fbpx

هنا القصة الثالثة

ميريام سويدان

ميريام سويدان

مقالات الكاتب

أن تكوني أمّاً لأمّك…

حين يسألني أحدٌ نموذجاً عن كتاباتي، أتذكر تلقائياً نصاً كتبته في ملحق “شباب السفير” عام 2015. كنت طالبة جامعية في سنتي الأولى، ولم أكن أجيد الكتابة الصحافية حينها. لم يكن نصّاً طويلاً، ولم تكن المساحة تسمح بنشره ورقياً، أو هكذا قال رئيس القسم. كانت لغته لطيفة لفتاة في شهرها الأول من التدريب. أعتقد أنه لم يخلُ من الهفوات، وربما لا يصلح نموذجاً للكتابة. ولكن أجزم بأنه صادق.

“الشعر الأسود الطويل وثلاث صور”، ما زال النص الأحبّ إلي، لأن ما نكتبه لأمهاتنا مختلف دائماً. يُحفر في ذاكرتنا، وذاكرتهن.
في ذلك النص، رويت قصصاً من حياتها: طفولتها التي لا تشبه الطفولة بشيء، مراهقتها الهرمة، نضالها وتهريبها السلاح للثوار، كيف تزوجت وأنجبت، وحين دمّرت الحرب بيتها، جديلتها السوداء وقميص أخيها الذي كانت ترتديه دائماً، بعدما فُقِد ذلك الأخير في الحرب. والقطعة من قلبها التي فُقدت، ولم تزل، مع رحيله.

أحافظ على شبابها، أغويها بالصلاة، وترفض. أراجع محطات اليوم لأتأكد أنني قدمت لها ما يكفي من الحب

منذ أربع سنين، كنت أراها أمّاً، وأشعر تماماً بأنني ابنتها. لكن شيئاً ما تغيّر، وأدركت أن “الأم” حالة. يمكن أن تكون العزباء أمّاً، ويمكن أن تبقى الثكلى أمّاً، وكذلك تستطيع الابنة أن تشعر بالأمومة. هناك رجال أيضاً هم في الواقع أمّهات.

أراقب تصرفاتي معها، هي تصرفات أمّ بحتة. أسألها عن وجباتها، أشدد على أهمية وجبة الفطور. أذكرها بموعد الدواء، وأعاتبها حين تتجاهله. أختار ملابسها وأحرص على مظهرها صباحاً. أقلّم أظافرها كل مساء، وأتبعها بمعطفها إلى الباب. أدفعها لممارسة الرياضة، وتملّ من نصائح إبعاد النظر من شاشة الهاتف. أحافظ على شبابها، أغويها بالصلاة، وترفض. أراجع محطات اليوم لأتأكد أنني قدمت لها ما يكفي من الحب. ثم أدعوها إلى النوم باكراً، وأنصت إلى زفيرها كل ساعتين ليلاً.

أظن أن الإنسان يولد أمّاً، وإن لم يفعل، فلن يكون. ولكن، ما هي الأمومة، وماذا يعني أن تكوني أمّاً؟

هي حالة صعبة التفسير، تفهمها التي تعيشها. تشعر بازدواجية الذات: الأنا، ومن تمارس عليه الأمومة، وليس سهلاً أن تري جزءاً منك خارجك. الأمومة هي أن تبقي متأهبةً، متصدية دائماً للخطر، وحاضرة له. أن تكوني الملاك الوصي على مدللك، وأن تلاحقيه حيث يكون، حتى لو لم تكوني هناك. وكيف إذا تعدّد مدللوكِ؟

أن تكوني أمّاً يعني أن تتوهي. أن تفكري كثيراً حد التشتت، وتأرقي ليلاً. النساء المهمومات هنّ أمهات، الصبايا الحائرات هنّ أمهات، المراهقات الشاردات في حصص الرياضيات هن أمهات، الرجال الذين يدخنون السجائر بشراهة ودائماً على عجلة، هم أمهات أيضاً.

ربما إذاً تكون الأمومة شعوراً أكثر منه فكرة. تماماً كما الحب والغيرة والغضب. ولا يتطلب الأمر استثناءً في الوصف، ولا فرادة في الشرح، هي حالة مستقلة.

والنصوص عن شعور “الأمومة” هي عادةً قصيرة، وتصطحب معها شعوراً بالتقصير. فلا كلام يفي حجم المخزون العاطفي الذي يدور في هذا الفلك من الحب، سيبقى ما نكتبه ناقصاً. لكن المهم حقاً، أنها نصوص صادقة. أما هذا النص، فيخلق بداخلي مشاعر متضاربة، البهجة أحدها. إنه نص جديد صادق عن الأمومة، ربما يصلح ليكون نموذجاً. وهو حتماً فرصة لأقول لأمي كم أحب أنها أمي حيناً، وأنني أمها أحياناً!

إقرأ أيضاً