fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

إعادة العلاقات مع الأسد: عار على العرب

كشف كثيرون من الحكام العرب عن إفلاسهم الأخلاقي، عبر إعادة إحياء العلاقات مع سوريا والتعاون مع مجرم الحرب.

في آذار/ مارس المُقبل، ستكمل “لجنة العدالة والمساءلة الدولية” (CIJA) وهي منظمة غير ربحية تكرس جهودها لإجراء تحقيقات جنائية أثناء الحروب، في غياب الإرادة السياسية أو القدرة على إشراك هيئات التحقيق العامة القائمة، التحقيق النهائي الشامل في جرائم الحرب التي ارتكبها الدكتاتور السوري بشار الأسد.

يستند التحقيق إلى أكثر من 800 ألف رسالة رسمية من أجهزة الاستخبارات والأمن الرئيسية السورية الأربعة، والتي تمكنت اللجنة من الحصول عليها من خلال عملها مع مجموعات حقوق الإنسان في البلاد. كانت هذه الوكالات مسؤولة عن إصدار توجيهات بإجراء مذابح، راح ضحيتها حوالى نصف مليون شخص في سياق العمليات العسكرية، التي اضطلعت بها قوات الأسد وحلفاؤها الأجانب، لا سيما روسيا وإيران. بمجرد الانتهاء من التحقيق، ستكون اللجنة جاهزة لتقديم 10 قضايا قانونية ضد الأسد وحكومته بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية (و6 قضايا أخرى ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”).

على رغم جرائم الحرب المروعة هذه، فقد أُعلن أن مجموعة من الدول العربية بدأت تطبيع العلاقات مع دمشق بعد انقطاعها عام 2011، عندما أصبحت عمليات القتل الجماعي والقمع، السمتين المميزتين للحرب الأهلية. كما أعلنت كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2018 عن إعادة فتح سفارتيهما في دمشق. ومن المقرر أيضاً استئناف الرحلات الجوية بين البلدين وسوريا قريباً. إضافة إلى ذلك، أعربت مصر والعراق وحتى تونس، أيقونة الديموقراطية، عن تأييدها عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

أخيراً، زار الرئيس السوداني عمر البشير، الذي اتُهم بجرائم حرب ويواجه حالياً احتجاجات جماهيرية في الداخل، دمشق واستقبله مجرم الحرب بشار الأسد في المطار ثم رافقه إلى القصر الرئاسي. وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”، تركزت المحادثات على إعادة العلاقات بين البلدين “إلى ما كانت عليه قبل الحرب على سوريا”. أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، وهي دولة لها مكانة مهمة في المنطقة، فلا يمكنها إعادة العلاقات مع الأسد ونظامه بعد الفظائع التي وقعت، وذلك بسبب الروابط التاريخية الفريدة والصلات الدينية والقبلية التي تجمع الرياض مع غالبية الشعب السوري.

يجسد التقارب العربي السوري وإعادة إحياء العلاقات مع الأسد عدم الكفاءة والإفلاس الأخلاقي لعشرات حكام المنطقة الحاليين. ويعزو السبب الجذري لهذه الوعكة إلى انحراف البوصلة الأخلاقية التي طالما قادت العرب إلى الضلال. في حين تبين المقارنة بين الاستجابات الأوروبية والعربية لجرائم الحرب درساً واضحاً. بعد ملاحقة أمبراطوري الحرب المجرمين، راتكو ملاديتش ورادوفان كاراديتش، بقوة في أعقاب الحرب الأهلية اليوغسلافية، ألقى الأوروبيون القبض على سفاحي البوسنة وصربيا ورحّلوهم ليحاكموا في لاهاي لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، كذبح المسيحيين الكرواتيين والمسلمين البوسنيين، وحكم عليهم بالسجن المؤبد. كيف تمكن مقارنة ذلك برد الفعل العربي على الإبادة الجماعية لإخوانهم العرب المسلمين؟ في المقابل، يظهر سفاحا السودان وسوريا، البشير والأسد، وهما يسيران معاً بابتهاج أمام الكاميرات، بينما يراقب العرب بلا مبالاة تامة.

