إلى الذين يحبّون غزّة…

مرة جديدة، هي العاشرة من نوعها هذا العام، وجدت غزّة نفسها في موعد مع قدرها في السياسة والجغرافيا، في صراع الإرادات، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي التنافس بين سلطتين.
عائلة في منزلها المدمر بالقصف الاسرائيلي في غزة

مرة جديدة، هي العاشرة من نوعها هذا العام (فضلاً عن أربعة حروب مدمرة 2206، 2008، 2012، 2014)، وجدت غزّة نفسها في موعد مع قدرها في السياسة والجغرافيا، في صراع الإرادات، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي التنافس بين سلطتين أو مرجعيتين (“فتح” و”حماس”). غزة وسط تقاطع نيران، بين ما يجري ترتيبه في المنطقة باسم “صفقة القرن”، وبين ما تحاوله إيران، لتعزيز مكانتها الإقليمية، وكلها قضايا يفترض أن يدفع ثمنها مليونا فلسطيني يقطنون هذه الزاوية الضيقة والقاحلة من العالم.

هكذا، ففي نقاش الحرب الجارية على غزة، بحسب وسائط التواصل الاجتماعي، بدا أن ثمة خلط كبير في الرأي العام الفلسطيني والعربي، في فهم ما يحصل، سيما مع عدم التمييز، على الأغلب، بين الحرب والمقاومة. يستطيع الفلسطينيون المقاومة، في حدود القدرات والإمكانيات والظروف المتاحة، لكنهم لا يستطيعون الحرب، التي هي العمل الذي تتقنه وتمتلك أدواته إسرائيل؛ هذا أولاً. ثانياً، أغلب تلك النقاشات، التي تسودها الروح العاطفية والرغبوية والحماسية، تذهب إلى تحميل أهالي غزة، المحاصرين منذ 12 عاما، أكثر بكثير مما يحتملونه، على معاناتهم، والأثمان الباهظة التي يدفعونها، وكأنه يفترض منهم تحمل مسؤولية تحرير فلسطين، أو دحر الاحتلال، أو مقاومة إسرائيل. ثالثاً، وعلى نفس المنوال فإن بعض هذه النقاشات يصور أهل غزة بمثابة جيش من المحاربين، أو كشعب من الجبارين، وكأن ثمة مساواة بينهم وبين إسرائيل في القوى، والإمكانيات، في حين يجري إظهار إسرائيل كأنها هي التي تدفع الثمن، أو بمثابة الطرف الضعيف، أو الذي يجري استنزافه، لكأن إظهار أهل غزة كضحايا وضعفاء يعيب من شأنهم أو ينقص من قيمتهم.

بيد أن تفحّص تلك المناقشات تبين أنه ثمة رأي أخر، أيضا، بشأن ما يجري في غزة، كما يتبين أن معظم أصحاب الرأي الأول هم من خارج غزة، وأن معظم الآراء من داخلها (من خارج الوسط السياسي المحسوب على حركتي حماس والجهاد الإسلامي) لديه رأي مختلف، يعزز منه التبرّم من سطوة سلطة “حماس” على حياة الناس وعلى أنماط تفكيرهم أو عيشهم، والتي تبدت بشكل واضح في قمع المظاهرات الأخيرة، مع التنويه إلى أن هذا الرأي الأخر، مع اختلافه مع “حماس”، يقر بمشروعية مقاومة إسرائيل وبمسؤوليتها عن كل ما يحصل.

ومثلا، فها هي فاطمة عاشور (Fatma Ashour) تحكي وجع غزة بطريقة مؤلمة محاولة ترجمة مشاعر القسوة واليأس والاغتراب التي تحسّها عند الغزيين، بقولها: “مش مسموح لأي حد، القصف مش نازل علي راس أهله، يصفق من بعيد. مش مسموح لأي حد مش محاصر، مش جعان، مش خايف، مش يائس يصفق لغزة وهي بتندبح..مش مسموح تقول غزة قوية، وبتتحمل، وكأن غزة من حديد، ومبتحسش…مسموحلك حاجه واحده، حاجه واحده بس..مسموحلك تخرس الآن، تخرس وأنت بتعد عدد الشهداء..وأنت بتعد البيوت اللي اتساوت بالأرض في نص الليل…وأنت بتعد أشياء مبتنعدش..الذكريات يلي انقتلت والأحلام اللي انقتلت..والأمل اللي انقتل والمستقبل اللي بينقتل وضربات القلب اللي زي الصاروخ من الخوف..واحنا مش عارفين نهدّي رعب الأطفال ولا نرد علي أسئلتهم..مسموحلك تخرس وأنت بتتفرج علينا..غزة وأهلها مش عايزين حد يصفق لها الآن وهي بتنقصف وبتتبهدل تتذكروناش الآن.”

