fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

إعادة كتابة الماضي لن تجعل “ديزني” أكثر تقدماً

على مشارف نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لم تعد الأميرة ياسمين تريد أن تكون مجرد أميرة بعد الآن. ففي فيلم “علاء الدين”، للمخرج البريطاني غاي ريتشي -الذي يعود بنسخته الحيّة من جديد، في أحدث إصدارات “ديزني” لأشهر أفلام “الكارتون” الكلاسيكية التي أنتجتها- تطمح الأميرة ياسمين (تقوم بدورها نعومي سكوت) إلى خلافة والدها، لتصبح سلطانة مملكة “أغربة”.

إلّا أنّها امرأة، ووالدها لن يفكّر على الإطلاق في منحها هذا المنصب؛ إذ إنّ ذلك يعتبر مخالِفاً للتقاليد والأعراف.

لذا تنشد الأميرة في أغنية جديدة كُتبت لهذا الفيلم، في أداءٍ مسرحيّ على غرار العروض المسرحية الغنائية التي تدعو إلى تمكين المرأة في مسرح برودواي؛ وتؤكد الأميرة بكل حزم أكثرَ من مرة أنها “لن تستطيع التزام الصمت”، وتضيف أثناء غناء الكورال “كل ما أعرفه هو أنني لن أصمت”.

الممثلة البريطانية نعومي سكوت

هذه ليست الأميرة ياسمين التي عرفتها خلال طفولتي، التي كان شغلُها الشاغل هو الزواج من أميرٍ تختاره بنفسها. هذه هي النسخة المحسَّنة الجديدة منها، تُجسِّد شخصية بطلة طموحة تركِّز على حياتها المهنية.

يُفترض أن يكون ذلك شيئاً جيّداً، لأنّه يوحي بالتحرُّر ويشير إلى منظور أكثر شمولية.

لعل “ديزني” كانت تأمل بأنني -باعتباري فتاة أنتمي إلى جيل الألفية، ونشأتُ على مشاهدة أميرات ديزني اللواتي شكَّلْن جزءاً كبيراً من طفولتي وأشرطة الفيديو القديمة لأغاني ديزني “غنِّ مع الأصدقاء”- سأفتتن برحلة ياسمين 2.0، وسأقدِّر حقيقة أنها تطوّرت ظاهريّاً بطريقة تجاوزَت نظيرَتَها في فيلم الرسوم المتحركة الذي حقّق نجاحاً باهراً عندما صدر عام 1992. وفي أي حال، دأب المسؤولون التنفيذيّون في شركة “ديزني” على القول إن الشركة ملتزمة بتبني التطوّرات التي تشهدها صناعة أفلام الرسوم المتحركة، لتكون أكثر شمولاً وتنوّعاً.

على رغم عدم استمتاعي بها، أجبرت نفسي على البقاء خلال مشاهدة عدد من أفلام الرسوم المتحركة من فترة طفولتي بنسختها الحية، التي أُنتجت على مدى الأعوام الماضية، ووجدت صعوبةً في الشعور بالراحة عند مشاهدة تلك المحاولات غير اللائقة لتصحيح خطايا الماضي. إذ لا تسترعي الرسائل التقدميّة التي تم إدخالها بقوة في الأحداث، إلا مزيداً من الانتباه إلى الفظاظة المتأصلة في ممارسات “ديزني” الحالية التي لا تُشير سوى إلى الحنين إلى جمع المال بشتّى الطرائق.

هذه ليست الأميرة ياسمين التي عرفتها خلال طفولتي، التي كان شغلُها الشاغل هو الزواج من أميرٍ تختاره بنفسها. هذه هي النسخة المحسَّنة الجديدة منها، تُجسِّد شخصية بطلة طموحة تركِّز على حياتها المهنية.

قد لا تبدو الطريقة التي ظهرت بها شخصية الأميرة ياسمين فريدةً من نوعها. فقد اتسمت كذلك محاولاتُ إعادة الإنتاج الأخرى التي قامت بها “ديزني” -ظنّاً منها أن ذلك النهجَ سيُرضي المشاهدين- بالقدر ذاته من البلاهة والغرابة. قبل إصدار فيلم “الجميلة والوحش” عام 2017، تعثّر فريقُ الدعاية أمام هفوةٍ كان يُمكِن تجنّبها بسهولة، وذلك حين أجرى مخرج الفيلم، بيل كوندون، مقابلةً قال فيها مازحاً إنّ إحدى شخصيات الفيلم ستؤدّي مشهداً يُمكن اعتباره “مثليّاً بصورة حصرية”. وقد تبيَّن أن تلك اللقطة الصغيرة التي من المؤكّد أنك لن تلاحظها، تصوِّر لوفو وهو يرقص مع رجل آخر في المشهد الأخير في الفيلم. بيد أن ذلك بالكاد يوصف بالحصريّة، لأنّ لوفو يحاول في معظم أحداث الفيلم أن يُبرِزَ مشاعره الملتهبة إزاء غاستون، التي تتراوح بين الرغبة والإعجاب.

