fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

إلهان عمر ومكاسب محتملة قد تضيع

كان دخول سيّدتين من أصول مسلمة إلى البرلمان الأميركيّ حدثاً مُفرحاً وباعثاً على التفاؤل والثقة بالمستقبل. إلهان عمر، الصوماليّة الأصل، ورشيدة طليب، الفلسطينيّة الأصل، دم جديد يُضخّ في الحياة السياسيّة للولايات المتّحدة.

التحوّل هذا جزء لا يتجزّأ من توسّع التعدّديّة واشتغالها والإقرار بها، نتيجةً لتغيّرات ديموغرافيّة وثقافيّة ضخمة عرفها المجتمع الأميركيّ في العقود الأخيرة. حصل هذا، ويحصل، في مواجهة الدعوات القوميّة والعنصريّة التي هبّت بقوّة في العقود نفسها، ثمّ استطاعت، من خلال رئاسة دونالد ترامب، أن تحرز مكاسب ملموسة.

فوق هذا، وفي ما يخصّ المسائل العربيّة والإسلاميّة تحديداً، يتيح وصول عمر وطليب إلى البرلمان إيصال صوت، كان دائماً شديد الضعف في أميركا، إلى الرأي العام وصناعة القرار في أكثر بلدان العالم تأثيراً. وبالطبع ففي عداد المسائل التي تستدعي التركيز ولفت النظر مسألة الاحتلال الإسرائيليّ وما يترتّب عليه من تعاطٍ عنصريّ مع الفلسطينيّين، خصوصاً في مجال الاستيطان وقضم الأراضي. ومن يدري، فقد يتطوّر أمر كهذا بحيث يؤسّس لـ “لوبي” جديد وفاعل وغير مسبوق في الولايات المتّحدة.

لكنّ النجاح في أداء هذه الوظيفة يرتبط، إلى أبعد الحدود، بمدى القدرة على بناء إجماعات تقدّميّة تناهض العنصريّة وأشكال التزمّت القوميّ والدينيّ أينما وُجد. هكذا، وعبر طرح المسألة المذكورة بصفتها تلك، يمكن إدراج القضايا العربيّة والإسلاميّة في نطاق إنسانيّ وديمقراطيّ أعرض: بهذا تكسب عمر وطليب وأمثالهما المنصّة الأخلاقيّة الأعلى، كما يصار إلى توسيع جبهة الحلفاء، بمن فيهم يهود يناوئون سياسات الحكومة الإسرائيليّة.

الضجيج الذي اثارته إلهان عمر مؤخّراً يشير إلى أنّها اختارت طريقاً أخرى، هي الردّ على العنصريّة بعنصريّة مضادّة، والردّ على رُهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) باللا ساميّة. هذا التوجّه، المنفّر والانعزاليّ، قد يجد اليوم الكثيرين ممّن يصفّقون له في أوساط اليسار الشعبويّ في الولايات المتّحدة، وكذلك في بعض دوائر اليمين المتطرّف من كارهي اليهود والمسلمين على السواء، إلاّ أنّ تصفيق هؤلاء يشبه تعميق الحفرة التي تقيم فيها قضايانا بدل الخروج منها. وبالمعنى ذاته، نجد معظم الأصوات الفلسطينيّة والعربيّة تدافع عن عمر بإنكار لا ساميّة موقفها، أو بالحديث عن مؤامرة تعرّضت، وتتعرّض، لها، مؤامرةٍ تبدأ بتشويه أقوالها ولا تقف عند هذا الحدّ. والحال أنّ تعاملاً كهذا يضرّ بها وبدورها السياسيّ في أميركا أكثر كثيراً ممّا يفيد. ذاك أنّ المطلوب والمُجدي هو مساعدتها، ومساعدة مَن يشبهها، من خلال ترشيد مواقفهم وتنزيهها عن العنصريّة واللا ساميّة.

صحيح أنّ إسرائيل – لا سيّما في ظلّ بنيامين نتانياهو – تجيد استغلال العالم وابتزازه باللاساميّة، على نحو يعود عليها بالنفع، وأنّها تنفخ كلّ ما يزعجها بحيث يجعله تعبيراً عن اللاساميّة. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الشعبويّة غالباً ما تقترن باللاساميّة، وينضاف هذه المرّة إلى اللاساميّة الكلاسيكيّة التي يحترفها أقصى اليمين، شعبويّة أقصى اليسار التي يدلّ إليها ما يجري في حزب العمّال البريطانيّ، دافعاً بعدد من نوّابه إلى مغادرة حزبهم في ظلّ جيريمي كوربان.

وهذا إنّما ينبّه إلى مسألتين: أولاهما، أنّ ما يجري أكبر وأكثر جدّيّة من اللعبة الدعائيّة السخيفة (على طريقة: تجنّبوا الظهور في العلن بمظهر عنصريّ) إلى توليد قناعات عميقة تناهض تلك العنصريّة نفسها، أكان بأشكالها الفظّة أو بأشكالها المواربة والملطّفة، مع ما يستدعيه ذلك من ثقافة حول اللاساميّة تفتقر إليها، على ما يبدو، إلهان عمر. وفي هذه الخانة تندرج مسألتا المال وازدواج الجنسيّة حين يكون اليهود حصراً المقصودين. فنحن نعلم أنّ اللوبي العربيّ في الولايات المتّحدة أغنى بلا قياس من اللوبي الإسرائيليّ، كما نعلم أنّنا نتحدّث عن بلد تعرّف فيه الجماعات عن نفسها بأنّها يونانيّة – أميركيّة وإيرلنديّة – أميركيّة…

أمّا المسألة الثانية، فتتجاوز التشاطُر المحكوم بتفويت الفرصة على الخصوم كي “لا يوقعوا بنا”. فالمؤكّد أنّ هناك دائماً، ولا سيّما في الولايات المتّحدة، خصوماً يسعون إلى “الإيقاع بنا”. بيد أنّ الضمانة السياسيّة والأخلاقيّة هي أن لا نوقع نحن بأنفسنا.

لقد اعتذرت إلهان عمر عمّا صدر عنها في المرّة الأولى، وهذه خطوة جيّدة ومفيدة. لكنّ ما يفوق ذلك أهمّيّة، كما دلّت “الغلطة” الثانية، هو أن تحصّن نشاطها السياسيّ ونظرتها إلى الأمور بما يحول دون ارتكاب “أخطاء” من هذا النوع مستقبلاً. إن لم يكن هذا من أجل إلهان عمر، فمن أجل قضيّة الفلسطينيّين وكسبهم المزيد من الأصدقاء المؤثّرين.

حملة الحزب الديموقراطي على إلهان عمر مهزلة كبرى

إقرأ أيضاً