إسراء جعابيص… ظلم النساء “وفق الأصول”

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أبريل 7, 2019
نشر زوج إسراء جعابيص من مدينة القدس، وهي أسيرة في السجون الإسرائيلية تبليغاً بأنه يرغب بالزواج من إحدى الفتيات المسلمات. نموذج إسراء انفجر في وجه جميع الفلسطينيين، بعدما كانت هذه المعاناة في عداد القضايا المسكوت عنها.
اسراء في احدى جلسات محاكمتها

نشر زوج إسراء جعابيص من مدينة القدس، وهي أسيرة في السجون الإسرائيلية (متهمة بعملية دهس جنود إسرائيليين، وأصيبت بحروق في أنحاء مختلفة من جسمها وبترت أصابعها)، في الصحف الفلسطينية تبليغاً صادراً عن محكمة صلح أريحا الشرعية، بأنه يرغب بالزواج من إحدى الفتيات المسلمات، متوجهاً إلى زوجته بالقول: “وعليه صار تبليغك ذلك بحسب الأصول”.

في الواقع، يعد هذا النشر مخالفاً للأصول، إذ إن مكان إسراء معلوم، وهو السجن، وبإمكان أي محام من المشتغلين في قضايا الأسرى أن يبلغها بهذا القرار مباشرة.

قضية إسراء جعابيص أثارت جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، وساد رأي خطير وهو أنه كان بإمكانه ألا يبلغها، وألا يتكبّد حتى عناء نشر البلاغ في الصحف. هكذا ذهب النقاش إلى مكان آخر واستقرّ هناك، فيما غاب عن النقاش حق المرأة ورأيها وموقفها من مجمل القضايا التي تخصها.

وفق “مركز أسرى فلسطين للدراسات”، هناك ما يزيد عن 615 حالة اعتقال بحق النساء والفتيات الفلسطينيات منذ انتفاضة القدس عام 2015 حتى الآن، فهل هؤلاء معرضات مثلاً لمواجهة مصير إسراء وتحمّل رغبة أزواجهنّ، إذا كنّ متزوجات، في الزواج بأخريات؟

هذا مع العلم أن عدد المعتقلين الرجال يفوق المعتقلات بكثير، ويتخطى الـ6500 أسير، فماذا لو قررت زوجات هؤلاء مثلاً البحث عن علاقة زواج جديدة وإنهاء نفق الانتظار الأليم؟

نموذج إسراء الحي والمستمر منذ سنوات الاحتلال الإسرائيلي الطويلة، انفجر في وجه جميع الفلسطينيين، بعدما كانت هذه المعاناة في عداد القضايا المسكوت عنها. فوفق الثقافة السائدة، المرأة الفلسطينية، مصيرها أن تتحمل وقدرها أن تصبر على زوجها، حتى في حال اعتقاله وبقائه فترات طويلة في السجن، فهي تنتظره بغض النظر عن رغبتها في الانفصال وحقها في الحرية.

فهي لا تجرؤ على التفكير أو الحديث في هذه القضية أو طلب الانفصال حتى لو بعد 20 عاماً. والمصيبة أن الكثير من الأزواج العائدين من الاعتقال، أول ما يفكرون به، هو الزواج من أخرى، لتسقط تضحيات الزوجة المسكينة في لحظة واحدة، وكأنها بلا قيمة.

 

بين أزواج يتزوجون بعد وفاة زوجاتهم أو اعتقالهن أو إصابتهنّ بجروح أو أمراض، يبدو السؤال مشروعاً، ماذا لو قلبت المعادلة وأبلغت النساء أزواجهن المعتقلين والجرحى والمصابين بإعاقات، برغبتهن بالزواج، “وفق الأصول” كما فعل زوج إسراء “الأصيل”؟

 

ليست القضية متوقفة عند الأسرى والأسيرات، إذ ذكرتني إحدى الصديقات بقصة رجل قضت زوجته في إحدى الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014. بعد أقل من شهرين على مقتلها كان قد تزوج بأخرى. هناك امرأة من رفح بترت ساقاها، جراء قصف الطيران الحربي الإسرائيلي منزلها في هجوم 2014، وبعد أشهر طلقها زوجها وتزوج أخرى، مع أن إحدى ساقيه بترت أيضاً في القصف!

يهرب الفلسطينيون من طرح الأسئلة الكبيرة ونقاشها، ويخافون من الحديث عنها علناً أو نزع المشروعية عما يعتبرونه “مقدسات”، لكن هذه الأخيرة تفاقم في الواقع معاناة النساء وتنتقص من قيمتهن في المجتمع والعائلة والوطن، تماماً كما يحصل في قضايا أخرى، كقضايا “الشرف” والميراث وحضانة الأطفال.