يُقدِّم فيلم “دمبو” Dumbo للمخرج تيم برتون -الذي صدر في آذار/ مارس الماضي، والذي تدور أحداثه في وقت خيالي شاع فيه استخدام الآلات البخارية- الكصير من الشخصيات الجديدة التي لم تكن موجودة في الفيلم الأصلي، الذي يحمل الاسم ذاته، والصادر عام 1941، بما في ذلك شخصية ميلي (نيكو باركر)، التي لا هدف من وجودها إلا القيام بمهمّتين: الترجمة الشفوية لـ”دمبو” (أعتقد أن ما لا يقل عن 75 في المئة من الحوار التي تقوله في الفيلم، ما هو سوى وصف لكل ما يفعله أو يشعر به ذلك الفيل الصغير المسكين في تلك اللحظة)، إضافة إلى كونها “الفتاة التي قد تُزعزِع أركانَ العالم الذي يهيمن عليه الذكور، لو أنها وُلِدت في العصر المناسب”؛ إذ إنّ شخصيّتَها -على النحو الذي كُتِبَت به- تُجسّد رمزاً لقوّة الفتيات بطريقة تفتقر إلى العمق.

حتى لو دُمِجت الحساسيات الثقافية بشكلٍ أكثرَ سلاسةً في الأحداث، فإنّ ذلك لا يكاد يُبرّر النهجَ الذي اتبعته ديزني عند إعادة إنتاج هذه الأفلام. إنه لَشيء رائع أنَّ جون فافرو، مخرج فيلم “كتاب الأدغال” الذي صدر عام 2016، تخلّص من المشهد الذي كان يرمز إلى الملك لوي، وهو إنسان الغاب المزعج الذي صيغت شخصيته على غرار لويس أرمسترونغ، في فيلم الرسوم المتحركة الذي صدر عام 1967. ومن الجميل أن شخصية إيلا (ليلي جيمز) في فيلم “سندريلا” الصادر عام 2015، تركّز على فكرة أنّ النساء يُساعِدن بعضهنّ بعضاً. ومن الرائع أن شخصية بيل (إيما واتسون) في فيلم “الجميلة والوحش” لم تكن مثقفة ومحبة للاطلاع وحسب، بل مخترعة ذكية أيضاً.

تتمثل المهمة الأساسية التي من المفترض أن تحققها إعادة إنتاج هذه الأفلام بنسختها الحيّة (إلى جانب الحصول على أموالك)، في إعادة إشعال شغفنا تجاه الأفلام القديمة الأصلية. فبالنسبة إلى كثيرين – وبخاصة من أبناء جيلي الذين مثّلوا الجمهور الذي استهدفته ديزني بشكل مباشر من خلال إعادة إحياء ذاكرة أواخر عقد الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي- كانت تلك الذكريات محتدمةً وعاطفيّةً ولا يُمكن التخلّص منها بسهولة. وكما قال غلين كين، رسام الرسوم المتحركة، الذي عمل مع استوديوهات “ديزني” لمدة طويلة، “لا بُدّ من توخّي الحذر”، عندما وصف طريقته في تقديم شخصية بوكاهونتس. وأضاف أن “النسخة التي تقدِّمها ديزني للشخصية ستصبح هي النسخة النهائية”. (تمكن ملاحظة ذلك من خلال البحث عن “بوكاهونتس” في صور غوغل، وستجد أن أول ما ستراه ليس الشخصية التاريخية، بل الشخصية الخيالية التي ظهرت في فيلم الرسوم المتحركة).

هل يمكن أن تصبح نسخة شخصيات “ديزني” الجديدة هي النسخة النهائية؟ ربما ليس هذا هو المغزى، على رغم أنّ ديزني اغتنمت هذه الفرصة للإيحاء لمتابعيها أنها لم تعُد كياناً يعرض –من دون تفكير- قِطّاً سياميّاً يعزف على البيانو باستخدام أعواد تناول الطعام، فيما يغنّي أغنية عن كعكات الحظ، كما في فيلم الرسوم المتحركة “قطط ارستقراطية” الذي عرض عام 1970. وتضمَّن جزءٌ أساسيّ من الحملة الدعائية لفيلم “علاء الدين” الجديدِ طمأنةَ المشاهدين المحتمَلين أن الفيلم لن يحتوي على الأخطاء ذاتها التي حواها فيلم “علاء الدين” القديم، الذي هيمنت عليه في الغالب أصوات ممثلين من ذَوي البشرة البيضاء، واستند إلى الصور النمطيّة المضطربة حول الشرق الأوسط. (فمن بين أشياء أخرى، عند إصدار الفيديو المنزلي لعام 1993 استبدلت كلمات أغنية تتحدث عن قطع الآذان، بعد احتجاجات على هذا الأمر – رغم أنّ مدينة “أغربة” ظلّت وقتها توصف بأنها مدينة “بربرية”. أما في فيلم “علاء الدين” الجديد فقد أصبحت توصف الآن بأنها مدينة “فوضوية”.) وقد أشار البعض إلى أن “ديزني” ارتكبت أخطاء جديدةً هذه المرة.

