إسراء غريب التي قتلها رجال العشيرة ونساؤها

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
الصورة الأخيرة التي نشرتها اسراء قبل موتها ويظهر فيها تعرضها للضرب المبرح

ضربات متلاحقة عنيفة وصراخ من أعماق ظهرها المكسور ومن جسدها النحيل الذي تلقى اللكمات حتى النفس الأخير. ممر المستشفى بدا عنبر موتٍ أخرس، ويد ملتقط صوت الضرب عبر الهاتف توحي بأنه عاجز سوى عن التسجيل من بعد. عبارات “حسبي الله ” التي رافقت شريط صوتها المعذب لا تنم فقط عن العجز، بل هي عبارات من سلّم بأن ما يجري أمر ليس بالإمكان مقاومته. 

تلك كانت اللحظات الأخيرة من عملية “الإعدام الجماعي” للفلسطينية إسراء غريب، كما وثقها الفيديو المسرّب من المستشفى حيث كانت ترقد. 

نعم، لم تكن أقل من عملية إعدام جماعية، وزعمُ أن موتها غير ذلك هو هروبٌ من مسؤوليات كل من شارك في مأساة هذه الشابة.

أنا إسراء

تكاد حياة اسراء وموتها أن يكونا من الحكايات الأكثر توثيقاً عبر منابر العصر، أعني السوشيال ميديا. هي شابة لم تتجاوز الـ21 من عمرها، من سكان مدينة بيت ساحور في محافظة بيت لحم في الضفة الغربية، وقد امتهنت حرفة التجميل لتصبح make up artist. 

ذاع صيتها في محيطها بفضل استخدامها لصفحاتها على السوشيال ميديا اذ كانت تنشر الكثير من الصور مظهرة فيها براعتها وشغفها بهذه المهنة. معظم صورها تؤشر إلى أننا حيال شابة حيوية تحب عملها وحياتها الاجتماعية والعائلية.

خبر موتها في 22 آب/اغسطس لم يكن من دون مقدمات موثقة، وأعني بموثقة إقدام صديقات إسراء على تسريب تسجيلات صوتية كانت شاركتها معهم، وفيها حكايتها. فهي نقلت لصديقاتها تفاصيل خروجها مع شاب تقدم لخطبتها وكيف تحولت هذه الحادثة لمادة تلوكها ألسن العائلة خصوصا بنات العم اللواتي، تسرب لهن تسجيلات صوتية في محادثات مع اسراء عكست خلافات سابقة بين الأعمام وجرى استغلال تلك الخلافات للتصويب على إسراء وعلى نمط حياتها.

بدت إسراء التي تعيش في مجتمع تقليدي محافظ عشائري الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة فجرى تحميلها “عاراً” لا معنى ولا أساس له.

بعد الحملة عليها من بنات عمها، ثارت ثائرة الإخوة والأقارب وتم ضرب اسراء بعنف حتى كسر عمودها الفقري، فنقلت إلى المستشفى. من هناك حاولت الفتاة ان تتماسك وأن تعتبر العنف الذي تعرضت له شأن عابر سيطوى سريعاً، فنشرت صورة لها بكدماتها لتقول إنها بخير وبأنها ستتجاوز ما حصل دون أن توضح. 

لكن أملها في ذلك لم يتحقق، وجرى إعلان موتها بعد ذلك وتم تسريب فيديو قصير، يبدو أن موظفين في المستشفى حيث كانت قد سربوه، لصوت إسراء تستغيث. هناك من أقدم على ضربها حتى الموت وهي على فراش العلاج في المستشفى ولم يهب لنجدتها لا طاقم طبي ولا أمن مستشفى ولا أي أحد وكأنها قتلت في جزيرة معزولة وليس في مستشفى عام ووسط شهود لم ينبس منهم أحد بكلمة. 

قتلتها خرجوا بسلام من المستشفى ولم يتم توقيف أحد حتى بعد مرور أيام على موتها، وعلى رغم زعم النائب العام أن تحقيقاً فتح في الحادثة لم تسجل إجراءات فعلية.

ألا يستحق موت فتاة بهذه البشاعة توقيف متهمين على ذمة التحقيق؟؟ 

ألا ينبغي استدعاء موظفي المستشفى؟ أهل الفتاة؟ أصدقاؤها؟؟ 

ومن هذا الذي أغلق حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وشرع بابتزار صديقاتها اللواتي سرّبن ما حصل مع اسراء ويهددهن بنشر صور لهن كما أوردت صفحة على فيسبوك

تلك وقائع يضاعف من مأساويتها تبرير أفراد من العائلة بأن إسراء كانت تعاني “مساً من الجن” وأن شيخاً قد حاول إخراج السحر منها بحسب شهادة ما يسمى بطب “شرعي” تم تداولها، وفي ردود بعض أفراد العائلة لم يتورع صهر اسراء عن التهديد بـ”قضاء عشائري” إن لم يتوقف متداولو القضية عن اتهام العائلة!!.

المرأة والعشيرة والقانون

أعادتني قضية إسراء سنوات طويلة الى الوراء وتحديداً عام 2000 حين التقيت في سياق عملي على فيلم عن جرائم قتل النساء او ما يسمى “جرائم العار” في الأردن بسرحان. وسرحان شاب سجن 6 أشهر بعد قتله شقيقته القاصر التي تعرضت للاغتصاب من قريب للعائلة. هرب المغتصب وقررت العائلة أن حل المشكلة هو بقتل الفتاة وطبعاً استفاد سرحان من “العذر المحل” الذي يتفهم قتل النساء بذريعة “سورة الغضب” حيال “الشرف”، وهذه نقيصة قانونية لم تتخلص منها معظم الدول العربية بما فيها طبعا القوانين في الأراضي الفلسطينية حيث عاشت وماتت اسراء.

