fbpx

هنا القصة الثالثة

ايلي قصيفي - صحافي لبناني

ايلي قصيفي - صحافي لبناني

مقالات الكاتب

إلغاء حفل مشروع ليلى : “جبيل مش القاهرة”

“بيبلوس مش القاهرة”، بهذه اللغة الجازمة ردّت صحافية في جريدة “النهار”، خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق البرنامج الفنّي لمهرجانات بيبلوس الدولية – 2019، على مداخلة شخصٍ من الحضور استعاد إلغاء حفل لـ”مشروع ليلى” في القاهرة عام 2017، سائلاً عمّا إذا كانت اللجنة تتخوّف من تكرار الأمر نفسه في جبيل.

جواب الصحافية تلك، على اقتضابه، إنّما يحمل مدلولات مكثّفة عن الالتباسات والمفارقات الكامنة في الوعي الجمعي لـ”مجتمع” مهرجانات بيبلوس، والتي فجرّتها قضيّة “مشروع ليلى”، في وجه هذا الوعي بالذات. 

فليس بلا دلالة أن تستخدم الصحافية تلك اسم بيبلوس لا جبيل، بقصد إخراج جبيل من زمنها السياسي والاجتماعي الراهن، ووضعها في إطار تاريخي وحضاري هو “فوق” حاضرها. فـ”جبيل” تحيل إلى المدينة اللبنانية العربية، وهي وإن كانت تحوي جماليات طبيعية، إنما فيها أيضاً متسوّلات يجبن شوارعها خلسةً هرباً من شرطة البلدية، وفيها مشكلات صرف صحّي، فضلاً عن أزمة نفايات كامنة. وهي مهما حاولت فعالياتها تمييزها عن محيطها القريب والبعيد تبقى في واقعها جزءاً  منه. وهو ما يؤكّده، ويا للمفارقة، انتخابها عاصمة السياحة العربية. أمّا “بيبلوس”، فهي “6 آلاف سنة حضارة”، وهي القلعة الصليبية والآثار منذ زمن الفنيقيين، أي أنها الماضي الحضاري العريق، فوق العروبة وفشلها الحضاري، الذي يمثّل منع حفل “ليلى في القاهرة أحد وجوهه. 

ثمّ إنّ القول، “بيبلوس مش القاهرة”، يحيل إلى “الأيديولوجيا اللبنانية”، التي ترى إلى لبنان سويسرا الشرق، بلد الحريّة والديموقراطية، الذي لا “يشبه” محيطه “العربي الإسلامي” بشيء. ففي عقل الصحافية الزميلة، بيبلوس تمثّل فارقاً حضارياً وإنسانياً ليس فقط في لبنان، وإنما في المنطقة كلّها، وبالتالي لا يمكن أن يلغى فيها حفلٌ، أيًا يكن هذا الحفل!

إلّا أنّ الواقع خالف تخيّل الصحافية تلك لنفسها ولـ”بيبلوس”. فبيبلوس تلك استحالت جبيل اللبنانية العربية في لحظة سياسيّة اجتماعية مضغوطة، أنتجت موازين قوى هي ما يحدّد المسموح والممنوع في الحياة العمومية، لا لجنة المهرجانات و”مجتمعها”.

 

“أكلناها كفّ، كان يجب أن يطلع صوت في جبيل يقول غير هيك”، يقول أحد أصحاب الحانات (رفض الكشف عن اسمه) في السوق القديمة. يضيف: “الفرقة غنّت في عمشيت في مكان مجاور للمطرانية العام الماضي، ولم نسمع اعتراضاً”.

 

زمن “الثنائية المسيحية”

“ما الأكثر إلحاحاً في بلد مهدّد بالإفلاس ومنخور باللامساواة والفساد والتلوّث من منع فرقة روك بديل؟ هذا آخر اكتشاف لفئة من النخبة السياسيّة – الدينية اللبنانية”. 

هذه مقدمّة مقال نشر في “لوموند” الفرنسية، في 29 تمّوز/ يوليو الماضي، بعنوان: “في لبنان فرقة مشروع ليلى تواجه الرقابة؛ المجموعة الموسيقية، التي ترفض الهوموفوبيا، متهمّة بالتجديف من جانب حزبين مسيحيين”.

بوستر للسيدة العذراء والعماد ميشال عون رفع في جبيل – 2016

أمران يمكن التوقّف عندهما في المقدمّة والعنوان هذين: أولاً، أنّ يتمّ انتقاد النخبة السياسية الدينية اللبنانية والمسيحية تحديداً، في الصحيفة الفرنسية الأشهر، فهذا يطرح مجدداً إشكالية هذه النخبة في النظر إلى نفسها وفي تقييم تمثلّها بالغرب (فرنسا تاريخياً). وهو تمثّلٌ دأبت عليه في مسعاها للتمايز المطلق عن محيطها العربي الإسلامي. فإذا بها تُنتقد من صحيفة فرنسية، في توكيد للتفاوت القيمي بينها وبين الغرب “الحداثي” و”ما بعد الحداثي”. وهو ما يعكس في نهاية الأمر أزمة هوية لدى هذه النخبة بالذات.

