fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد منصور- كاتب مصري

خالد منصور- كاتب مصري

مقالات الكاتب

أين كنتَ يوم تداعى البرجان؟

تباطأ الشاب ومال إلى الأمام قليلاً، فخشيت أن تسقط أكواب الماء من بين يديه وتتهشم على الأرض وسط المطعم. وبعد ثوان توقف تماماً ثم أراح الصينية بأكوابها على منضدة مجاورة، وواصل التحديق في شاشة تلفزيونية كبيرة خلفي. كنت أدرت ظهري للتلفزيون كي أنظر إلى بحر غزة الخالي، طوال غدائي مع زملاء من موظفي الأمم المتحدة وديبلوماسيين عاملين في القطاع المحتل. وجلس إلى الطاولة المقابلة مبعوث سلام الاتحاد الأوروبي الذي رفع يده ملقياً التحية عندما وصلنا. وفي تلك اللحظة، كان المبعوث الإسباني ينظر عبري في ذهول. شيء ما يحدث خلفي، على شاشة التلفزيون.

التفتُّ ورفعت رأسي في اللحظة التي اقتربت فيها طائرة كأنها في لعبة فيديو، من ثاني البرجين وارتطمت به متحولة إلى كرة من نار ودخان. التقط زبائن هواتفهم المحمولة، بينما عاد الشاب ومعه الريموت كونترول ليسيطر صوت مذيع “سي أن أن” على المطعم. ووقفنا جميعاً من دون كلمات كثيرة. 

لم أنتظر سيارة المكتب المصفحة (يا لحماقة القواعد الأمنية في الأمم المتحدة أحياناً)، وركبت أول سيارة أجرة رأيتها، وسريعاً قال لي السائق إنه سعيد بأن أميركا ذاقت طعم الخسارة وموت الأحباء في غارة بالطائرات مثلما حدث كثيراً للفلسطينيين. “عشان يحسوا باللي احنا بنشوفه هنا. والله مش مصدق أن ناسنا همه اللي عملوها”. لم أرد عليه. لم يكن لدي ما أقوله. كنت أحاول الوصول إلى أصدقاء وأهل في نيويورك وواشنطن ولكن الهاتف توقّف عن العمل. “معلش أنا ليّه أصحاب في نيويورك ومنهم ناس بيشتغلوا في المنطقة دي”. سكت لثوان وقال: “ربنا يرحم الجميع، في ناس كتيرة ما إلها ذنب”. 

أغلق الجيش الإسرائيلي قطاع غزة خلال ساعات ولم يكن الجانب المصري متاحاً للخروج. وفشلت منظمتي الأممية في مساعيها وتركت لي الأمر. بعد محاولات عدة تمكّن مكتبنا من التواصل مع مسؤول عسكري إسرائيلي كبير مكلف بالتنسيق مع الأمم المتحدة، طالباً تأمين خروجي. سأل الجنرال الإسرائيلي: لماذا تريد الخروج؟ قلت: أنهيت مهمتي هنا ولدي عمل في مكتبي الأصلي. وأين مكتبك؟، سألني. “أعمل في إسلام أباد وكابول”. فضحك الرجل وقال: “خليك بغزة أحسن وأكثر أماناً”.

وظللت حبيس غزة نحو ثلاثة أيام، وإن كنت ساعتها في ظروف أفضل بكثير من أهل غزة الفلسطينيين المسجونين فعلياً في هذا القطاع الصغير. بعد فشل محاولات الخروج ولا جدوى تشديدي على حقوقي وحصاناتي وحريتي في التنقل بمقتضى اتفاقية فيينا، لجأت لما نحتمي به جميعاً، حيث تحل الكوارث ونفقد الامتيازات، الأصدقاء. 

قاد ديبلوماسي صديق سيارته وتمكن من الدخول إلى قطاع غزة من خلال معبر بيت حانون (إيريتز) وأخرجني على الفور. سأذكر له دائماً شجاعته وأنه في الأغلب قام بهذا من دون إذن رؤسائه.

سيحتاج طريق الخروج من تلك الحرب الصفرية عملاً شاقاً وسنوات طويلة ستقلب فيها موجات عنف أعمى حياتنا، لنعيد بناءها مرة أخرى على أمل بأن يكون الأساس الجديد أفضل. وربما هكذا نكف تدريجياً عن السؤال في كل 11 أيلول: أين كنت يوم تداعى البرجان؟

وصلت الى إسلام أباد خلال يومين مع بداية الاستعدادات للحرب الانتقامية والقصف الأميركي لأفغانستان المجاورة، وكانت منظمات الإغاثة تخطط لإرسال آلاف أطنان المساعدات الإنسانية بعدما أطلق مجلس الأمن يد واشنطن التي لم تكن تحتاج ساعتها سياسياً في ذروة غضبها، إلى الحصول على إذن قانوني – يجب الحصول عليه – من أحد. ووصلت إلى كابول نحو منتصف تشرين الأول/ نوفمبر، بعد سقوط طالبان، لأشارك في عملية إغاثة ضخمة كلفت مئات ملايين الدولارات. ومن يومها ووكالات الإغاثة مثل سيارات الإسعاف المتهالكة تعدو خلف آثار الدمار في تلك الحرب الكونية على الإرهاب، وتنسق من قرب مع قادة تلك الحرب في حلف الأطلسي والبنتاغون وأحياناً أقل مع طالبان والجماعات المسلحة الأخرى من أجل ضمان أن تواصل عملها. 

ومع سقوط البرجين في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تداعت محاولات عالمية بقيادة واشنطن لبناء عالم جديد وإعادة تأهيل ودمج دول ومجتمعات عانت طويلاً من الصراعات وبخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق أوروبا. توقف تدفق الكتب والكتابات عن نهاية التاريخ وحلول عالم يسوده السلام الأميركي/ الأوروبي والرأسمالية “الرحيمة”. وفي السنوات التالية، حتى تركت الأمم المتحدة بعدها بنحو 12 عاماً، كان عملي في الإغاثة الإنسانية مرتبطاً بشكل أو بآخر بالحرب على الإرهاب (الحقيقية والمزعومة)، وهي حرب لا يقل عدد المدنيين من ضحاياها عن نصف مليون شخص في معظم التقديرات، راح أغلبهم في أفغانستان والعراق.  

والآن يشهق “برج الحرية” الجهم في نيويورك مكان برجي مركز التجارة ولا يستحق الزيارة في المكان، سوى شلال ماء يسقط في هوة عميقة وسط رخام أسود نُحتت عليه أسماء القتلى. وأنا ألتقط صورة لطفليّ أمام حائط الرخام منذ عامين، شعرت بحزن شديد وبجلال الموت وهشاشة الإنسان، ولم ينقذني من الحزن سوى نظرات الأطفال والأمل والخفة التي ينشرونها على من حولهم، أحياناً. وبعد شهور نظرت إلى الصورة وكبّرتها لأجد أن الاسم المحفور فوق رأس طفليّ، كان اسماً عربياً مسلماً. من بين أكثر من 2750 شخصاً قتلهم الإرهابيون في ذلك اليوم الأسود في نيويورك، كان هناك على الأقل 30 اسماً مسلماً.  

يرن في رأسي أحياناً دعاء “نجنا من الشرير”، ولكنني أعرف جيداً أن الأشرار حولنا وبيننا، بل وداخلنا أحياناً، وأن تلك القدرة على النجاة في يد الناس، مثلها مثل القدرة على التسبب بالأذى. سيحتاج طريق الخروج من تلك الحرب الصفرية عملاً شاقاً وسنوات طويلة ستقلب فيها موجات عنف أعمى حياتنا، لنعيد بناءها مرة أخرى على أمل بأن يكون الأساس الجديد أفضل. وربما هكذا نكف تدريجياً عن السؤال في كل 11 أيلول: أين كنت يوم تداعى البرجان؟ ثم نتحسر على ما حصل، وعوضاً عن هذا نسأل: ما العمل؟ وهناك دائماً عمل ما لنقوم به، ما دمنا باقين على قيد الحياة.  

العاني ميكانيكي طائرات يائس أم إرهابي؟

إقرأ أيضاً