fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

أنماط في عداوة “العدوّ”

صديقي ابراهيم يكره جيريمي كوربن، قائد حزب العمّال البريطانيّ. يرى أنّه شعبويّ. متواطىء مع فلاديمير بوتين. منحاز إلى الديكتاتوريّات العسكريّة في “العالم الثالث”. غير حسّاس حيال ألم الشعب السوريّ. غير مُبالٍ بمكافحة جدّيّة للظلم والتعسّف حيث يوجدان. ثوريّته المزعومة تقتصر على العداء، بسبب ولا سبب، لأميركا. لغته لا تشبه لغة اللعبة السياسيّة والبرلمانيّة. أمّا دعمه القضيّة الفلسطينيّة فمخلوط بممالأة اللاساميّين واللاساميّة بحيث يسيء إلى تلك القضيّة…

أنا أشارك صديقي مشاعره حيال كوربن، وإن بحدّة أقلّ. فهو، مثلاً، يجده شبيهاً بدونالد ترامب، وأنا أظنّ أنّ ترامب لا شبيهاً له حتّى بين أعتى الشعبويّين.

لكنّ الفارق الأبرز بيني وبين صديقي أنّني حين أذكر كوربن أتذكّر أيضاً توني بلير، وأحياناً مارغريت ثاتشر، وأقول في نفسي: لولا هذان لما كان كوربن. إنّه الضريبة التي تُدفع اليوم لبرامج الخصخصة المتوحّشة التي رعتها الزعيمة المحافظة الراحلة، وللأكاذيب الرخيصة التي انتهكت السياسة والثقة بالسياسيّين، كما درج على إطلاقها القائد العمّاليّ السابق.

ما يصحّ في كوربن والمتسبّبين بنجوميّته الراهنة يصحّ في ظاهرات لبنانيّة وعربيّة كثيرة: فكيف لنا، مثلاً، أن نحاكم صعود العونيّة من دون محاكمة سنوات “التهميش المسيحيّ” وقبلها حرب الجبل؟ أو محاكمة نبيه برّي من دون محاكمة كامل الأسعد؟ أو حزب الله من دون رعونة الاجتياح الإسرائيليّ؟ أو الخميني من دون الشاه؟ أو عبد الناصر من دون فاروق؟ أو “حماس” و”الجهاد” من دون الإسرائيليّين؟ أو “داعش” و”النصرة” من دون سجون الأسد وصدّام والأميركيّين؟

والهدف هنا ليس على الإطلاق إيجاد أسباب تحفيفيّة للظاهرات الأخيرة، وبعضُها أسوأ من المشاركين في التسبّب بها، ولا حتّى لربط ظهورها بعلّة حتميّة واحدة وحيدة. المقصود فحسب هو محاولة إحراز درجة أكبر من الإحاطة بالظاهرة موضع التناول، وبالتالي الوصول إلى سويّة أعلى من رحابة التأويل والتخفيف من غرضيّته المباشرة.

وقد يقول صديقي: هذا ليس موقفاً سياسيّاً أو عمليّاً. ربّما. لكنّنا، ما دمنا نحن الإثنين غير سياسيّين، فلنستفِدْ من هذا الامتياز الممنوح لنا بحيث نفكّر بطريقة لا تتجاهل الأسباب الأبعد ولا تستدرج الحلول السريعة.

وأعلم، في المقابل، أنّ مَن يشبهون كوربن لديهم من التحليلات ما يفوق كثيراً تحليلات صديقي في أخطائها وفي سوء نواياها. فهؤلاء كانوا، قبل سقوط “المعسكر الاشتراكيّ”، يحاولون إقناعنا بأنّ القمع الذي تعانيه المنطقة يقيم في لبنان أكثر ممّا في سوريّا الأسد أو عراق صدّام، وأنّ الألمان الغربيّين والكوريّين الجنوبيّين ينتظرون بلهفة ساعة الخلاص من الرأسماليّة الشرّيرة كي ينضووا في ألمانيا الشرقيّة وكوريا الشماليّة.

فهم أيضاً “ضدّ” أميركا و”مع” السوفيات، وهذا الاصطفاف الجوهريّ هو مصدرهم المتخم بالحقيقة لمعرفة كلّ ما يتحرّك على الأرض وتحديد الموقف منه. فحين سقط الاتّحاد السوفياتيّ وكتلته استعيض عنهما بخلطة من الأجرام الأصغر كحزب الله و”سوريّا الأسد” اللذين لا يملكان حيال البشر إلاّ الحبّ والرحمة وصدّ المؤامرات التي تستهدفهم!.

وعي هؤلاء هذا إنّما يشبه متفرّعات وعي فيضيّ، حيث الوجود صدور وارتداد دائمان، ومحارَة لا تتطوّر ولا تتغيّر، إذ النتائج كامنة أصلاً في المقدّمات، كما البراعم للأشجار والأجنّة للبشر. وبما أنّ الله كامل فهو لا يعقل إلاّ الكامل، وبما أنّه ما من كامل سواه، فهو لا يعقل إلاّ نفسه، فيكون الله هو العاقل والمعقول، فضلاً عن كونه العقل تعريفاً.

في حالة صديقي ابراهيم، كما في حالة خصومه هؤلاء، قد تنقلب الحساسيّة الشخصيّة إلى حساسيّة قَبَليّة تستهدف “العدوّ” بعينه والذي لا يمكن أن يكون أقلّ من عدوّ مطلق، وبالمطلق، عدوٍّ تتولّد عدوانيّته عن نفسه الشريرة. لكنّ الفارق أنّ هؤلاء الأخيرين، على عكس صديقي، سيطروا لعشرات السنوات على ساحة الكلام المحكيّ والمكتوب، وكانت سيطرتهم تدعّم وتعزّز ما يفعله رجال مخابرات وضبّاط أمن “مناهضون لأميركا وإسرائيل”. هكذا جعلوا صديقي، وكثيرين غيره، يتحرّكون أحياناً محكومين بردّ أفعالهم. فحين يسمعون كوربن يتذكّرون رستم غزالي أو قاسم سليماني، وهما طبعاً من أعداء الإمبرياليّة الألدّاء! أو يتذكّرون البراميل التي سقطت على رؤوس السوريّين وسكت عنها كوربن المعادي لأميركا! هذه حال كثيرين في بلادنا. ربّما كانوا معذورين.

إقرأ أيضاً:
سيادة الرئيس الطفل
عن “الصواب السياسيّ” اليوم
لا الأتاتوركيّة ولا الإردوغانيّة في صِيغ عربيّة أردأ

 

إقرأ أيضاً