أمّا الأمر الثاني، فإذا أخذنا المقدّمة والعنوان هذين، من دون بقيّة النصّ نجد أنّ لا ذكر فيهما لجبيل المدينة، مع أنّ حدث المنع هذا حصل فيها. قد يكون ذلك بلا دلالة مهمّة لكاتب أجنبي لا يملك بالقدر الكافي حساسيّة “الخصوصيات” اللبنانية. إلّا أنّ هذا الإغفال يحيلنا أيضاً إلى مفارقة في التاريخ السياسي والاجتماعي لمدينة جبيل.

فجبيل “مدينة التعايش والثقافة” على ما جاء في بيان مطرانية جبيل المارونية في 22 تموز الماضي، لم تكن طوال تاريخها السياسي، أحد مراكز “العصبيّة المسيحية” وإن لم تغادر محافظتها الاجتماعية يوماً. هذه الخصوصيّة الجبيلية أكّدتها مجريات الحرب الأهلية في المدينة التي لم تشهد مناحي العسكرة بالقدر الذي شهده سائر المناطق. وإن لم تبقَ خارج الحرب كلّياً، خصوصاً في سنتيها الأوليين.

وتكفي للدلالة على ذلك، استعادة رواية المناظرة بين ريمون إده وكمال جنبلاط في جبيل عام 1974 في قاعة انطش جبيل التابع للرهبانية اللبنانية المارونية. وقد حصلت هذه المناظرة تعويضاً عن إلغاء محاضرة لجنبلاط في الجامعة اليسوعية في بيروت، “بعدما افتعل طلاب حزب الكتائب اللبنانية حادثاً”، أدّى إلى هذا الإلغاء، بحسب الناشط رامز عبود. 

نحن إذاً في عام 1974، أي في ذروة التعبئة السياسية/ الطائفية والعسكرية بين الأحزاب المسيحية من جهة، وبين أحزاب القوى الوطنية اليسارية والإسلامية المتحالفة مع الثورة في الفلسطينية من جهة ثانية. إّلا أنّ التعبئة القصوى تلك لم تمنع مجيء جنبلاط زعيم “الحركة الوطنية” الى جبيل للكلام في قاعة كنسية. وهو ما يعكس خصوصية ريمون إده نائب المدينة وقتذاك، لكنّه يعكس أيضاً خصوصية المدينة في الاجتماع السياسي المسيحي. 

طبعاً لا يمكن القياس بالمطلق على حادثة وقعت قبل نحو 4 عقود لإجراء تقييم لحادثة وقعت في الأمس القريب. إلّا أنّ منع حفل “مشروع ليلى” في جبيل، في سياقه السياسي والديني والأهلي، صوّر جبيل أو جعلَها، أقلّه رمزياً، المركز الأهمّ لـ”العصبيّة المسيحية” بعد الحرب. وهو ما يمكن عدّه تطوّراً نوعياً في المجتمع الجبيلي. لكنّ هذا التطوّر لا يتصّل بالضرورة وحصراً بديناميات سياسية واقتصادية اجتماعية داخل المجتمع الجبيلي، وإنما يتصّل أساساً بواقع مسيحي أعمّ يشمل حراك المجتمع المسيحي اللبناني عامّة.

فبالعودة إلى مقال “لوموند”، فإنّ الكاتب ذكر في العنوان الفرعي لمقالته أنّ حزبين مسيحيين، أي “التيار الوطني الحر”، و”القوات اللبنانية” اتهما الفرقة بالتجديف، ثمّ تحدّث في مقدّمته عن نخبة سياسية – دينية، أي أنّه عاد وأدخل النخبة الكنسية إلى موضوعه.

وهو بذلك، سواء قصد ذلك أو لا، يضيء على الواقع السياسي الجديد في جبيل، بعد الصعود السياسي لما بات يعرف بـ”الثنائية المسيحية” تيمّناً وتمثّلاً بـ”الثنائية الشيعية”. فالاختزال الحزبي للسياسة والمجتمع في جبيل، وبالشكل الذي أظهرته مجريات منع حفل “مشروع ليلى”، أمرٌ جديدٌ على المدينة. وليس حضور ممثلي “الأحزاب المسيحية” الثلاثة (التيار الوطني الحر، الكتائب، القوات)- دون سواهم من الفاعاليات السياسية بمن في ذلك نواب جبيل الثلاثة – الاجتماع الذي عقد في مقرّ مطرانية جبيل في عمشيت لمناقشة قضية “مشروع ليلى” في 24 تموز الماضي سوى دليل إضافي إلى المنحى الإختزالي للسياسة هذا. 

