fbpx

هنا القصة الثالثة

راشد عيسى - صحافي وكاتب فلسطيني

راشد عيسى - صحافي وكاتب فلسطيني

مقالات الكاتب

أن تكون فلسطينياً سورياً

طرحت “صفقة القرن” موضوع الشتات الفلسطيني، لا سيما في الأردن ولبنان وسوريا وغيرها من مناطق التجمعات الفلسطينية. ما عرضته التسريبات حول مصائر هذا الشتات كان التوطين مقابل “فدية”، وبدا هذا العرض قليل المعرفة في تعقيدات هذا الملف، وقليل الحساسية حيال مأساة هؤلاء اللاجئين. وجاءت إجراءات الحكومة اللبنانية حيال عمالة الفلسطينيين لتثبت أن هذا الملف صار جزءاً من ملفات فساد الأنظمة السياسية، وورقة مفاوضة في أكثر من اتجاه.

“درج” طلب من كتاب وصحافيين فلسطينيين يقيمون في دول الشتات كتابة قصصهم الخاصة والعامة في دول اللجوء. هنا حكاية الصحافي والكاتب الفلسطيني راشد عيسى.

يحار الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، في كتابه “الهويات القاتلة”، كيف يجيب عن سؤال حول انتمائه إلى فرنسا أو لبنان. إذ إن الآخرين لن يقبلوا سوى بجواب قاطع، يرجح إحدى الكفّتين، أو يساوي بينهما مناصفة على أقل تقدير.

لكن معلوف الذي عاش في لبنان 27 عاماً، قبل أن يختار فرنسا لإقامته النهائية، وكان عند صدور كتابه آنف الذكر أكمل فيها نحو 23 عاماً، يرفض حتى أن يناصف بين الهويتين، لأن “الهوية لا تتجزأ ولا تتوزع أنصافاً أو أثلاثاً أو مناطق منفصلة. أنا لا أملك هويات عدة. بل هوية واحدة مكونة من كل العناصر التي شكّلتْها”.

فكرت أنه إذا كانت هذه حال معلوف، فما حالي أنا الفلسطيني الذي ولدت وعشت كل عمري في دمشق، لا أعرف مدينة غيرها. لكن في الواقع، لم يكن الجواب بهذه السهولة، فقد احتاج الأمر ثورة كتلك التي انطلقت عام 2011 حتى يجد المرء في “فلسطينيّته السورية” حلاً مناسباً، لا كهوية، بل عبر خيار الانتماء لقضية.

بالنسبة إلى فلسطينيي سوريا لم يكن وارداً من قبل أن يحسب المرء نفسه على الجنسية السورية، وما إقراره بكلمة “سوري” الملحقة سوى انصياع لأوامر وأوراق رسمية. وإذا أخذنا الأمر بحسن نية، أي من دون أن نحسبه نوعاً من الاعتزاز الوطني الذي لا يقبل جنسية أخرى، ولا يمكن أن يفضّلها على جنسيته، مع ما يستتبع ذلك أحياناً من نزعات إقصائية وربما فاشية. ويمكن أن ندرجه في إطار النضال للحفاظ على هويةٍ سعى العالم كله إلى إلغائها وتذويبها، أو على الأقل إلحاقها بجنسيات أخرى معترف بها، حيث ولدت جنسيات فرعية، فلسطيني- لبناني، فلسطيني- أردني، فلسطيني- عراقي.

“الهوية لا تتجزأ ولا تتوزع أنصافاً أو أثلاثاً أو مناطق منفصلة. أنا لا أملك هويات عدة. بل هوية واحدة مكونة من كل العناصر التي شكّلتْها”.

لذلك فإن توصية الجامعة العربية بمنع تجنيس الفلسطينيين حفاظاً على هويتهم جاءت مناسبة لتعزيز نضاليتهم، إلى حدّ بدا أن التفريط بالجنسية شكل من أشكال الخيانة. فكان بديهياً ألا نسمع مطالبة من فلسطينيي سوريا بالحصول على جنسية هذا البلد. لم يكن ذلك على أجندة أحد، أفراداً وفصائل.

حين يستذكر المرء سيرة المجتمع الفلسطيني في سوريا حتى أواسط ثمانينات القرن الماضي سيمكنه بسهولة استرجاع مناخ متماسك. كان المخيم ما زال يحتفظ بصورته كمخيم، شعارات العودة وملصقات الشهداء كانت آثارها هناك، على كل جدار. مكاتب الفصائل الفلسطينية الموزعة في كل أرجاء المخيم كانت، على خلافها وتناحرها، نقاط انجذاب لاجتماع الأجيال الجديدة، والحفاظ على اسم فلسطين متقداً. ليس ذلك وحسب، كانت المخيمات، كما قال لي مرة كاتب سوري في تحقيق صحافي حول المخيمات، ملاذاً حتى للسوريين الآتين من أربع جهات الريف السوري، “ملاذاً دافئاً وخبزاً ساخناً ومفردات فلسطينية لم نسمعها من قبل… كنا آتين وعلى أكتافنا هموم متفرقة وثقافة يسارية وعلم أحمر ونجمة وصور غيفارا، اجتمعت مع بيانات العاصفة وصور الشهداء على جدران البيوت. كان شباب المخيم، من فلسطينيين وسوريين، يعرضون عن مباهج الحياة الرخيصة، وكان كل منهم مشروع مقاتل أو مفكر أو شهيد”.

ولعبت المؤسسات الثقافية والإعلامية الفلسطينية، وعلى رأسها صحافة الفصائل، دوراً كبيراً جاذباً للعرب والسوريين، ما عزز تلك الكيانية الفلسطينية، التي كرّست على الدوام دور فلسطين والفلسطينيين المركزي.

وعلى رغم أثره البالغ، لم يتضح أن لاجتياح إسرائيل لبنان عام 1982، الذي لم ير فيه أحد آنذاك هزيمة ولا حتى نكسة، كان ممهداً لانقلاب كبير في أحوال مجتمع الفلسطينيين السوريين. استُكمل الاجتياح بانشقاق حركة “فتح” عام 1983، وطرد مقاتليها من لبنان وتصفية مكاتبها في سوريا، كانت تلك هي المقدمة لتحويل الفصائل الفلسطينية الموجودة في سوريا إلى مجرد دكاكين، أو جعلها تحت السيطرة تماماً.

اختفت “دولة” الفلسطينيين في سوريا، لا مهرجانات تخريج لأشبال وكوادر فتح في معسكر عدرا، والتي كانت مناسبات دورية لاستعراضات عسكرية ومهرجانات خطابية كان يحرص الزعيم الراحل ياسر عرفات على حضورها شخصياً (ونحسب أن لكثيرين من الفلسطينيين ذكريات من تلك المهرجانات تملأ النفس بالاعتزاز)، لا مسيرات في مخيم اليرموك في ذكرى الانطلاقة، لا صحف، ولا أوهام حول دور لأي منظمة فلسطينية يمكنها أن تساهم حتى في إطلاق سراح معتقل.

ربما هنا بدأت فلسطينيةُ الفلسطينيين تصبح أكثر واقعية، لم تعد القضية مركزية إلا في مناسبات طارئة، انتفاضة، مجزرة في مخيم، قصف على غزة.

ربما هنا بدأت فلسطينيةُ الفلسطينيين تصبح أكثر واقعية، لم تعد القضية مركزية إلا في مناسبات طارئة، انتفاضة، مجزرة في مخيم، قصف على غزة. ولن يحصل أي من المناسبات على حضور يذكر إلا برضا السلطات السورية. الواقعية اقتضت الانفضاض عن الفصائل-الدكاكين (وهذا الاسم رائج وشعبي للسخرية من دورها الأقرب إلى التجارة بالأوهام)، وربما بدء التفكير بالاندماج في مجتمع السوريين. وإذا كان الفلسطينيون لم يطالبوا النظام بحقوقٍ لهم فلأنهم بالفعل كانوا متساوين مع السوريين في مختلف الحقوق كالعمل والتعليم والتملّك. وهنا أتذكر تلك النكتة التي أطلقتها إعلامية سورية بارزة حين قال فلسطيني أمامها “إن لنا حقوق السوريين نفسها سوى حق الانتخاب والترشيح”، فعلّقت مازحة “لا عليك، نحن السوريين لا حق لنا بالانتخاب والترشح”.

وبالفعل، لم يكن هناك أي فارق في الحقوق، ويعود الفضل في ذلك إلى مرسوم أصدره الرئيس شكري القوتلي عام 1956، وكان من غير المعقول أن يبطله نظام البعث، القائم على نداءات العروبة ومركزية القضية الفلسطينية.

لكن على رغم تلك الواقعية لدى الفلسطينيين لم يصل الأمر إلى حدّ تقديم أنفسهم طواعيةً كفلسطينيين سوريين، إذ ظل الأمر مأساوياً إلى حد ما، فأن تكون هذه هويتك يعني أنك ستظل حاملاً لوثيقة سفر، وليس جوازاً، وستظل الوثيقة الزرقاء مثار شبهة على الحدود ومختلف المطارات. ستبقى أقل من “مواطنك” السوري، ومع تلك الوثيقة ستضيع فرص كثيرة في السفر والتعليم والعمل. ولن تجرؤ على الحلم بجواز سفر سوري، كان أسهل أن تحلم بجواز سفر سويدي أو كندي أو نرويجي.

شخصياً كانت لي معاناتي مع وثيقة السفر تلك، عندما أُعدت من مطار القاهرة بعد انتظار ساعات في نظارته، لا لشيء، على رغم أنني كنت أمتلك تأشيرة دخول من السفارة المصرية في دمشق، إلا لأنني فلسطيني سوري وتلزمني إضافة إلى التأشيرة، موافقة أمنية. كذلك الأمر، هناك دول لم أكن أجرؤ على مجرد التفكير في التقدم إليها، كالأردن الذي لديه عداء مستحكم تجاه فلسطينيي سوريا.

عندما اندلعت الثورة في البلاد، كان بديهياً أن ينضم فلسطينيون كثر للمشاركة فيها، وبالطبع كان مؤسفاً ولا معقولاً أن ينحاز فلسطينيون آخرون للدفاع عن النظام السوري، إذ لكل فلسطيني نصيبه من ظلم النظام، الذي تأكد وتفاقم في سنوات الثورة، وسجلت مجازر وشهداء تحت التعذيب في معتقلات النظام. مع الثورة بتنا أمام ظاهرة لعلها تسجل للمرة الأولى في تاريخ العلاقة بين الشعبين، عندما راح الفلسطيني يقدم نفسه باعتزاز كفلسطيني سوري، إن لم يكن يكتفي بسوريته أحياناً. خيار لم يكن بحاجة لوثائق وإثباتات، فقد عُمّد بالدم قبل الكلام.

أنا أيضاً رحت أقدم نفسي كفلسطيني سوري من دون أي ادّعاء، ولم أكن أسمّي ذلك تضامناً أو مجرد تعاطف، فتلك قضيتي، كما فلسطين تماماً، وإذا كنت أصرّ على هذه الهوية، وهي في جزء كبير منها معطى لم يكن بيدي تماماً، فقد ولدت هناك، عشت، وتنفّست، وأكلت من قمح تلك البلاد، لأنني أيضاً اخترتها بكامل إرادتي، هوية وقضية.

أن تكون فلسطينياً… في لبنان

إقرأ أيضاً