fbpx

هنا القصة الثالثة

سامي داوود - باحث وكاتب سوري

سامي داوود - باحث وكاتب سوري

مقالات الكاتب

أوهام “واحدية” الشعب السوري

يُهندس الجهل بتاريخ الآخر وهويته، الهيكل المجتمعي الذي يحتجز المكونات الإثنية والطائفية الموجودة على الأرض السورية، وينسج الشروخ القاسية التي يحملها كل مكون في تمثيله صورة غيره.

وقد وضع نظام البعث لمسته التخريبية على التوزيع الإداري والديموغرافي للمدن السورية، وأنتج في ما بينها سرديات من العدائية المتبادلة، تلك التي ترجمتها حالة الركود المجتمعي على مدار نصف قرن من الدمار السياسي. وينعكس ذلك اليوم، على الخلط التعريفي لتوصيف ما يحدث في سوريا. فالحيرة تلجم دلالة الأسماء التي تحاول أن تصف ما يحدث ومآلاته أيضاً.

السوريون علامة جغرافية أكثر منها هوياتية. جغرافية لم تشتغل على غرار الأثر الإقليمي لفكرة الهوية في التجربة الأميركية، التي حلّت فيها الجغرافية محل التاريخ، لتنتج الميكانيزمات الضروية لظهور هوية جامعة للذين يقطنون المكان ذاته. بل جاءت تواريخ كاذبة لتبيد تواريخ شقية ومتجذرة من دون تقادم. وظهر نسق وحدوي خرافي، استلهم النماذج العدوانية للحركات العقائدية المأخوذة بخزعبلات النقاء العرقي. فجاء من هو أسوأ من ميشيل عفلق، ونادى من مدينة حماة، بـ”تعريب من لا يُستعرب”، الشعار الذي اعتمده أكرم الحوراني في مبادئ حزبه “حزب الشباب” الذي أقدمَ على حلّ الحزب القومي الاجتماعي في حماة. وأيّده في ذلك سعد الله الجابري الذي استلم وزارتي الداخلية والخارجية وكذلك رئاسة البرلمان عام 1945، ونادى هو أيضاً بعدم وجود تعددية في سوريا، بل الاكتفاء بالعرب المسلمين والعرب المسيحيين. أفكار مهدت السبيل لاستلام البعث دفة الحياة السياسية في سوريا، فاختفى معه إمكان ظهور تفاعلات مجتمعية تُحدث روابط ضرورية للعلاقة التي نطلق عليها اسم اللحمة الوطنية. لم يعد الوطنُ وطناً لكل السوريين. بل بات معتقلاً للبعض ونعيماً للبعض الآخر. وتأرجح البعض الآخر بين المنزلتين. فظهرت التقسيمات المناطقية متطابقة إثنياً وطائفياً، ومن ثم تقسيمات أحياء ساهمت في إعادة التوزيع الديموغرافي، وفقاً لتفاوتات طائفية وحزبية وإثنية.

ظهر شعار “الشعب السوري واحد” كحُلم لجميع المكونات التي شملتها الحاجة إلى الحرية، وكصدمة مزلزلة لنظام البعث. الذي أنتج كل ما يمنع ظهور هذا التمثل السياسي للمكونات السورية في صيغة الشعب الواحد. في سوريا، وعلى غرار الجارة المفككة بإتقان، لبنان. ثمة من هو إثني في مقابل إثني آخر، ومذهبي في مقابل مذهبي آخر. وحافظ الأسد هو أول رئيس غير سني يحكم الشام في تاريخ بلاد الشام. والراعية المذهبية إيران تعلم ذلك جيداً. وعندما نفكر في الاستثناءات التي تتعالى على الانتماءات الرهطية في سوريا، لأولئك الذين يعتقدون بإمكان تحول المكونات المجتمعية غير المتجانسة في المجال السوري، إلى شعب مؤلف من مواطنين متساوين في الحقوق وفي التمثيل السياسي، فإننا لا نعثر طبعاً، إلا على أفراد قلائل موزعين في أرجاء المعمورة، ولا يجمعهم سوى “فيسبوك”. هذا من دون أن نأخذ في الحسبان نفاق المرابين السياسيين.

وَصلَ المجتمع السوري إلى درجة من التشرذم والتعارض، يستحيل معها اقتراح أي مشروع ديموقراطي. ولم تفرز الحرب، عقلاً مناهضاً لها، أو أفكاراً يمكنها أن تستشرف شكلاً للدولة مختلفاً عن النموذج التدميري القائم. وتكررت البيانات السياسية التي تداولت في ما بينها، اللغة الفاسدة ذاتها، ديموقراطية عرقية وديموقراطية مذهبية…

قدرة السوريين على التعاهد في ما بينهم أضعف من قدرتهم على التحرر من إملاءات الدول التي تدير لعبة الحرب في سوريا. أما الحلول التي نسمعها في الإعلام، فهي مضحكة وتشبه في سذاجتها الفكرة التي اقترحها مستشار جورج بوش الابن لشؤون الشرق الأوسط فؤاد عجمي في كتابه “هدية الأجنبي”، من أجل معالجة مشكلات العراق المتنابذ، أي العلمانية كمخرج من الطائفية العراقية. في ندوته التي أشرفتُ على تقديمه داخل المؤسسة التي أدرتها عام 2007، قلتُ له: أهذه هي تعويذتك لمعضلة عراقية يحبكها العنف والتنابذ التاريخي حتى قبل ظهور الدولة العراقية الحديثة 1921؟

قد وضع نظام البعث لمسته التخريبية على التوزيع الإداري والديموغرافي للمدن السورية، وأنتج في ما بينها سرديات من العدائية المتبادلة، تلك التي ترجمتها حالة الركود المجتمعي على مدار نصف قرن من الدمار السياسي.

لا توجد ذاكرة مشتركة في سوريا سوى البعث. أما قبله، فقد كان الاحتلال الفرنسي بمثابة العلية التي أوجدت توافقات عابرة للإثني والأيديولوجي معاً، غير أنها كانت علية نفعية طارئة ولم تُمّكن النشاط السياسي حينذاك، من التفكير في الدولة على أساسٍ حقوقي. فالشيوعي والقومي والإسلامي عملوا معاً من أجل الهدف ذاته، أي التخلص من الاستعمار. ومن ثم اختلفوا في كل شيء، خصوصاً دين الدولة في الدستور السوري 1952، وانتماء الدولة المتعارض بين أممية شيوعية وأخرى إسلامية وثالثة قومية، فكّرت بالإقليم السوري وفقاً لصيغة الحزب القومي الاجتماعي، مستلهماً مفهوم المجال الجرماني للنظرية النازية. هذا المفهوم الذي تستعيده اليوم الطورانية التركية في أبشع تجلياتها. أما قبل الفرنسيين، فأين كانت سوريا بالنسبة إلى المكونات المجتمعية القائمة الآن؟

لاتوجد في سوريا رموز قابلة لأن تكون عباءات يلتحف بها الجميع بكامل خصوصياتهم الثقافية. فالقديسة الكردية “بارين كوباني” التي أهينت جثتها على يد المجموعات الإسلامية السورية في عفرين 2018، كانت بالنسبة إلى أولئك المسلحين، مجرد جسد امرأة مسحولة ومشتهاة في العبارة التي أطلقها أحدهم قائلاً: “حلوة يا زلمة”. وفي المقابل لم يعد يرى الكردي في غيره من السوريين أي طمأنينة. وتتكثف صورة الداعشي أو البعثي في معظم التصورات المتداولة بين الأكراد عن غيرهم. ميول اختزالية تصنيفية بناءً على أسوأ ما هو ممكن. هذه هي المفاتيح التي يدخل بها السوريون على بعضهم بعضاً.

التاريخ السوري منذ ظهور البعث عام 1963 وإلى اليوم، يفتقر إلى التآزر السياسي. فكك البعث ملفات كل محافظة وأدرجها في حالة من عدم الاكتراث بملفات المناطق الأخرى. تمَّ تخصيص القمع وتجزئته، حتى صار حالة فاعلة في تثبيط كل موقف سياسي يمهد لبروز ملامح للمصلحة العام. فالقمع الذي تعرض له الأكراد في سوريا، ظلَّ إلى تاريخ هذه اللحظة شأناً كردياً وحسب. ولم تحظَ الانتفاضة الكردية ضد البعث عام 2004 بأي مساندة تذكر من قبل المكونات السورية الأخرى. ثم انتقلت هذه الحالة من أجنبية المشاريع العنصرية ضد الشعب الكردي في سوريا، إلى سياسات الائتلاف السوري الذي وفّر للاحتلال التركي لعفرين بيادقه الضرورية. وقد سبقت هذه الحادثة حوادث أخرى. حيث بقي القصف الذي تعرضَ له المكون الدرزي عام 2000 في مدينة السويداء، طيَّ الجهل من قبل المكونات الأخرى التي تلقت الرواية الرسمية بكون ما حدث صراعاً درزياً سنياً. أما الصراع على السلطة، فقد ظلَّ حكراً على آل البيت الأسدي في اللاذقية بين رفعت وأخيه حافظ، في الأحداث التي شهدتها اللاذقية عام 1999، والتي كانت بالنسبة إلى المكونات السورية الأخرى، مجرد مشهد من تاريخ مستقطع أو خارج التاريخ العام لسوريا الغافية منذ عقود.

توزعت الحقوق في سوريا حلزونياً. وتكثفت في نقاط تجاوزت معها فكرة الحق إلى مستوى الامتياز الطائفي الحزبي. وهذ ما فعله حافظ الأسد بعد انقلابه على صلاح جديد عام 1970، وتصفيته جميع القيادات غير العلوية في الجيش والمخابرات، وجلب أبناء بلدته وعائلته إلى هيكل المؤسسات التي حكمت سوريا بالحقد. فبهتت الحقوق في الدوائر الأبعد عن نقطة القوة العلوية البعثية، حتى تحولت إلى مشروع عقابي في كردستان سوريا. وذلك بعدما تولى حزبُ البعث قيادة المجتمع في المادة 8 من الدستور الفاسد. واستخدم مفهوم القيادة وفقاً للصيغة التي شرحها فرانز فانون في مؤلفه “معذبو الأرض”، حيث اقتصرت القيادة على سوق الجماهير كالقطيع.

فبدأت مرحلة الطوارئ غير المتفقة مع معنى الكلمة المحدد زمنياً، وتحولت الأحكام العرفية والوساخة الأخلاقية التي بثها رجل الأمن في الحياة العامة، إلى قاعدة للبقاء في سوريا المنهوبة. وداخل الحالة العامة للطوارئ، وُجدت حالة تخصيص أخرى، طوارئ داخل الطوارئ. طُبقت في أبشع صورها داخل المدن الكردية التي عاشت حالة من الحرب الأهلية، مع المؤسسات العنصرية التي أوجدتها مشاريع التعريب. بدءاً من المدرسة وانتهاء بالمستشفيات والمرسوم 49 لعام 2008.

توزعت الحقوق في سوريا حلزونياً. وتكثفت في نقاط تجاوزت معها فكرة الحق إلى مستوى الامتياز الطائفي الحزبي.

خارج سوريا كما في داخلها، يخشى السوريون بعضهم بعضاً. حتى أنهم باتوا كـ”مارانوس” المجتمعات التي تستضيف السوريين، ولو على مضض في أحسن الأحوال. وذاكرتهم لا توفر لهم نعمة حُسن الجوار. يفترس السوري خصمه السوري كأنما يتوقف وجود أحدهما على إبادة الآخر. أمَّا آنية الصهر الهوياتي – رينان – التي ظهرت في التاريخ السوري، فكانت فقط تلك التي أوجدها البعث لصهر معدن الذُل العام، وترك بقية العناصر في حالة تنابذٍ مستمر. بل وحتى، لم يتمكن قادة البعث من أن يستثمروا هذا الحدث الاستثنائي (آذار/ مارس 2011) الذي انبثق من الرأسمال التاريخي للاستعباد الممنهج سياسياً واقتصادياً، الحدث الذي تمَّ وأدهُ بعد مرور 8 أشهر على ظهوره الحُلمي، وانقلبَ تماماً إلى نقيضه التحرري، في الصيغة الهمجية للمقاولات الدولية الإرهابية داخل الجسد السوري المُستباح. وتحولت سوريا إلى حقل لقوى إقليمية ودولية متنازعة، واقتصر دور المكون السوري على تنفيذ تلك الأجندة وتوفير القرابين لها.

كحال جميع الحروب الأهلية، تحتار اللغة كيف تصف الشناعة الإجرامية التي تستحيل مسرحاً لكل ما هو شر. ويساهم عديمو الوجدان في مجالي تجارة الحرب وتضليل الناس في تعقيد مستوى الجهل وتجذير الكراهية. بعدها، تغدو الحرب قدراً متنقلاً من المستوى العسكري، حيث كل شيء واضح، إلى المستوى الأنطولوجي، حيث الأفكار واللغة والأذواق وتداول النُكات، إسقاطات عدوانية لفوضى الكل ضد الكل.

جيل سوريا الضائع بين البلاد والمخيمات… من ينقذه؟

إقرأ أيضاً