من عروض مهرجانات جبيل -2018

“المدينة” تدافع عن نفسها

أوضح رئيس بلدية جبيل في تصريح لـ “المؤسسة اللبنانية للإرسال” في 5 آب الماضي، أنّ “لجنة المهرجانات أخذت قراراً بإيقاق الحفل لا بإلغائه”، وقال: “نحن لم ننجر وراء الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي وبقينا على الحياد إلى حين صدور قرار المركز الكاثوليكي للإعلام”. أضاف: “لا يمكن الغاء حفل في جبيل، جبيل مدينة سياحية، جبيل عاصمة السياحة العربية، ولسنا عذراً على التعبير، ضيعة، في آخر نقطة بلبنان يمكن إلغاء مهرجان فيها، هذا بالتأكيد له تداعيات على المدينة، نحن بالمرصاد في هذا الموضوع”.

كلام رئيس البلدية هذا يُحمل على معنيين، فهو أولاً يعبّر عن رفض متأخّر لما حصل في قضية منع حفل “مشروع ليلى”، وعن عودة عن موقف الحياد الذي كانت وقفته البلدية في “الأزمة”. إعادة التموضع هذه حصلت بعدما ألغت الفرقة الهولندية “ويذين تامبتايشن” حفلتها التي كانت مقرّرة في 7 آب/ أغسطس، وذلك تضامناً مع فرقة “مشروع ليلى” ودعماً للتسامح وحرية التعبير، كما جاء في بيانها.

وفي المعنى الثاني، يعبّر كلام رئيس البلدية عن عجز “المدينة” عن صياغة موقف “مستقّل” من القضية بعد تسليمها إلى “المركز الكاثوليكي للإعلام”، وبعدما دخل عليها حزبا الثنائية المسيحية، على ضوء تفاعل الحملة الداعية إلى وقف الحفل وإن اقتضى ذلك العنف. وهو ما يحيلنا من جديد إلى عملية صَهر “المدينة” في إطار جغرافي وسياسي اجتماعي أعمّ وأشمل منها، الأمر الذي يؤشّر إليه تأكيد رئيس البلدية “أننا لسنا ضيعة”. أي بكلام آخر، فإنه في لحظة الذروة العصبية السياسية والدينية في قضية “مشروع ليلى” غاب صوت “المدينة” أو غُيّب، وبات الخوف والتردد سيّدي الموقف فيها. فالمطرانية ضدّ الحفل، وكذلك “القوّات اللبنانية” التي أصدرت بياناً يؤيد المطرانية، وكذلك “التيار الوطني الحر” الذي وإن لم يصدر بياناً مشابهاً إلّا أنّ ناشطاً أساسياً فيه من قضاء جبيل كان “قيادياً” في الحملة ضدّ الإلغاء. وهذا كلّه خلق مناخاً عصبياً دينياً وسياسياً بات الوقوف في وجهه مكلفاً من الناحية السياسية والشعبية. وهو ما يفسّر حذَر نوّاب قضاء جبيل الثلاثة كما البلدية في التعاطي مع القضية.

أهل “البلد”

“أكلناها كفّ، كان يجب أن يطلع صوت في جبيل يقول غير هيك”، يقول أحد أصحاب الحانات (رفض الكشف عن اسمه) في السوق القديمة. يضيف: “الفرقة غنّت في عمشيت في مكان مجاور للمطرانية العام الماضي، ولم نسمع اعتراضاً”.

برأيه لم يظهر تأثير مباشر لما حصل في المدينة، إلّا أنه لا يمكن توقّع ما قد يحصل مستقبلاً، “فاللجنة باتت مضطرة إلى حساب ألف حساب قبل ان تتعاقد مع أي فرقة أجنبية لتقديم عرض في جبيل، خوفاً من أن يأتي أحد ويقول لا للعرض”.

يتابع: “ما فيني كون فاشيست ومتشدد وإحكي بالاعتدال. في السوق القديمة هناك وقف للطائفة السنيّة، ماذا لو صدر صوت يقول: لا نريد كحولاً. فتحنا علينا باب!”.

أّما اتيان، وهو رسّام وممثّل، فشعر بالصدمة إزاء ما حصل، وهذا موقف “النخبة المثقفة”، برأيه. لكنّه يقول في المقابل، إنّ “ثلاثة أرباع العالم ضدّ، والمشكلة أنه لا قابلية للحوار لديهم”. وهو لذلك يعبّر عن خوفه من “التشدّد الحاصل والذي انعكس في التعبير عن رفض الحفل بالشتائم والتهديد والوعيد”.

وفي المحصلّة فإنّ الانقسام الذي يقيمه اتيان هو انقسام حقيقي داخل المدينة، لكّنه انقسام لم يعبّر عن نفسه في ذروة الاحتقان حول قضية منع حفل “مشروع ليلى”، في انعكاس جلي لموازين القوى الفعلية على الأرض. فكانت بيبلوس قاهرة أخرى على المتوسّط!

“المسيحيون الجدد” ينتصرون على “مشروع ليلى”

 

 

إقرأ أيضاً