على رغم أن هذا التغيير قد يبدو مخزياً ومضللاً، فقد برر القادة العرب ذلك على أساس أن مهادنة الأسد قد تحد من تقاربه مع إيران، وتساعد على الحد من نفوذ إيران الخبيث في المنطقة. تبحث الدول العربية، بالطبع، عن أي طريقة ممكنة لبناء جدار بين إيران والعالم العربي في مواجهة سياسات طهران المستمرة لزعزعة الاستقرار من خلال وكلائها الإقليميين. فمنذ عقود عاثت الميليشيات والإرهابيون المدعومون من قبل إيران فساداً في سوريا، والبحرين، واليمن، والعراق، ولبنان، وأماكن أخرى، وأصبحوا يمثلون الآن المحور الأساسي لمحاربة الإرهاب في الدول العربية، وبخاصة الآن بعد هزيمة تنظيمي “داعش” والقاعدة تقريباً.

ومع ذلك، فقد أظهرت تجربة لبنان، حين قامت الدول الغربية ودول الخليج العربي بإرسال مليارات الدولارات كمساعدات في محاولة غير مجدية لهزيمة إيران، أن مثل هذا النهج لم ينجح ولن ينجح. وفي أعقاب الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” عام 2006، كان التفكير الأميركي والعربي والأوروبي أنه إذا أمكن بناء الجيش اللبناني، فإنه سيتفوق على “حزب الله” ويتسبب في تفككه. لكن العكس هو الذي حدث. فقد صار الحزب أقوى من أي وقت مضى، وينسق الجيش اللبناني الآن جميع عملياته مع تلك المنظمة الإرهابية، وازداد نفوذ إيران في لبنان قوة.

 

ارتُكِبت جرائم شنيعة في سوريا، وإذا لم يستيقظ العالم العربي من كابوسه التاريخي الطويل ويستجمع إرادته لمقاضات مجرمي الحرب في المحاكم الإقليمية والدولية، فسيستمر العالم العربي في الغرق أعمق وأعمق إلى مستويات العجز والانقسام

 

يُعد هذا المأزق نسخة أو استنساخاً معاصراً للأسطورة العظيمة المُتمثلة في تقرير كامبل بانرمان. فعلى مدى عقود، وضع القادة والمثقفون العرب أراضيهم وشعوبهم تحت ظلالٍ فرضوها على أنفسهم لرواية خيالية مزعومة تعود بالذاكرة إلى المؤتمر الإمبراطوري الذي عُقد في لندن عام 1907، ومضيفه آنذاك رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان. فهي حالة تقليدية لوضع العرب الذين يلقون باللوم على الآخرين في ما يتعلق بمحنتهم، إضافة إلى اختلاق أعذار لتجنب معالجة المشكلات الأساسية والصعبة.

كما تقول الأسطورة، فقد أُعدت ورقة بيضاء (تقرير موجز) بشأن الشعب العربي وأراضيه التي تقع داخل نطاق الامبراطورية البريطانية. يُفترض أن التقرير أكد أن العرب يسيطرون على “أراض واسعة مملوءة… بالموارد”، وأنه إذا “قُدّر لهذه الأمة أن تتوحد في دولة واحدة، فحينها ستستحوذ على مصير العالم في قبضتها، وقد تعزل أوروبا عن بقية العالم”. كما أوصى التقرير أيضاً باتخاذ إجراءات تصحيحية لهذا المأزق: تتمثل هذه الإجراءات في تعزيز عملية الانقسام في المنطقة، وإقامة “كيانات سياسية مصطنعة تخضع لسلطة الدول الاستعمارية”، ومقاومة أشكال الوحدة، وإقامة “دولة عازلة … في فلسطين، يقطنها كيان قوي وأجنبي يكون معادياً لجيرانه ومؤيداً للدول الأوروبية ومصالحها”.