 

بدت إسراء التي تعيش في مجتمع تقليدي محافظ عشائري الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة فجرى تحميلها “عاراً” لا معنى ولا أساس له.

 

في لقائه معي قال لي سرحان أنه ارتكب جريمته بسبب ضغط محيطه العائلي والعشائري. وهنا لا قيمة لحقيقة أن الفتاة شقيقته كانت ضحية اغتصاب، فقد قرر سرحان وذكور العائلة بأن جسد الفتاة المنتهك عنوة ليس ملكها ولا ضرورة لحمايتها ومعالجتها بل وجب الخلاص منها لأنها “عار”. شرح لي سرحان كيف خطط لجريمته مع أفراد من العائلة وبقرار جماعي، وكيف أن قتل شقيقته أعاد له مكانته في العشيرة التي كانت تنظر اليه بانتقاص لأن اخته اغتصبت فلم يكن هناك وسيلة ليرضي المجتمع وليستعيد مكانته بين الذكور سوى قتل الفتاة، “المجتمع عنا غير الموت ما بيسكته” قال لي. 

وهذا القرار الجماعي ليس حالة خاصة، فمعظم الباحثين في جرائم قتل النساء في مجتمعاتنا التقليدية خصوصا العشائرية يتحدثون ويوثقون هذا البعد، أي التخطيط الجماعي للجريمة الى حد توفير السلاح لها أحياناً والتواطؤ مع القانون ومع السلطة. فالقانون لا يتسامح مع الجريمة التي ترتكب بالتخطيط لكن المرتكبين وبتغطية من محامين أحياناً، يقولون إنهم قتلو الفتاة فجأة بدافع من الغضب. هذا تماماً ما حصل مع سرحان ويحصل مع كثيرين غيره…

من قتل اسراء

تنتمي جريمة قتل اسراء الى هذا النوع من الجرائم، أعني فكرة القتل الجماعي التي يتبنى منطقها أفراد العائلة رجالاً ونساء. 

في تسجيلاتها التي تدافع عن نفسها فيها ضد ما قالته بنات عمها، تعاتب اسراء قريباتها بأنهن حملن عليها ووصفنها بـ”المشلفة” وهو تعبير محلي يستخدم ضد الفتيات والنساء القويات. لم تكن اسراء وهي فتاة محجبة سوى شابة حاولت من خلال امتهان التجميل والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ان تخلق فقاعة اجتماعية تتيح لها أن تعيش كما تشتهي أن تكون. لم يكن ما فعلته سوى حياة عادية استخدمه أقرباؤها ضدها. 

لقد دفعت اسراء حياتها ثمناً لمكتسبات الذكر في منطقتنا، فهي تلقت الاتهامات والضرب والقتل والتشهير ويبدو أنها أيضاً ستحرم من العدالة في ظل ما يتردد من ضغوط عشائرية ضد المستشفى الذي قتلت فيه وفي ظل عجز السلطة الفلسطينية عن توقيف شخص واحد بعد أيام من قتلها.. 

اسراء بطلة وضحية قصة واحدة ونحن نرى من حولنا كثافة قصص الضحايا من مثيلاتها.لدينا قصص اعتداء كثيرة لم تكن قصة إسراء أولها وما هذا التفاعل الكبير مع مأساتها سوى مؤشر على كم لامست هذه الحكاية وتراً عميقاً في قلب مجتمعاتنا العربية. 

لدينا ضحايا، يجب علينا أن نحميهنّ. ولدينا ثقافة مجتمعية وقانونية تحمي المعتدين. نعم، هناك تواطؤ ما بين ثقافة عشائرية ذكورية وما بين قيم دينية ترسخت حول موقع المرأة والفتاة بصفتها “عورة” و”فتنة”…

ألا تقول الأحاديث النبوية أن أكثر أهل النار هم من النساء!

حين يكرس الدين موقفاً ناقصاً للمرأة وتكرس العشيرة دور الرجال بصفتهم يملكون زمام حياة واجساد نساء العائلة وحين يقف القانون وخلفه السلطة عاجزين بل متواطئين ستسقط ضحية مثل اسراء. 

كثيرات قتلن ظلماً قبلها. ألم يحن الأوان لننتفض حتى لا تواصل المأساة اجترار نفسها؟

“إلا ابنتي”: نواف الموسوي يواجه قوانين الأحوال الشخصية بـ”السلاح”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام جبيلي – إعلامية لبنانية
أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ”هيلا هو” أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.
– ana ladmin
درج
لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا “عهدك جوّع الكل”.
ترجمة – New Yorker
بالطبع لديك فرصة لأن تصبح أكثر سعادة في الثمانين عما كنت عليه في العشرين أو الأربعين، لكنك سوف تشعر أنك أسوأ حالاً!
عبدالله المحمد – صحافي سوري
يرصد هذا التحقيق خلال ستة أشهر، استئصال رحم فتيات سوريات مصابات بإعاقات عقلية، إمّا خوفاً من تعرّضهنَّ للاغتصاب ومن ثم الحمل، أو للهروب من مصاعب الدورة الشهرية وآلامها، والتي لا تستطيع المصابة التعامل معها.
“درج”
من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.