بين أزواج يتزوجون بعد وفاة زوجاتهم أو اعتقالهن أو إصابتهنّ بجروح أو أمراض، يبدو السؤال مشروعاً، ماذا لو قلبت المعادلة وأبلغت النساء أزواجهن المعتقلين والجرحى والمصابين بإعاقات، برغبتهن بالزواج، “وفق الأصول” كما فعل زوج إسراء “الأصيل”؟ ألا يبدو ذلك منطقياً، وسط ما تعانيه أرامل أو زوجات المعتقلين الفلسطينيين، وحياة البؤس والشقاء التي تفرض عليهن، وتربية أطفالهن، إضافةً إلى الضغط النفسي والعصبي الممارس عليهن من العائلة والمجتمع؟ لماذا يبدو غريباً ونافراً أن تفكّر هذه المرأة بوجهة أخرى للحياة تماماً كما يفعل جزء كبير من الرجال؟

إلى التمييز الاجتماعي، يمكن القول إن المرأة الفلسطينية، هي أبرز ضحايا الاحتلال، فإذا لم تسقط قتيلة أو جريحة، فلا بدّ أن تكون أم “شهيد” أو زوجة جريح أو أخت أسير، أو تواجه وأفراد عائلتها التشرد أو التهجير القسري، بسبب تدمير منزلهم أو منطقتهم.

المرأة الفلسطينية تعاني معاناة استثنائية، فهي التي تخسر عندما يقتل زوجها فيقع على كاهلها عبء رعاية الأسرة بالكامل، وتوفير مصدر دخل لها، في ظل مجتمع تتفشى فيه ظواهر البطالة والفقر، وهي التي يُقتل أطفالها أمام ناظريها، من دون أن تتمكن من توفير حد أدنى من الحماية لهم، وتفقد مسكنها وتفقد معه السكينة، والخصوصية وتبدأ رحلة جديدة من الألم والمعاناة.

إنه وجع مستمر، فهي تناضل من أجل المساواة وعدم التمييز والحماية، ونضالها مكرس لتحقيق ذاتها والدفاع عن هويتها وحقوقها، وتشارك في النضال من أجل الحرية ومقاومة الاحتلال وترسيخ مبادئ الديموقراطية والعدالة والمساواة وسيادة القانون وحقوق الإنسان، وهي تدافع عن حقوقها في ظل ضعف نظام العدالة والمساواة، ونبذ ما تتعرض له من تمييز وعنف وجهل وفقر وبطالة. والأخطر هو تلك الثقافة السائدة، التي تعظم من شأن الرجل على حساب المرأة، تماماً كقصة إسراء المسكينة.

سجناء أمنيون فلسطينيون يتحدثون من داخل زنازينهم الاسرائيلية

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
بعد المسيرات النسويّة غير المسبوقة التي شهدها العراق، تحدّث “درج” مع إحدى أبرز المناضلات الحقوقيّات العراقيّات للوقوف عند رأيها بالمشهد النسوي المستجد وتطلّعاتها للجيل العراقي الجديد، أو “جيل الحريّة”… فماذا قالت عن المسيرات النسويّة؟
مايا العمّار- صحافية لبنانية
انتزعت العراقيات الساحات، تماماً كما فعلن منذ اليوم الأول للثورة. لم تردعهن دعوات الفصل بين النساء والرجال في التظاهرات التي جاءت على لسان بعض الشخصيّات الدينيّة، فملأن الشوارع وهتفن بأعلى الصوت: “إنتِ الثورة وهم العورة!”
إيمان عادل- صحافية مصرية
كانت الهواجس راكدة في داخلي لكن حادثة فتاة المنصورة قضت على محاولاتي للإنكار. أتابع الفيديوات وأنا أقبض على يدي بقوة، فكل واحد من هؤلاء له عندي صفعة قوية رداً على ما فعلوه مع فتاة المنصورة وما فُعل بي وبلارا لوغان وفتاة التحرير وفتاة العتبة والفتيات الأخريات المجهولات.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
التناقض الذي تظهره قطر بين القوانين والممارسات، يؤكد وجود صراع قطري داخلي، بين اعتبار قطر دولة عربية منفتحة على العالم، وتنافس على أضخم الأحداث العالمية، ككأس العالم مثلاً، وبين كونها دولة عربية محافظة تخضع لقيود دينية واجتماعية.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
المفارقة أن تونس هي دولة يحتذى بها من حيث الحقوق المدنية وحقوق المرأة، وانتقاد حمل صديقات لينا بن مهني لنعشها، ما هو إلا تأكيد على تجزيء حقوق النساء ومحارجتهن على وجودهن في أكثر الأماكن بداهة، الجنازة مثلاً.
سمر فيصل – صحافية سعودية
أصدرت محكمة الاستئناف في دبي حكماً نهائياً بحبس المتهمة مريم حسين بتهمة “هتك العرض بالرضا”، لمدة شهر ومن ثم إبعادها من دولة الإمارات، إثر رقصها في حفل ليلة رأس السنة 2018 في دبي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني