fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

أوروبا التي يفتك بها الغموض والحيرة..

قد تكفي نظرة سريعة إلى أحوال الدول الأوروبيّة الأربع الأكبر لملاحظة الغموض والحيرة العظيمين اللذين يحفّان بحاضر هذه القارّة ومشروعها، وتالياً بمستقبلها السياسيّ.

ففي ألمانيا، ستتخلّى المستشارة أنغيلا ميركل عن قيادة حزبها المسيحيّ الديمقراطيّ الحاكم. سيحصل هذا في مؤتمر الحزب، في كانون الأوّل (ديسمبر) المقبل، ما يعني أنّ ميركل قد تتحوّل “بطّةً عرجاء” في السنتين اللتين ستقضيهما في المستشاريّة، قبل أن تتقاعد وتغادر المسرح. الأمر سيكون أسوأ فيما لو حلّ في قيادة حزبها أحد نقّادها الكثيرين. احتمال كهذا يجعل ائتلافاً يمينيّاً مع حزب “البديل لأجل ألمانيا” (على غرار إيطاليا والنمسا) أمراً ممكناً، وهذا يعني أنّ برلين ما بعد ميركل قد تتغيّر كثيراً، لا في ما يتعلّق بسياستها من الهجرة فحسب، بل خصوصاً في ما يتّصل بموقعها القياديّ في الاتّحاد الأوروبيّ.

في فرنسا، ما إن انتهى الاحتفال المبهج بانقضاء قرن على نهاية الحرب العالميّة الأولى، مُكسباً الرئيس إيمانويل ماكرون صورة المحامي الأوّل عن أوروبا وعن الديمقراطيّة الليبراليّة، حتّى انفجرت إضرابات وتظاهرات أطلقها ارتفاع سعر الوقود. وفي موازاة تزايد أعداد الجرحى، انخفضت شعبيّة الرئيس الفرنسيّ بوتيرة قد تعطّل مشروعه الإصلاحيّ لاقتصاد بلده، كما قد تعطّل الدور الأوروبيّ والدَوليّ لفرنسا. غنيّ عن القول إنّ القوى الشعبويّة والعنصريّة هنا أيضاً قويّة وعلى أتمّ الاستعداد لاستئناف المعركة السياسيّة طلباً للسلطة.

 

تدخل القارّة واتّحادها، ومعهما الديمقراطيّة الليبراليّة، في مرحلة انتقاليّة سيكون من الصعب التكهّن بمجرياتها ومآلاتها الأخيرة. الشيء الوحيد المؤكّد أنّ معارك سياسيّة شرسة تنتظر القارّة راهناً، وأنّ أطرافاً كثيرة تعمل لإخراجها من الغموض والحيرة

 

في بريطانيا، تمّ التوصّل أخيراً إلى اتّفاق مبدئيّ بين حكومة تيريزا ماي والاتّحاد الأوروبيّ في ما يتعلّق بتطبيق بريكزيت. لكنّ أحوال ماي في حزبها المحافظ، وفي حكومتها التي استقال منها بضعة وزراء من البريكزيتيّين المتشدّدين، لا تدفع إلى التفاؤل، خصوصاً أنّ حزب العمّال المعارض (وحلفاءها في “الحزب الوحدويّ الديمقراطيّ” الإيرلنديّ) ليس في وارد دعمها. شعبويّو اليمين وشعبويّو اليسار جاهزون.

في إيطاليا التي يحكمها ائتلاف يمينيّ مناهض للهجرة ولأوروبا، تحول الأزمة الاقتصاديّة دون لعب روما أدواراً خارجيّة مهمّة. مع هذا فالخلاف المتفاقم مع الاتّحاد الأوروبيّ، بصدد اللاجئين كما بصدد سياسات الإنفاق العامّ، قد يعزّز الميل القوميّ والجموح الشعبويّ حيال القارّة.

لوحة الغموض والحيرة هذه تعاكس لوحة الحزم والمبادرة التي نراها عند الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، أو حتّى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، على رغم هزيمته في انتخابات منتصف الولاية قبل أسبوعين. والحال أنّ ثنائيّ ترامب – بوتين يشارك الصعود الشعبويّ الذي استثارته الهجرة والأزمة الاقتصاديّة في إيصال أوروبا إلى محطّة قلقها الانتقاليّ الراهن. فما بين استعادة موسكو شكلاً من الحرب الباردة التي انتهت في أواخر الثمانينات، وتدخّلها بصيغ مختلفة في الحياة السياسيّة والحزبيّة للأوروبيّين، وتراجع واشنطن عن التزاماتها الدفاعيّة وروابطها الاقتصاديّة مع أوروبا، بذريعة “أميركا أوّلاً”، بدأت تتشكّل معادلات جديدة لم يستعدّ لها الأوروبيّون وأحزابهم التقليديّة.

هكذا تدخل القارّة واتّحادها، ومعهما الديمقراطيّة الليبراليّة، في مرحلة انتقاليّة سيكون من الصعب التكهّن بمجرياتها ومآلاتها الأخيرة. الشيء الوحيد المؤكّد أنّ معارك سياسيّة شرسة تنتظر القارّة راهناً، وأنّ أطرافاً كثيرة تعمل لإخراجها من الغموض والحيرة، وإن اختلفت السبل، وتباينت كثيراً الأهداف والبدائل.

إقرأ أيضاً:

وأخيراً سقطت انغيلا ميركل 

مقتل خاشقجي وعصرية الأنظمة

إقرأ أيضاً