fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

إلى عمر البشير: “تسقط بس”

لا يبدو أنّ اليأس يدقّ أبواب السودانيّين لا من قريب ولا من بعيد، ذاك أنّ الرئيس عمر البشير ماضٍ في إجراءاته التصحيحيّة وتعديلاته الوزاريّة، والمتظاهرين، شبّاناً وشابّات، ماضون نحو المزيد من “المواكب” أو المسيرات الاحتجاجيّة لمطالبته بالتنحّي وحلّ الحكومة الحاليّة، على غرار موكب 6 يناير، أو موكب الرحيل، الذي انطلق يوم الأحد باتّجاه القصر الجمهوري من السوق العربي، وبري، وسوق أبو الحمامة، وتقاطع باشدر، وتجمّع أساتذة جامعة الخرطوم الذين اعتُقل عددٌ منهم، وتعرّض محتجّون ومحتجّات آخرون للضرب.

“حريّة سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب”، هكذا هتف السودانيّون. وحين حاول النظام اللّعب على وتر نظريّة المؤامرة والعبث بالشؤون الداخليّة وتهديد الأمن والاستقرار، مُحيياً نظريّات العمالة والاندساس المُتوقّعة، ردّ محتجّون: “يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور”، في دلالة إلى وحدة المطالب بين الخرطوم ودارفور وكلّ المدن المهمّشة، كما علّقت لـ”درج” ناشطة سودانيّة فضّلت عدم الكشف عن اسمها.

“مدن السودان تنتفض”، وستظلّ تنتفض، كما تدلّ لوائح مواعيد المواكب المستمرّة. لم يعد مطلب إلغاء رفع سعر رغيف الخبز من جنيه سوداني إلى ثلاثة، والحدّ من ارتفاع أسعار الوقود الذي تعتمد عليه المواصلات العامّة ومعظم مستخدميها من طلّاب وموظّفين، وحلّ مشكلة سعر صرف العملة والتضخّم والسوق السوداء والطوابير المنتظرة أمام البنوك والصرّافين، هي عناوين احتجاجات ومسيرات السودانيّين.

“تسقط بس” بات المطلب الأوحد والجامع. فالحشود المحتجّة لا يبدو أنّها سترضى بالتعديلات الوزاريّة والإصلاحات الطفيفة التي بدأ الرئيس السوداني عمر البشير بإدخالها والتلويح بالمزيد منها في خطاباته المتتالية عقب هذه الموجة الاعتراضيّة، ما دام نظامه الذي أنتج هذه الأزمات صامداً منذ ثلاثين عاماً إلى اليوم، يقمع ويبطش ويُفسد ويهدر موارد البلاد وثروات شعبها. وها هي الموارد التي تُستثمر بجزئها الأكبر في قطاع الجيش والأمن تُشارف على الانتهاء، ليتضاعف اعتماد الحكومة أكثر فأكثر على شركات أمنية خاصّة كشركة فاغنر الروسيّة المتّهمة بسرقة موارد البلاد، بخاصّة الذهب، وتدريب الكوادر الأمنيّة لصالح الرئيس عمر البشير؛ وعلى دولة قطر التي دعمت البشير علناً على لسان أميرها حمد بن تميم آل ثاني، وعلى اليد السعوديّة علّها تسعفها أيضاً، لتتمكّن على الأقلّ من تسديد رواتب موظّفي الأمن الذين يستخدمهم النظام سلاحاً في وجه المتظاهرين.

هذا النظام “يبدو مرتبكًا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بسبب شحّ موارده” -رغم رفع الولايات المتّحدة الأميركيّة في تشرين الأوّل/أوكتوبر 2017 الحصار الاقتصادي المفروض عليه- “وبفضل استمرار حدّة الاحتجاجات وتصاعدها في وجهه، وصلابة إرادة المشاركين فيها، وتعاطف عدد من موظّفي الأمن والقطاع العام معهم”، كما أفادت الناشطة السودانيّة في تعليقها لـ”درج”.

من صفحة “تجمّع المهنيّين السودانيّين” على فايسبوك

حكومة عمر البشير ونظامه الأمني الباطش لم يعد مرحّباً بهما. شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” يصدح منذ أسابيع في عشرات الشوارع في مدن الخرطوم، في عَطبرة، وأم درمان، وشمال كردفان، ودنقلا، وغيرها؛ ولن يكفي السودانيّين بعد الآن وعدٌ من هنا وفتات إصلاح من هناك يعلمون أنّه لن يكون سوى امتداد للنهج الاقتصادي نفسه، والنهج الأمني التابع لحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي جابه الاحتجاجات بالغاز المسيّل للدموع في محاولةٍ لتفرقة المحتجّين، وإعلان حالات الطوارئ وحظر التجوّل في عددٍ من الولايات، واعتقال ما يفوق الـ 300 شخص، رُصدت من بينهم  40 حالة قتل بالرصاص أو تحت التعذيب، وفق ما جاء في تقرير لحركة “المستقلّون” التي وثّقت الحالات والأسماء التي استطاعت تسجيلها حتّى تاريخ 3 كانون الثاني/يناير 2019.

التعتيم الإعلامي

تشرح الناشطة السودانيّة لـ”درج” أنّ التعتيم الإعلامي الذي يشهده السودان ومسيراته الحاشدة منذ انطلاقها يوم 19 كانون الأوّل/ديسمبر 2018، “لا يرجع بالضرورة إلى إهمال تتحمّل مسؤوليّته وسائل الإعلام، إنّما مردّه منع التصوير والتوثيق الذي فرضته قوى السلطة على المتظاهرين والصحافيّين”.

يُضاف إلى هذا التضييق الإيقاف الجزئي لمواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي، وتعرّض كلّ صحافي أو مواطن تجرّأ وحمل كاميرته لخطر مسح تسجيلاته، واعتقاله، والتحقيق معه على يد جهاز الأمن والمخابرات الوطني، بل وحتّى الاعتداء عليه وعلى طاقمه الإعلامي، مثلما حصل مع المراسلة السودانيّة يُسرى الباقر وغيرها من الذين لم تُثنِهم المخاطر عن الاستمرار بإيجاد طرق لنقل الصورة والمستجدّات الداخليّة إلى الخارج.

في هذا السياق، أدانت “شبكة الصحفيّين السودانيّين” المشارِكة في الحراك الشعبي ما وصفته “بالحملة المسعورة” التي تستهدف الصحف والصحفيّين منذ بداية الحراك الذي دعا إليه “تجمّع المهنيّين السودانيّين”، وترحيل بعض الصحافيّين، والرقابة والمنع والمصادرة التي تتعرّض لها الصحف المحليّة. وأسِفَت الشبكة في بيانٍ صدر في 4 كانون الثاني/يناير 2019 لاعتقال السلطات الصحافيّين “كمال كرار، وفيصل محمد صالح، وقرشي عوض”، وإيقاف الكاتب محمد عبد الماجد في صحيفتي “الانتباهة” و”قوون”، وتوقيف الكاتبة في صحيفة “الانتباهة” سعير عبد الرحيم عن الكتابة لثلاثة أيام متتالية، ومنع زاوية الكاتبة شمائل النور في صحيفة “التيّار” التي تعرّضت هي وصحيفة “الجريدة” للمنع من الصدور مرّات عدّة خلال الأسبوعين الماضيين.

المجموعات المُشاركة في الحراك

مع بداية الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصاديّة المأساويّة، بادر “تجمّع المهنيّين السودانيّين” إلى تنظيم التحرّكات من إصدار دعوات وبيانات وتحديد مطالب وتوجيه مسيرات أو “مواكب”. اتّسعت رقعة التظاهرات لتطال أكثر من عشرين مدينة، وتضمّ معها عشرات الأحزاب -منها كان في الحكومة وانسحب- والتجمّعات الطلّابيّة، وفرق الأطبّاء والمحامين، والمنظّمات المدنيّة مثل تلك المنضوية تحت تجمّع “مَنْسَم“، أي المجموعات النسويّة والمدنيّة التي أعلنت تأييدها لـ”إعلان الحريّة والتغيير”، داعيةً في بيانها “النساء كافة، مجموعات وأفراد، من اللواتي يتفقن معنا في أهدافنا المنشودة إلى الانضمام لهذا الكيان وقيادة قوى التغيير”.

أبرز الردود الحقوقيّة

في بيانٍ لمنظّمة “هيومن رايتس ووتش” صدر يوم 31 كانون الأوّل/ديسمبر 2018، قالت جيهان هنري، مديرة قسم أفريقيا في المنظّمة، إنّ الرئيس البشير يبدو وكأنّه “يقوم بخطبٍ عامّة تبرّر الاستخدام المفرط للقوة بدلاً من إدانة هذه الوحشيّة، مشيرةً إلى “الحاجة إلى إجراء تحقيق فوري في جميع حالات القتل والإصابات والاعتقال غير القانوني وتعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم ومحاسبة المسؤولين عنها”. وقد أعلن البشير عن تشكيل “لجنة تقصّي حقائق” حول الأحداث التي تشهدها البلاد، برئاسة وزير العدل.

بموازاة ذلك، توالت البيانات الداعمة للمحتجّين السودانيّين، فأصدرت خلال الأسبوع الماضي أكثر من 40 منظّمة وشبكة وتحالفاً حقوقيّاً من 12 دولة عربيّة، بالإضافة إلى شبكة المنظّمات العربيّة غير الحكوميّة للتنمية والمنظّمة العربيّة لحقوق الإنسان، بياناتٍ تشجب فيها ممارسات القمع في السودان وتطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين والاستجابة للمطالب المشروعة للشعب السوداني.

وفي حين لم يصدر أي تعليق رسمي من “جامعة الدول العربيّة”، فقد دعا الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريس، السلطات السودانية إلى التحقيق في مقتل عددٍ من المتظاهرين؛ كما دعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي إليوت إنغل وزير الخارجية مايك بومبيو إلى اتّخاذ إجراءات سريعة بشأن أزمة حقوق الإنسان في السودان، مطالباً إيّاه بمعلومات حول الطريقة التي تعتزم بها الوزارة الاستجابة “للقمع الحكومي العنيف” للمتظاهرين.

إقرأ أيضاً:
قطر تريد العدالة لخاشقجي لا  للسودانيين…

إقرأ أيضاً