة صياغته. إذ إن هناك الكثير من الفترات القاتمة في ماضي شبه جزيرة القرم في ظل الحكم الشيوعي، ولكن هنا يتم تنقيحها بعناية وتفسيرها بشكل خاطئ.

على سبيل المثال، يُصور “تتار القرم” – الذين عانوا من عمليات الترحيل الجماعي في عهد ستالين وحملات القمع التمييزية في الآونة الأخيرة منذ انضمامها إلى روسيا – في الفيلم على أنهم سعداء تماماً. دامير ناديروفيتش مثلاً، وهو شخصية من السكان التتار، يومئ برأسه في إشارة إلى موافقته بينما كان يستمع إلى برنامج سياسي على قناة تلفزيونية تابعة للدولة، ويقول المذيع إن “الديموقراطية الغربية لا يمكن أن تنجح في جميع البلاد”.

نعلم من أحداث الفيلم أن حبيبة طفولته رايا، مع عائلتها كلها، تعرضوا للترحيل على يد ستالين – لذا فإن هناك إشارة بالفعل إلى ذلك الديكتاتور السوفياتي. لكن دامير ناديروفيتش لا يحمل على ما يبدو أي ضغينة، وبالتأكيد لا يلقي اللوم على ستالين ورجال الشرطة السريين التابعين له. ويقول “لقد أرسلوهم بعيداً، لأنه من الواضح، كان هناك سبب”.

تحصل المعارضة أيضاً على دور في الفيلم، ويجسده شاب عصري تافه نسبياً يعيش في موسكو، يتصل بوالدته كل دقيقتين، ويقضي بقية وقته في التصوير بهاتفه الذكي. يبدو أنه يزور شبه جزيرة القرم لإعداد قصة عن واقع الحياة في ظل السيطرة الروسية. وعندما يقول الشاب إن شبه الجزيرة قد ضُمت في وسط السوق، فإنه يتعرض للمطاردة والضرب.

ومن الجدير بالملاحظة أن من يقود المطاردة هو شخص يتحدث اللغة الأوكرانية – وهي إشارة إلى أنه في عالم سيمونيان، حتى الأوكرانيون يعتبرون شبه جزيرة القرم جزءاً مشروعاً من روسيا، وأن أي محاولة للاعتراض على صحة ذلك تعتبر إهانة كبيرة.

جميع الشابات في فيلم جسر القرم Crimean Bridge، رشيقات وجميلات – باستثناء سيدة أميركية واحدة بدينة. كما أنهن أيضاً ذكيات ومتحمسات ومستعدات “لإنجاب الرئيس المقبل للاتحاد الروسي”.

ويبدو أن ذلك إضافة إلى سيل من النكات العنصرية والجنسية يستهدف الشرعية السياسية الغربية، وهو الهدف المفضل لبوتين ومؤيديه، تماماً مثلما هو هدف ترامب. إضافة إلى الصحافيين الأميركيين الكاذبين، يتناول الفيلم بعض التعليقات الخفية الساخرة من الولايات المتحدة. فنجد أن شاباً يغير رأيه بشأن الانتقال إلى هوليوود للسعي إلى تحقيق أحلامه بعد أن أدرك كم هو محظوظ في العيش في شبه جزيرة القرم.

أصاب مثل هذا التلاعب السافر كثراً من الروس بخيبة الأمل. كتب أحد المشاهدين على موقع Afisha الثقافي: “بعد أن شاهدت الفيلم، أصبحت أشعر بالخجل الشديد من بلدي الذي كان عظيماً في يوم من الأيام، لدرجة أنني أفضل أن أمحوه من الذاكرة إلى الأبد”.

وكتب آخر قائلاً، “إنها دعاية واضحة، كان ينبغي على وزارة الثقافة التفكير بدلاً من ذلك في إنتاج فيلم وثائقي – فما الذي نعرفه حقاً عن كيفية بناء الجسر؟” أشارت تقارير واسعة الانتشار إلى حدوث عمليات احتيال كثيرة خلال عملية البناء.

لم تتفاعل سيمونيان علناً مع هذا الإخفاق في أول تجربة لها في صناعة الأفلام. إذا كانت تصريحاتها مركزة على الدفاع عن شبكة قنوات RT مؤشراً، فربما تصور هزيمتها على أنها جزء من المؤامرة المستمرة ضد روسيا.

قدمت صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية واسعة الانتشار المؤيدة للكرملين، نظرة معمقة حول الموقف الرسمي من خلال مراجعتها الخاصة للفيلم، بعنوان “صنع بالحب. وقوبل بالكراهية”. ورأت الصحيفة أن الفيلم “لم يواجه تلك الانتقادات بسبب أي قصور، بل لأنه من ابتكار أشخاص مرتبطين ارتباطاً مباشراً بالسلطات”.

انتهت جميع أحداث الفيلم بطبيعة الحال نهاية سعيدة. فقد اكتمل المشروع في الوقت المحدد من دون أي فساد. وعاش كل زوجين في الفيلم حياة سعيدة أبدية – وحتى دمير ناديروفيتش اجتمع مرة أخرى مع رايا، حبه الضائع في وسط الجسر.

 

هذا المقال مترجم عن codastory.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً