fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

إسرائيل تهدم منزل مهاجم فلسطيني للمرة الثالثة : أحقاً هذا يردعهم؟

لا يزال الغاز المسيل للدموع يحرق العيون بعد أربع ساعات من إطلاقه أثناء قيام قوات من الجيش الاسرائيلي بتدمير منزل عائلة أبو حميد في مخيم الأمعري الصغير للاجئين، عند مدخل بلدة البيرة في الضفة الغربية. تتهم السلطات الإسرائيلية أحد أبناء العائلة، وهو إسلام أبو حميد، بقتل جندي إسرائيليٍ، يُدعَى رونين لوبارسكي، من طريق إلقائه لوحاً رخاميّاً عليه أثناء مداهمة الجيش المخيم في أيار/ مايو الماضي.

عند المدخل الشرقي للمخيم، تناثرت الحجارة على الطريق، شاهدةً على نشوب مواجهة ليلية مع الجيش، ولكنها كانت أقل حدة مما كان متوقعاً. على طول الطريق الرئيسي الضيق الذي يؤدي إلى أعلى التل، لم تكن هناك أي إشارة على حدوث اشتباكٍ أو غضبٍ أو هولٍ طارئ. عندما تسأل أحد المارة عن مكان المنزل، يرد قائلاً، كان المنزل المهدم يقع على قمة التل بجوار الطريق الرئيسي المؤدي إلى شارع القدس، وكأن الأمر طبيعيٌّ وعاديّ، كما لو كان قد سُئل عن مكان متجر محلي يبيع إطارات الصور. يقع الشارع تحت سلطة بلديّة البيرة، واستخدمته القوة العسكرية للانتشار في المنطقة.

لم يُصدر أي إخطار رسمي قبل هدم المنزل، بيد أن بعض أعضاء اللجان الشعبية المناهضة للاستيطان كان في الطبقة العلوية للمنزل في محاولة منهم لتأخير عملية الهدم، من طريق المواجهة بأجسامهم.

من جانبه، كان باسم التميمي من قرية النبي صالح الفلسطينية واثقاً بأن الجيش الإسرائيلي لن ينتهك حرمة يوم السبت، لذا لم ينضم إلى زملائه في مخيم الأمعري؛ ولكن الناشطَين من اللجان الشعبية الفلسطينية عبد الله أبو رحمة من قرية بلعين ومنذر عميرة من مخيم عايدة للاجئين، أصابا في تقديرهما أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو سيسعى إلى الوفاء بوعده والإسراع في عملية هدم المنازل وسينفذها خلال 48 ساعة.

وقد أيدت بالفعل القاضيتان بالمحكمة العليا يائيل ويلنر ودافني باراك-إيريز أمرَ القائد العسكري بتدمير منزل أبو حميد بأكمله. أما القاضي الثالث بالمحكمة جورج القرّا، فقد أيد تدمير طبقتين فقط من المنزل – وهما الطبقة الأولى حيث كانت أمّ أبو حميد، لطيفة، تعيش مع ابنها إسلام وابن آخر محتجز حالياً في الاعتقال الإداري الإسرائيلي، والطبقى الرابعة التي كانت لا تزال قيد الإنشاء، وكان من المفترض أن تصبح مسكناً لإسلام. وعاش شقيقٌ آخر من أشقاء إسلام، وهو يقضي الآن عقوبة بالسجن مدى الحياة، في الطبقة الثاني من المنزل. أما الطبقة الثالثة فتستأجرها عائلة أخرى.

رأى القاضي القرا أنه يكون معقولاً وكافياً من الناحية الطبيعية ومن وجهة نظر العملية النسبية ترك الطبقتين الثانية والثالثة قائمتين، لكن زميلتَيه حكمتا بأن هدف أمر الهدم هو الردع. وبناءً عليه، فقد أيّدَتَا أيضاً أمرَ المصادَرة، الذي من شأنه أن يمنع أي إعادة بناء للمنزل، على رغم وجود المنزل في المنطقة (أ)، وهي الجزء من الضفة الغربية الخاضع للسلطة الفلسطينية ويُسمَح لها بممارسة الوظائف المدنية والشرطيّة هناك.

كما هو واضح في المعلومات المُقدّمة إلى المحكمة، لم يُجدِ الردعُ نفعاً مع عائلة أبو حميد في الماضي. يقضي أربعة من أبناء العائلة عقوبات بالسجن مدى الحياة بسبب عمليات قتل ينظرون إليها على أنها جزء من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. دمّر الجيش الإسرائيلي منزلهم لأول مرة عام 1990. وبعدما أُعيد بناؤه عام 1996 واتُّهِم آخرون من أبناء العائلة بجرائم أخرى، قام الجيش الإسرائيلي بهدمه من جديد عام 2003.

بعد عملية الهدم الثالثة يوم السبت، جلس الكثير من أفراد عائلة أبو حميد -مع أفراد آخرين جاؤوا لتقديم الدعم- في خيمة كبيرة على الرصيف على الجانب الآخر من الشارع المقابل لموقع المنزل. كانت والدة أبو حميد البالغة من العمر 72 سنة، وهي الأم لطيفة، ذهبت لتستريحَ في منزل أشقّائها، لكن عدداً من وسائل الإعلام نقلت عنها قولَها إنه على رغم كَون هذه هي المرة الثالثة التي يَهدم فيها الإسرائيليون منزلها، فإنهم مخطئون إذا اعتقدوا أن الهدم سيُخيفها أو يخيف عائلتها.

استخدمت قوة كبيرة لإبعاد أبو رحمة وأعضاء اللجان الشعبية الآخرين الذين حاولوا البقاء في المنزل. قال المعلم السابق، الذي حاول على مدى العقد الماضي إحياء المعارضة الشعبية غير المسلّحة للاحتلال “لقد تعرضت للضرب سابقاً من قِبَل الجنود، لكنّ هذه المرة كانت أكثر إيلاماً من المعتاد”.

قام الجنود بحشد أعضاء اللجنة الشعبية وجيران عائلة أبو حميد في ملعب مدرسة قريبة وتركوهم في البرد لساعات؛ وأخذوا النساء إلى مبنى تابع للخدمة الطبية الطارئة في الهلال الأحمر.

وقالت شقيقتان تعيشان في منزل بالقرب من منزل أبو حميد إنهما اعتقدَتا أن المتفجرات التي استخدمت في هدم هذا المنزل ستدمر جزءاً من منزلهما أيضاً. وأضافَتا أن الجنود الملثمين اقتحموا منزلهما عند الواحدة صباحاً تقريباً، إذ حطموا الباب وفتشوا في خزائنهما وكسروا بعض الأشياء. قالت إحدى الفتاتين: “أنت تعرف كيف يتصرفون”.

وقالتا إن الجنود قادوهما بعد ذلك إلى فناء المدرسة. وعندما عادتا، دهشتا بفرح لرؤية جميع جدران منزلهما لا تزال قائمة، على رغم وجود بعض الأضرار: فقد انفجرت نافذة بسبب قوة الانفجار، وانكسر خزان الماء على السطح وكان الماء يتسرب منه إلى الممر، وكُسِر زجاج النوافذ وكَسا الغبارُ الأثاثَ وبياضاتِ الأسرّة. “لكن أهم شيء هو عدم حدوث ضرر لأي من الكتب”، كما قالت إحدى الفتاتين، التي كانت تدرس لامتحانات الثانوية العامة.

وقالت والدتها بفخر: “لقد تحدثت بالإنكليزية إلى الجنود الذين اقتحموا منزلنا وهدّأتْهم”.

وأشارت وسائل إعلام فلسطينية في وقت سابق إلى حدوث اشتباكات بين الجنود وفلسطينيين مسلحين إبان عمليات الجيش، لكن التقارير لم تكن صحيحة.

وتساءل أبو رحمة، أحد أعضاء اللجان الشعبية “ما فائدة إطلاق النار؟” وأكمل قائلاً “ربما يحصل أحدهم من خلاله على لحظة رضا وارتياح، لكنه سيقدم للجيش ذريعة لتدمير المخيم بأكمله”.

في محاولة لتجنب هدم منزل آخر

سرعان ما انتقل أبو رحمة -الذي قد يواجه حكماً بالسجن لمدة أربعة أشهر إذا رُفض الاستئناف الذي يقدمه يوم الثلاثاء بسبب ركوبه دراجة في قريته أثناء إعلانها منطقةً عسكريّةً مُغلَقة- إلى مهمته التالية – بتنظيم أشخاص للتجمع داخل منزل عائلة البرغوثي في ​​قرية كوبر بالضفة الغربية. يزعم البعض أن هذا المنزل مُعرّض للهدم، بناءً على تصريحات نتانياهو.

في ظهيرة يوم الأربعاء، اتصل سكان قرية سردا في الضفة الغربية بالقرب من رام الله بعمر البرغوثي، ليقولوا إنهم رأوا أشخاصاً يطلقون النار من سيارة أجرة على سيارة ابنه صالح أثناء رجوعه إلى منزله من عمله في رام الله. أُفرِج عن عمر البرغوثي، البالغ من العمر 67 سنة، في صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل عام 1985، ولكنه قضى لاحقاً نحو 11 عاماً في الاعتقال الإداري من دون محاكمة.

قالت أمه سهير وعيناها حمراوان يوم الجمعة إن الناس قد “رأوا أن صالح أُخرِج من سيارة الأجرة وهو على قيد الحياة”. وقِيلَ إنّ الأشخاص الذين كانوا يتنكرون في زي بائعي خضار قد وضعوه في سيارتهم واختفوا معه.

انتشر نبأ الحادث وبدأ الجيران والأقارب يتجمعون في منزل العائلة في كوبر. وفي وقت لاحق، أخطر الجيش العائلة بأنه يَشتبه في قيام صالح بتنفيذ عملية إطلاق النار بالقرب من عوفرا يوم الأحد من الأسبوع الماضي. وقالوا إنه قُتل أثناء محاولته الفرار. وأصيب 7 إسرائيليين في هذا الهجوم المسلح، من بينهم امرأة كانت حاملاً. وقد وُلِد طفلها الخديج/ المبتسر في وقت لاحق، لكنه توفي في المستشفى.

وفي نحو الساعة 8:30 مساءً، اقتحم الجيش منزلَ البرغوثي، وفصل الرجال عن النساء واحتجز الجميع في غرف منفصلة لساعات. كان بالإمكان سماع انفجارات القنابل الصوتية في جميع أنحاء القرية الكبيرة. وبعد منتصف الليل، اعتقل الجنود عمر البرغوثي وابنه الأكبر. وأبلَغ محامٍ -زار الأب وابنه- الأمَّ أنهما  نقلا إلى مركز احتجاز المسكوبية في القدس للاستجواب.

تحسباً لهدم منزلهم في كوبر، قامت عائلة البرغوثي بتفريغه من معظم محتوياته، بما في ذلك هياكل الأبواب والمصابيح الكهربائية. بقي بعض الأثاث في غرفة المعيشة، بما في ذلك المقاعد التي جلست عليها عشرات النساء المكلومات يوم الجمعة.

قالت إحدى النساء المسنّات: “ارزقنا الصبر لتحمّل الألم يا الله”. وأضافت: “بيدك الثأر يا الله، وليس بيدنا”. فيما أبدت امرأة أصغر سنّاً رأيها قائلة إن الحياة على الأرض ما هي إلا مرحلة اختبار، ما يعني أن ما يهم هو حياة صالح صلاح في الحياة الأبدية. وقالت نساء أخريات إن الله يريده ويفضله وقد اصطفاه من بين الجميع. إلا أنّ بكاءَهن ودموعهن تثبت أنّ الفراق صعب، حتى مع إيمانك بإرادة الله.

وفي إشارة إلى الإسرائيليين، قالت سهير البرغوثي: “أنتم إرهابيّون. هذا ما قلته للنقيب دياب الذي جاء مع الجنود”. يعمل النقيب دياب ضابطاً في جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”. لقد اختبرت سهير البرغوثي هذا النوع من المحادثات مع ضباط “الشاباك” الذين اقتحموا منزلها مرات عدّة لاعتقال زوجها أو تهديدها في الماضي.

قبل ما يقرب من عام ونصف العام، بعد زيارة أخرى من هذا النوع، قال عمر البرغوثي لصحيفة “هآرتس” الإسرائيليّة: “لقد أخبرت الضابط أنني أمتلك الحق في كرهك وكره الاحتلال، وكذلك أملك الحق في أن أستمر في القول إنني أكره الاحتلال”.

 

عميرة هاس

هذا الموضوع مترجَم عن Haaretz.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً