fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

أي ديمقراطية ديمقراطية دونالد ترامب؟

منذ انهيار “المعسكر الاشتراكيّ”، قبل نحو من ثلاثة عقود، بدأت تظهر انتقادات للديمقراطيّة ونظامها، من موقع ديمقراطيّ هذه المرّة. فهي أسيرة الاستطلاعات، بما يجعلها “ديمقراطيّة رأي”، وهي أسيرة التلفزيون بما يجعلها “ديمقراطيّة استعراض”. آخرون أكّدوا على أنّ جاذبيّتها وتمثيليّتها تنكمشان، بدلالة تراجع الإقبال على التصويت المصحوب بتراجع الانتساب إلى الأحزاب الديمقراطيّة.
تاريخ الديمقراطيّة زاد في تأهيلها لارتكاب الخطأ: فهي صرفت معظم القرن العشرين، أي معظم حياتها القصيرة، في قتال الفاشيّة والشيوعيّة. المقاتل، حتّى لو كان يدافع عن قضيّة مُحقّة وعادلة، لا بدّ أن تلوّثه عيوب القتال.
كان واضحاً، إذاً، على العكس ممّا ظنّ البعض، أنّ نهاية العدوّ السوفياتيّ ليست نهاية التاريخ. الديمقراطيّة، بعد انهيار التوتاليتاريّة الشيوعيّة وأنظمتها، صارت أكثر ارتكاباً للأخطاء، وأكثر تعرّضاً للنقد. لم تعد المثال الفاضل.
الانتقادات أعلاه كانت في مجملها صحيحة. انتخاب دونالد ترامب جاء ينبّه إليها كلّها. صحيح أنّه لم يعد ممكناً اليوم إنتاج وحش نازيّ كالذي أنتجته اللعبة الديمقراطيّة في الثلاثينات. مع هذا، فاللعبة نفسها أنبتت، في مطالع القرن الحادي والعشرين، وحشاً… ديمقراطيّاً.
والحال أنّ ترامب، وقبله سيلفيو بيرلوسكوني، وقبله ومعه قادة شعبويّون آخرون، تقيّدوا بالعمليّة الديمقراطيّة وإجراءاتها في بلوغهم السلطة. وبعد فوزهم بها، حاولوا ويحاولون التحايل على القوانين والمؤسّسات، إلاّ أنّهم، في نهاية المطاف، رضخوا ويرضخون لمنطق اشتغالها.
فكيف يمكن الإطلال على المحنة الترامبيّة من شرفة المسألة الديمقراطيّة؟ أو بتعبير آخر، أين تكمن عقدة الارتباط بين المحنة المذكورة وسائر المحن التي تحفّ بالديمقراطيّة راهناً؟
لقد تواضع الديمقراطيّون على العودة إلى اليونان القديمة، وتحديداً أثينا القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، أثينا الدولة – المدينة (بُولِس) وعهد الحاكم بيريكليس، بوصفها المهد والتأسيس.
هذه العودة حضّت عليها معانٍ ثلاثة كبرى، فضلاً عن الميل إلى الارتباط بعصر ذهبيّ مؤسّس:
– أنّ السياسة ولدت في أثينا. فجمهوريّتها وديمقراطيّتها أحلّتا القانون الوضعيّ حيث سبق أن حلّت دينيّة السلطة وسحريّتها. “الشعب” بدوره حلّ محلّ الطابع الدينيّ للسلطة كمصدر للحاكميّة.
– الثاني، أنّ “الآغورا”، أي ساحة التداول العامّ، أعطت النقاش الحرّ اليد العليا في صنع القرار. ليس صدفة، في هذا المعنى، أنّ الفلسفة ولدت حيث ولد النقاش وولدت السياسة. العالم والسياسة، إذاً، يُفكَّران ويُصنَعان صنعاً إنسانيّاً ولا يكونان استجابة لمُقدّر مُسبق دينيّ أو سحريّ.
– الثالث، أنّ عائلات أثينا الأريستوقراطيّة في “مجلس الأربعمئة” تفادت العنف المسلّح من خلال اختراع “المواطن” الذي يتمتّع بحقوق مساوية لأيّة حقوق أخرى، كما يشارك، عبر صوته، بصنع القرار. السياسة غدت بالتالي ملكاً عامّاً. انتفت الحاجة إلى العنف طلباً لها.
تلك الديمقراطيّة عاشت ما مجموعه قرن. بعد ذاك رأيناها تولد ولادات عدّة في أوروبا الغربيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة، هي كلّها قليلة الصلة بذاك المهد الأثينيّ. ما يجمع بين تلك الولادات صلتها بالتقدّم والحداثة الأوروبيّين، لا بقدامى اليونان.
كلّ المسار الذي قطعته الديمقراطيّة الحديثة كان، بمعنى ما، مسار انفصال عن ذاك المعنى اليونانيّ.
فديمقراطيّة أثينا طالت الذكور لا الإناث، والأحرار لا العبيد، وأبناء المدينة الأصليّين لا الغرباء. إنّها، في هذا المعنى، كانت تمارس أعلى درجات التراتُب حيال “الآخر” فيما كانت تُحلّ درجة متقدّمة من المساواة داخل أجزاء “الذات”، بعد إنقاصها من النساء والعبيد. حقّ التصويت، بالتالي، اقتصر على عدد يتراوح بين 30 و40 ألف مواطن، هم في حدّهم الأقصى خُمس مجموع الأثينيّين، ويقيمون فوق رقعة من 2500 كلم2.
هذه التجربة أطاحتها الأسرة المقدونيّة ذات النزوع الإمبراطوريّ. الدول الإمبراطوريّة انتشرت في سائر العالم القديم، وديمقراطيّة أثينا المباشرة أحيلت إلى كتب التاريخ. فباستثناء أشكال من الديمقراطيّة المباشرة اعتمدتها القبائل الجرمانيّة البدائيّة وكانتونات العصر الوسيط في سويسرا، لم تعد تقوم قائمة لهذا النمط.
تقنيّاً، الديمقراطيّة المباشرة فقدت قابليّتها للعيش، لأنّ نشوء الدول الإمبراطوريّة ثمّ الدول القوميّة جعل اجتماع السكّان في ساحة عامّة أمراً مستحيلاً.
الديمقراطيّة الحديثة ليست مباشرة. إنّها تمثيليّة. المواطن فيها يقوم بعمل مباشر واحد هو التصويت لممثّله. ما لا يقلّ أهمّيّةً أنّ الديمقراطيّة الحديثة باتت سيرورة دمج، لا سيرورة إقصاء. إنّها محكومة بأن تشمل الجميع، لا أن تبقى حكم أقلّيّة. هكذا، وفي فترات مختلفة، صار الاقتراع شاملاً وعامّاً في البلدان الديمقراطيّة: شمل النساء وغير المالكين وغير المتعلّمين، وكذلك المقيمين في البلد الديمقراطيّ وإن لم ينتموا في أصولهم إليه. ظهور الاشتراكيّة الديمقراطيّة كان محطّة عريضة في سيرورة التقريب بين الديمقراطيّة والمساواة.
ليس هذا فحسب: الديمقراطيّة الأثينيّة المباشرة، ولأنّها أقلّيّة، استكملت شرعيّتها بنزعة حربيّة وبطوليّة. أثينا الديمقراطيّة خاضت حرب البيلوبونيز الشهيرة التي دامت قرابة ثلاثة عقود ضدّ تحالف الدول – المدن الذي قادته إسبارطة. البطل – الأب الذي يطفّل أبناءه ويُبقيهم أطفالاً مطلوب دوماً.
هذا ليس من مواصفات الدولة الديمقراطيّة الحديثة حيث الطلب على البطولة يقتصر على الهوامش السياسيّة المحتقنة في أقصى اليمين. أيضاً، نما في العقود الأخيرة ميل متعاظم إلى الاعتذار عن الحروب التي خاضتها الديمقراطيّات، وفي بعض الحالات إلى التعويض لضحاياها أو أنسالهم.
في العصر الحديث، الحالة البارزة التي احتفظت بكثير من سمات الديمقراطيّة المباشرة كانت جنوب أفريقيا وروديسيا (زيمبابوي لاحقاً) في ظلّ النظام العنصريّ. الديمقراطيّة هناك كانت للأقليّة وحدها. معها نحن حيال ديمقراطيّة وعنصريّة في آن معاً. شيء من هذا يقيم في إسرائيل، حيث تمنح ديمقراطيّتُها للمواطنين العرب حقوقاً تقلّ عن حقوق اليهود وإن فاقت كثيراً حقوق السود في جنوب أفريقيا وروديسيا.
بالعودة إلى دونالد ترامب، ماذا نجد؟
توكيد غير مألوف على عدم أهليّة الآخر للّحاق بـ “المتفوّق”. يتجلّى هذا في ما لا يُحصى من أقوال وأفعال، حيال النساء والمكسيكيّين والمسلمين. الأصول وتواريخ الولادة تحضر بقوّة. يتجلّى أيضاً في المشاريع الهيوليّة لبناء الجدران كما في الكلام عن شعوب “رعاع”. لكنْ فوق ذلك، هناك في الترامبيّة سمات لا تقلّ خطورة ونكوصاً: من جهة، المباشرة بدل التمثيليّة، والتي ربّما كان تعبيرها الأبرز والأبسط “الحكم بالتغريد (التويتر)”. تعابيرها الأخرى كثيرة، من تهميش الحزب الجمهوريّ، حزب ترامب المفترض، إلى الاستهانة باشتغال المؤسّسات والكثير من قراراتها. البطوليّة التي تنمو على جذر المباشرة، تعكسها مركزيّة شخصه ومزاجيّتها المتقلّبة، وهي أصلاً مصابة بنرجسيّة طفليّة، واختلاط السياسة بالعائلة وسيرتها، وإعجاب ترامب بالحكّام غير الديمقراطيّين أو الشعبويّين الذين يشبهونه. مؤخّراً عبّر عن إعجابه بمبدأ الحكم من دون تحديد عدد المرّات التي يجوز فيها شغل المنصب: أتى ذلك تعليقاً على أوضاع الصين ورئاسة شي شينبينغ. ذهب ترامب أبعد، فحبّذ مبدأ الرئاسة مدى الحياة.
من جهة أخرى، عطّل الرئيس الأميركيّ دورَ التبادل الدوليّ والعولمة في إحداث الديمقراطيّة. بلدان آسيا وصلت إلى الديمقراطيّة عن طريق الانخراط في السوق الدوليّة. شيء مشابه حصل قبلذاك، في أواسط السبعينات، لإسبانيا والبرتغال واليونان. ترامب، في المقابل، يستسهل الحرب التجاريّة ولا يتوقّف عن التلويح بها. بهذا يكون يعلن أنّ الديمقراطيّة نادٍ مغلق ينهض على تراتب حادّ في داخله وعلى عدوانيّة معلنة حيال خارجه.
ديمقراطيّة ترامب، إذاً، أشبه بديمقراطيّة أثينا القديمة منها بالديمقراطيّة في زمن الحداثة. أنّه يزحف ناكصاً إلى ذاك العهد الأقدم.
المظالم الاقتصاديّة التي تسبّب بها عدم التحكّم بالعولمة، والذعر الذي أثاره اندفاع الهجرة بوتائر هيوليّة في العقد الأخير، عزّزا هذا الميل “الأثينيّ” إلى الصفاء المزعوم. حكم الولايات المتّحدة كأنّها أثينا القديمة والصغيرة هو بذاته دلالة على وعي أبرشيّ مسحور بتوهّم الصفاء. ذاك أنّ الولايات المتّحدة نفسها كانت اختارت كاثوليكيّاً هو جون كينيدي منذ 1960، ثمّ اختارت في 2008 أسود مسلم الأب هو باراك أوباما، وكادت تختار امرأة هي هيلاري كلينتون في 2016 (وقد منحتها أكثريّة الأصوات على أيّ حال).
حكم الولايات المتّحدة أبرشيّاً وريفيّاً قد لا يكون على المدى الأبعد ممكناً. بيد أنّ الاطمئنان إلى هزيمة هذا التوجّه وصاحبه قد يكون مرهوناً بأمور عدّة في عدادها إجراء الفرز داخل الديمقراطيّة نفسها، أي تنظيف الديمقراطيّة من مراحل وحقبات تقاطعت فيها مع عدم المساواة في داخل بلدانها كما في خارجها. هذه مهمّة الديمقراطيّين.

إقرأ أيضاً