 

غزة وسط تقاطع نيران، بين ما يجري ترتيبه في المنطقة باسم “صفقة القرن”، وبين ما تحاوله إيران، لتعزيز مكانتها الإقليمية، وكلها قضايا يفترض أن يدفع ثمنها مليونا فلسطيني يقطنون هذه الزاوية الضيقة والقاحلة من العالم.

 

أما الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم (غزة)، فحاول التعبير عن كل ذلك الوجع بصراحة، بقوله: ” تريدوننا أن نكون أبطالا، والله إحنا أبطال، بس البطولة على جلودنا وحياتنا ودمنا، ولا نقرر فيها متى نكون أبطالا أو ضحايا، ولا نجيد القيام بدور الضحية التي تقتل ويسلخ جلدها وهي حية منذ سبعين عاما، حتى وصل السلخ العظم من ذوي القربى. الضحية لم تغير جلدها من التمسك بحقوقها، والذي جعل منا أبطال هو الثأر والانتقام لمواجهة الخوف وكي الوعي والصلف والعدوان الإسرائيلي المستمر. تم تحويلنا الى أبطال ويتغنون ببطولتنا عن بعد وأثار البطولة الأسطورية دماء تسفك ودموع وآهات صامتة.”

أيضا، فقد كان للخطاب الإعلامي السائد حصته من النقد عند شباب غزة وكتابها، وهذه عبير حيدر تقول بنوع من التهكم المرير: “استمعت قبل قليل لمراسل لإحدى الفضائيات يقول إن إسرائيل عاجزة عن الرد على صواريخ المقاومة…الصواريخ تنهمر على إسرائيل من غزة…وتعطلت الحياة بالكامل في إسرائيل، والحكومة الإسرائيلية عاجزة عن الدفاع عن مواطنيها، والمواطنين يطالبوها بالرحيل. وبالمقابل الإعلام الإسرائيلي يعرض صور دمار ورياض أطفال وبكاء وصراخ نساء ويطالب من العالم إنقاذهم..” وبرأي حيدر فإن “تضخيم وتهويل الصواريخ الفلسطينية غير واقعي ويضر بنا، ويعطى إسرائيل الذريعة لتدمير الأخضر واليابس في غزة.. كيف نطالب العالم بالتعاطف معنا ولدينا صحفيين يعتقدوا بأنهم بهذا الخطاب هم يدعموا المقاومة وشعبنا الأعزل؟ رسالتنا يجب أن تتركز على أن غزة هي الضحية وبها شعب أعزل وتسعى للسلام والطمأنينة وتعشق الحياة وتجيد صنعها ولا تمتلك نووي وكل ما تمتلكه أحلام بمستقبل لها ولأجيالها القادمة”.

في الغضون لايسعني إلا ضمّ صوتي إلى أصوات معظم أهل غزة المغلوبين على أمرهم، في مخاطبة المتحمسين للحرب، وإطلاق الصواريخ، مناشدا إياهم أن: تحمّسوا لكن رجاءً بهدوء، تحمّسوا قليلاً رجاءً لكن بالقلب والعقل. تحمَّسوا فهذا حقكم، لكن تحسسوا الأهوال التي يعاني منها أهل غزة.. تحمسوا لكن لا تحمِسوا أهل غزة، إذ لا ينقصهم ذلك، فلديهم كثير منه، وأكثر شيء يهمّهم الآن، هو وقف القصف والتدمير، وأكثر ما ينقصهم دعمكم لصمودهم، لذا الأجدى أن تتحمسوا لإعادة بناء بيوتهم وتقديم العون للمعوقين واليتامى والجرحى وعائلات الشهداء، فهل قدمتم شيئا ولو يسيرا من ذلك بعد الحروب الأربعة الماضية؟..لذا رجاءً تحمّسوا، لكن لأجل ذلك بالتحديد..فهذا هو الأجدى وهو المطلوب.

عائلة فلسطينية تنتظر الدخول الى المستشفى لعلاج جرحى

رسائل مجروحة من غزة : “امتى بدنا نخلص من ها الصراع وها العيشة وها المسرحية؟”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email