fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

إدلب:الكعكة التي تتقاسمها الولايات المتّحدة وروسيا وتركيا 

 فيما تتنازَع القوى الأجنبيّة على مستقبل سوريا، خلَّف العنف مئات القتلى وآلاف المشرَّدين. وفق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، قُتِل على الأقلّ 450 مدنيّاً منذ نيسان/ أبريل الماضي، وشُرِّد أكثر من 450 ألفاً من بيوتهم أو فرّوا الى تركيا. لا تشمل هذه الأرقام 75 شخصاً لقوا مصرعهم أخيراً أو أولئك الذين قُتِلوا أثناء كتابة هذا المقال.

 يأتي هذا لأنّ إطلاق النار لم يتوقّف، على رغم توقيع اتفاقيّة أخرى لوقف إطلاق النار في العاصمة الكازاخستانيّة نور سلطان (أو أستانا كما كانت تُعرَف سابقاً). وواصلت قوّات النظام قصفَ مواقع في مدينة إدلب، التي تجمّع فيها أكثر من 50 ألفاً من أعضاء الميليشيات المسلّحة في أعقاب اتّفاقيات سابقة لوقف إطلاق النار، ومواقع في محافظة إدلب التي يعيش فيها أكثر من 3 ملايين إنسان. تُمثل محافظة إدلب وضواحيها الواسعة الهدف الذي يمنع الرئيس السوريّ بشّار الأسد من إعادة السيطرة الكاملة على بلاده.

ولا تزال جيوب المقاومة نشطة في كثيرٍ من محافظات البلاد، ولم يُوقِف تنظيم “الدولة الإسلاميّة” هجماته تماماً.

 خلَقَ إعلانُ انتهاء الحرب ضدّ “داعش” واجتثاث التنظيم من جذوره، شعوراً مضلّلاً بأنّ التنظيم قُضِيَ عليه وأنّ نشطاءَه ومقاتليه اختفوا من سوريا. بالتأكيد تفكّكت سيطرته على الأراضي، ولكنّ مقاتليه -الأجانب والسوريّين- ما زالوا ناشطين ويعملون في محافظات كثيرة. يمثّل التنظيم الآن قنبلة ديبلوماسيّة موقوتة، تعمل على توتر العلاقات بين الدول الأوروبيّة والولايات المتّحدة. فقد هدّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بأنّه إذا لم توافق الدول الأوروبيّة على أخذ نشطاء “داعش” المعتقلين في معسكراتٍ داخل سوريا، ومنهم 800 في أيدي القوّات الكرديّة، فإنّه سيُطلِق سراح هؤلاء لينتقلوا إلى أوروبا. فهل سيُقدم ترامب بالفعل على تنفيذ هذا التهديد؟

تمثّل إدلب أيضاً نقطة حسّاسة بين أنقرة وواشنطن، وبين سوريا وروسيا. فقد قالت تركيا إنّ “صبرها على الولايات المتّحدة بدأ ينفد”، وهي الكلمات ذاتها التي استخدمتها سوريا لتبيّن نفاد صبرها على تصرّفات تركيا، التي وُصِفَت بأنّها قوّة احتلال. منذ نحو عام، وقّعت تركيا وروسيا اتّفاقيّة بموجبها تضمن تركيا أنّ تسلّم الميليشيات في إدلب أسلحتها الثقيلة، في مقابل ألّا تحتلّ القوّات السوريّة المدينة. حتى اللحظة لم تف تركيا بالتزاماتها، على رغم الضغوط الروسيّة الكبيرة. في الواقع، تهدّد تركيا بشنّ حملة واسعة للسيطرة على الأراضي السوريّة الواقعة بين شرق البلاد ونهر الفرات، من أجل “تطهيرها” من الميليشيات الكرديّة، التي تعتبرها تركيا خطراً وتهديداً لأمنها القوميّ.

هذا بالضبط ما تخشاه الولايات المتّحدة، التي تعُدّ نفسها حامية الحلفاء الأكراد الذين حاربوا إلى جانبها ضدّ “داعش”. لم تحمل المحادثاتُ الساخنة التي أجرتها مع القيادة التركيّة على مدى الأيّام القليلة الماضية بقيادة جيمس جيفري -المبعوث الأميركيّ الخاص إلى سوريا- أيَّ اتفاقيّات حقيقيّة. إذ تُطالِب تركيا بإنشاء منطقة آمنة بطول 35 إلى 40 كيلومتراً وعرض نحو 20 كيلومتراً، تكون تركيا وحدها المسؤولة عنها. إلّا أنّ الولايات المتّحدة وافقت على منطقة أصغر بكثير، تكون بطول 14 كيلومتراً وعرض 5 أمتار، وتكون المسؤوليّة عنها مشتركة بين الولايات المتّحدة وتركيا.

وضعت هذه الثغرات الولايات المتحدة بين شِقَّيَ الرحى، إضافة إلى شراء تركيا منظومة صواريخ إس-400 الروسية. لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك تساؤل يطلّ برأسه من بعيد ويطرق باب المناقشة، وهو: هل ستجبر الولايات المتحدة تركيا على التخلي عن تطلعاتها الإقليمية في سوريا، أمْ أنها ستتراجع وتكتفي بعقد اتفاقات مرنة تسمح لها بإخراج قواتها من سوريا، كما قرر ترامب نهايةَ العام الماضي؟

 تنتظر روسيا أيضاً بفارغ الصبر انتهاءَ مباراة المصارعة هذه بين تركيا والولايات المتحدة، في إطار سعيها إلى إنهاء قضية إدلب بسرعة لكي تمضي قُدُماً نحو حلٍّ ديبلوماسي تنتهي بموجبه الحرب.

تبدو روسيا في هذا الوضع كالمستجير من الرمضاء بالنار. فإذا ما قرَّرت تركيا اجتياح سوريا، سيكون لِزاماً على روسيا أن تقف إلى جانب سوريا وأن تطالب تركيا بالانسحاب من المناطق التي ستحتلها، ليس لأن روسيا ملزمة الدفاع عن الأكراد، بل لمساعدة الأسد في التخلص من القوات الأجنبية (باستثناء القوات الروسية، بطبيعة الحال). قد يخدم هذا المطلب أيضاً مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تسعيان إلى طرد إيران من الأراضي السورية. بيد أن هذا التحرك سيَقتضي رسميّاً موافقة الأسد، الذي “دعا” الإيرانيين إلى بلاده في المقام الأول.

 بيد أن دعم روسيا لطلب الأسد بإزالة قواتها، الآن أكثر من أي وقت، بعدما تجاوزت تركيا الحدَّ وواجهت الولايات المتحدة واشترت منظومة صواريخ إس-400، يُمكن اعتباره خطوة مُزعزِعة للثقة، توضح لتركيا الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبته عندما آثَرَت الاتفاقَ مع روسيا على التزام المطالب الأميركية.

 قد تعتقد تركيا بدورها أنها في منأى عن الضغوط الروسية، نظراً لأنها قادرة على الشروع في عملية للسيطرة على المنطقة الكردية بالكامل في سوريا، ولكنها لا تضمن أن تسمح روسيا لها بالسيطرة على أجزاء من سوريا لفترة طويلة، لا سيما في ظل رغبة موسكو في إشراك الأكراد في العملية الديبلوماسية كجزء من الحل الكلي للأزمة السورية.

إلى أن تنتهي روسيا وتركيا والولايات المتحدة من اختبار حدود التوتر في الحزام المرن الذي يربطها بمنطقة إدلب والشريط الكردي، سيظل المواطنون السوريون يُقتَلون ويُصابون ويُهجَّرون من ديارهم من دون مساعدة أو حماية، وستواصل المنظمات الإنسانية جمعَ التمويل لمساعدة اللاجئين، وستستمر مجموعات حقوق الإنسان في نشر تقاريرها المعتادة عن أعداد المصابين، وستناقش الأرقامَ الدقيقة للجرحى، وستدعو الأمم المتحدة جميعَ الأطراف إلى الحفاظ على ضبط النفس. 

هذا المقال مترجَم عن Haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

هل ستصمد إدلب في وجه اجتياحها المقبل؟

إقرأ أيضاً