ومع ذلك، يعرف العلماء الآن، بفضل جهود وأعمال يوجين روجان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة أوكسفورد، أن تقرير كامبل بانرمان لم يُكتب أبداً على الأرجح. غير أن القادة العرب، الذين غالباً ما يبدو أنهم يعجزون عن تحليل الفرق بين الواقع والخيال، ظلوا يعيشون تحت وطأة هذه السردية لما يقرب من قرن. كما يبدو أنهم يعملون بجهد كبير أكثر من أي وقت مضى في تحقيق أجندة إدواردية مزيفة: فقد صار الشعب العربي منقسماً بشدة، والجامعة العربية عبارة عن قوقعة فارغة، وتشهد الدول العربية انهياراً أو تواجه بعضها بعضاً. ولا يزال كثيرون يلقون باللوم – ولو من دون وعي – على الاستعماري كامبل بانرمان والكثير من خلفائه، أمثال اللورد كرزون والمفوض السامي هنري مكماهون، بسبب دورهم في تقسيم العالم العربي وإضعافه تحت الحكم البريطاني.

يُمثل هذا بالطبع جزءاً من مشكلة أكبر. إذ يُظهر التدقيق السريع للواقع أن معظم الدول العربية لا تسعى إلى دعم أهداف واضحة بدقة، لكنها بدلاً من ذلك تسعى إلى مواصلة أي طريق فيه أقل قدر من المقاومة ليواجهها، بغض النظر عن السمعة أو الفعالية. إضافة إلى أن هناك غياباً تاماً لأي تطور على الصعيد الأمني. ومرة تلو الأخرى، فشلت الجهود المبذولة الرامية إلى دمج الكثير من الدول العربية تحت مظلة دفاعية موحدة، ما أوقع المنطقة تحت رحمة القوى الخارجية مثل إيران وتركيا. ويأتي بعد ذلك العجز المتواصل في القضاء على الفقر والتخلف الإنمائي والتطرف، وخلق نوع من النمو الاقتصادي المتنوع الذي قد يسمح للعالم العربي بالمنافسة في الأسواق العالمية بأكثر من مجرد الموارد الطبيعية والسياحة.

بدلاً من العيش على أطلال الماضي، يحتاج العرب إلى تقبل الحاضر. إِذْ عليهم تسوية الخلافات في ما بينهم حتى يتمكنوا من إقامة مجتمع متماسك قادر على العمل المشترك. كما عليهم أن يعملوا على تحسين  اقتصاداتهم وربطها وتنويعها. وبمجرد أن تُغرس الوحدة والمساءلة والرفاهية في البيئة العربية، عندها يمكن أن يبدأ العالم العربي الاتحاد بالشكل الصحيح لدرء المستعمرين الإقليميين الحقيقيين في الوقت الحاضر – إيران وتركيا.

لسنوات عدة، قِيل إن وجود إسرائيل يعمل على استمرار الضعف العربي وديمومته. فقد منحت تلك الدولة الحكومات العربية العذر المثالي لتجنب أشكال الإصلاح الضروري لتصبح دولاً معاصرة وقوية وموحدة، قادرة على طرد القوى الخارجية والمستبدين الذين يتبعون سياسات الإبادة الجماعية. ومع ذلك، تُظهِر أسطورة تقرير كامبل بانرمان أن المشكلة أقدم بكثير من إسرائيل: إِذْ اعتنق العرب بصورة أساسية توجهات الأسطورة الانهزامية الخارجية التآمرية، التي تجردهم من أي إرادة وتلقي باللائمة كلها على القوى الخارجية. وكانت النتيجة الإخفاق في بناء عالم مستدام خاص بهم.

ارتُكِبت جرائم شنيعة في سوريا، وإذا لم يستيقظ العالم العربي من كابوسه التاريخي الطويل ويستجمع إرادته لمقاضات مجرمي الحرب في المحاكم الإقليمية والدولية، فسيستمر العالم العربي في الغرق أعمق وأعمق إلى مستويات العجز والانقسام، التي قد يبتكرها أعداء مفترضون مثل كامبل بانرمان.

 

 

نواف عبيد

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

 



 

 

إقرأ أيضاً