إلّا أنّ ديزني كانت أكثر تقدماً بشكل مقنع في أفلامها الأصلية القديمة التي أنتجتها في السنوات الماضية. فقد تمكّن فيلمُ الأبطال الخارقين الخيالي “الأبطال الستة” بسلاسةٍ من دمج صوتٍ متعدّد الثقافات في بيئة مستقبلية تُعرف باسم “سان فرانسوكيو”. أما فيلم “ملكة الثلج”، فعلى رغم وجود الكثير من الأميرات فيه (وشخصية من المحتمل أن تكون الأمير الساحر)، إلّا أنّه أعطى لإظهار الإخاء بين النساء أولويةً على الرومانسية. بينما يعرض فيلم “موانا” بطلةً من جزر المحيط الهادئ؛ ويقدِّم فيلم “كوكو” (من إنتاج شركة بيكسار للرسوم المتحركة المملوكة لشركة ديزني) بطلاً مكسيكيّاً (وأصواتَ ممثلين من أصول لاتينية). وقد تمكّنت القصتان من التعبير عن ثقافة الشعوب التي تمثلها، مع قدرتهما على الوصول إلى الجمهور العالمي. أمّا بالنسبة إلى الأفلام الحية، فقد مثّل فيلم “النمر الأسود” (من إنتاج شركة مارفل المملوكة لشركة ديزني) أهميّةً بالغة، وذلك لتصويره الشتات الأفريقي.

هذه الأفلام ليست لديها نماذج سابقة تمكِن مقارنتها بها، كما هي الحال مع النسخ الحيّة الجديدة من أفلام “الجميلة والوحش” و”علاء الدين”. فبمجرّد الحصول على العناصر الأساسية التي تعتمد عليها أفلام “ديزني” في نجاحها (كالآباء المتوفّين، وشخصية الصديق الحميم الخياليّة المُخلِصة، وما إلى ذلك)، لن يضطرّ المبدعون الجدد أن يشغلوا أنفسهم بالبحث عن أشياء تضاف عَمداً لإرضاء الجمهور.

يُمكن أن تصوِّر النسخةُ الجديدة المحتومة من فيلم “حورية البحر” آريل على أنها رائدة أعمال متخصّصة في صناعة صدريّات مفيدة للجسم من الأصداف، بيد أن ذلك لن يكون كافياً لمحو الأثر الذي دام 30 عاماً في عقول الأطفال الذين شاهدوا الفيلم الأصلي والتوقّعات غير الواقعية للجَمال التي أظهَرَها أداءُ آريل

من شأن ذلك أن يؤدِّيَ إلى صناعة أفلام أفضل، تتناول قصصاً أكثر إثارةً للاهتمام، وتعبّر عن إحساس أقوى بإخلاص ديزني في مزاعمها المتكرِّرة حول الشمولية. فبالفعل تعثّر صانعو أفلام “ديزني” في أكثر من مناسبة -مثل زيّ جزيرة ماوي غير المدروس والذي قدّمته بلونٍ بنّيّ وعرضته الشركة في متجرها للأطفال كزيٍّ للهالووين، وأيضاً الرموز العنصرية المشوّشة في فيلم “زوتوبيا”- لكنهم على الأقل بدأوا من الصفر، بدلاً من محاولة نسخ التنوّع ولصقه وإدراجه في عمل صار بالفعل جزءاً لا يتجزأ من الوعي الجمعيّ ومن المستحيل حذفه.

يُمكن أن تصوِّر النسخةُ الجديدة المحتومة من فيلم “حورية البحر” آريل على أنها رائدة أعمال متخصّصة في صناعة صدريّات مفيدة للجسم من الأصداف، بيد أن ذلك لن يكون كافياً لمحو الأثر الذي دام 30 عاماً في عقول الأطفال الذين شاهدوا الفيلم الأصلي والتوقّعات غير الواقعية للجَمال التي أظهَرَها أداءُ آريل (وينطبق ذلك أيضاً على غيرها من أميرات “ديزني”).

لقد نشأتُ على حب أفلام “ديزني” وما زلتُ أحبّها، على رغم بعض سماتها المثيرة للإزعاج. بيد أن جزءاً من النضوج يعني أن تعرفَ أن الكثير من الأشياء التي تحبها، إن لم يكن معظمها، يكتنفُها بعضُ المشكلات – ثم تمضي مرحلةَ البلوغ في محاولة مواجهة جميع الدروس السيّئة التي ربّما استحوذَت عليك من دون وعي تلك الأشياء. قد يكون من الجيّد لـ”ديزني” أن تعترف بالأجزاء المُخزِية من ماضيها (وسيكون لذلك نتائج جيدة ومربحة لأعمالها أيضاً). إلّا أنّ أفضل طريقة للقيام بذلك هي التخلّي عن ذلك الماضي، والمضيّ قُدُماً في صناعة المزيد من الأفلام مثل “كوكو” و”موانا” – التي تُمثّل في حد ذاتها نسخاً نهائيّة.

هذا المقال مترجم عن The New York Times ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

ألف كذبة وكذبة: كل ما تعرفونه عن “علاء الدين”… خاطئ

إقرأ أيضاً