fbpx

هنا القصة الثالثة

سارة عابدين - كاتبة مصرية

سارة عابدين - كاتبة مصرية

مقالات الكاتب

أنا المرأة التي يعيش مثلها صهيب

كتب صديقي الصحافي والكاتب صهيب أيوب، “أعيش مثل امرأة… كم هو شاق العيش مثل امرأة في عالم كل ما فيه سريع ومتطلب ويحدث أن تمسي المرأة فيه تعبة. ويضاعف تعبها أنها تحاول التوفيق بين حيوات مختلطة لا يفصلها عن بعضها سوى خيوط غير مرئية”.

لم أكفّ عن البكاء حتى نهاية المقال. صرت بين دقيقة وأخرى أفتحه وأقرأه من جديد. في كل قراءة كنت أبكي مجدداً. قلما يشعر إنسان بمتاعب امرأة تحاول أن تحيا في العالم العربي، بخاصة في حالة المثليين.

أنا أم لثلاث بنات في أعمار مختلفة. منذ البداية اخترت البقاء في المنزل لرعاية طفلتي الأولى واستمر الأمر مع الطفلتين الأخريين. أرضعت كلاً منهن سنتين كاملتين. لم تذهب أي منهن إلى دار الحضانة قبل بلوغها 3 سنوات في أي حال من الأحوال وتحت أي ظرف.

أحاول أن أكون أماً مثالية، لكن من دون أي تقدير زائد، لأن المجتمع العربي لا يقدر المرأة عموماً، ولا دور الأم خصوصاً، كأن المرأة يجب أن تخلع رغباتها وأحلامها وأفكارها على باب غرفة الأمومة. حتى الشكوى أو التذمر أو التنفيس، كلها تصبح ممنوعة أو بطراً على النعمة، بخاصة عندما بدأت محاولات استعادة نفسي من جديد، سواء من طريق الدراسة أو الكتابة أو الرسم، أو حتى العمل من المنزل حتى لا أترك بناتي. كأن حياتي أصبحت حكراً على الأمومة، وعلى سارة أن تتلاشى تماماً حتى تبقى ماما.

أحاول أن أكون أماً مثالية، لكن من دون أي تقدير زائد، لأن المجتمع العربي لا يقدر المرأة عموماً، ولا دور الأم خصوصاً

سنوات طويلة مرت على مكوثي في المنزل، لأن الأعمال لا تناسب ظروف الأمهات، حتى مقابلة الأصدقاء أصبحت أمنية مستحيلة. عندما نجتمع، أنا وصديقاتي الأمهات، لا نجتمع كصديقات يتنفسن قليلاً، بل كمجموعة من جليسات الأطفال، إذ لا نكف عن ملاحقتهم وتلبية طلباتهم التي لا تنتهي. لا أحد يدرك تأثير البقاء في المنزل شهوراً، من دون خروج سوى للتسوق أو تلبية رغبات الأطفال في التنزه واللعب، سوى شخص جرب ذلك الأمر. لا عمل، لا مقابلات لا صراعات، لا أسباب لتنسيق الملابس أو شرائها أصلاً. بالطبع لا وقت للرسم الذي يحتاج إلى مساحة وفراغ. تخليت في ذلك الوقت عن كل شيء. الصداقات، الدراسات العليا التي كنت أنهيت عامها الأول في كلية الفنون الجميلة. يمكنني أن أقول إنني تخليت عن نفسي تماماً. تخليت أو أجبرتني الظروف على التخلي، لا أعلم لكن انتهت بي الحال في المنزل لسنوات، لا أفعل شيئاً سوى كتابة الشعر. الكتابة كانت المتنفس الوحيد وطريقتي لقول ما في داخلي.

طوال تلك السنوات كنت أظن أن الأمر انتهى تماماً، لكن الكتابة كانت تنمو وتكبر. الكتابة كانت تسافر من دوني إلى عوالم أكثر اتساعاً. كتابتي تقابل من لم أستطع مقابلتهم، تذهب حيث لم أستطع أنا الذهاب. الحكايات التي كنت أحكيها لبناتي قبل النوم تحولت إلى كتاب ملون يحمل ختم جائزة الشارقة. يومياتي مع بناتي التي كنت أدونها على “فيسبوك”، تحولت إلى مقالات، لكن الاكتئاب لم يتوقف والرغبة في تجربة حيوات مختلفة لم تخفت. كما قال صهيب، التوفيق بين الحيوات المختلفة أمر مرهق. كيف يمكن أن أكون كاتبة وأمّاً؟ يحدث الأمر تماماً ببساطة هذه الجملة “أكون كاتبة في الدقائق المستقطعة من الأمومة على مدار اليوم”.

بالطبع أنا بحاجة لتأكيد أن الأمر ليست له علاقة بحبي لبناتي، لكنه يتعلق بكل المسؤوليات التي ألقاها المجتمع على المرأة ورسخ لها، وأصبحت قانوناً ملزماً يجرم من تحاول خرقه. لا وقت للمرض ولا للصمت، ولا للتفكير ولا لرفاهية الاكتئاب. الأعمال المنزلية تبدأ منذ اللحظة الأولى في اليوم، حتى قبل النهوض من السرير. نفض الأسرة وترتيبها، تجهيز حقائب المدرسة، تجهيز الإفطار، جلي الصحون، تجهيز الغداء، الغسيل، نشر الملابس، طي ملابس الغسلة السابقة، استقبال الأطفال عند العودة، مراجعة الدروس مع الصغيرة فقط قدر الإمكان. أتذكر أيام كنت أدرِّس ابنتي الكبرى، فيما ألاعب المتوسطة بالدمى وأرضع الصغيرة.

من أخبر الجميع أن الأعمال المنزلية من اختصاص المرأة أصلاً؟ من أخبرهم أنها ممتعة ويجب أن أقوم بها وأنا مبتسمة وسعيدة ونشيطة؟ الأعمال المنزلية مملة ومرهقة بدنياً ونفسياً. في أوقات كثيرة يشبه الأمر السخرة، وقد تتحول الأم إلى آلة تعمل بشكل مستمر من دون هوادة. يصبح الأمر أكثر تعقيداً مع امرأة مثلي تبحث عن وقت مستقطع لممارسة الكتابة أو لتلطيخ لوحة صغيرة بضربات فرشاة سريعة، ومع نوبات الاكتئاب والقلق، تطفو على السطح نوبات من الوسواس القهري.

يبدأ الأمر دائماً في أشد لحظات الإرهاق، بعد يوم طويل من النضال ضد الحياة. قبل أن أغمض عيني تتضخم بقعة صغيرة على سجادة غرفة الأطفال لتتحول في مخيلتي إلى وحش سيلتهمنا أثناء النوم. في الواحدة صباحاً أنهض مجدداً لأكنس السجادة، البقعة لم تزل في مكانها. قليل من الجنرال والديتول. تتسع البقعة أكثر. الواحدة والنصف صباحاً، أبرم سجادة غرفة الأطفال وأضعها بجوار باب الشقة. الصداع يطرق رأسي فيما عيناي تغمضان تلقائياً. أقترب من سجادة غرفة الجلوس، أدقق النظر بحثاً عن أي بقع. أكتشف أكثر من بقعة. أجد سبباً كافياً لبرمها هي الأخرى. أثناء البرم، ألمح رفوف المكتبة وطبقة التراب الرقيقة. الساعة الواحدة و45 دقيقة. رذاذ “البليدج” يسقط على طبقة التراب وأنا ما زلت أحاول فرض سيطرتي على خفنيّ، حتى لا تغلقا. المفرش الصغير معوجّ قليلاً. كسوة “الأنتريه” غير متساوية الأجناب تماماً. الستائر غير متماثلة الأجناب بدقة. القلم غير مغطى. شباشب الصغار متناثرة. أتجه إلى الخزانة. الملابس غير مرتبة بإحكام وتناسق. أسقط كلها على الأرض وأعيد طيها من جديد. آذان الفجر يعلو وأنا أفقد السيطرة تماما. أذهب إلى السرير مجبرة وأنا أفكر في انعدام التماثل وانعدام الدقة وذرات التراب التي تحيط بي. ليس هناك طريقة للهروب من ذلك الوسواس المستمر سوى الانغماس فيه حتى السقوط.

الأعمال المنزلية مملة ومرهقة بدنياً ونفسياً. في أوقات كثيرة يشبه الأمر السخرة، وقد تتحول الأم إلى آلة تعمل بشكل مستمر من دون هوادة.

منذ أيام تخلصت من كتب لم أقرأها ولن أقرأها. كتب غالية وجديدة، وملابس لم تعد تناسب رغبتي في الانعتاق، لكنني ما زلت أحتفظ بالجينز، حائط الصد الوحيد ضد العالم. تقول أمي “انتي شايلة الحاجة على راسك؟!”، نعم يا ماما أشعر أنني أحمل العالم فوق رأسي.

كلما وقعت عيناي على شيء تمنيت لو أستطيع قذفه من الشرفة، بشعور يشبه الهوس. كلما تخلصت من شيء خف الحمل عن رأسي وقلبي لثوان قليلة، ثم يعود الثقل من جديد. الدوائر تحاصرني حتى في اللوحات. كلما حاولت الابتعاد من الدائرة، أجدها تتكاثر على اللوحة. اليوم بعدما تخلصت من ثلاثة قوافل من الكراكيب والملابس، هربت من حصار الدائرة قليلاً.

أسقط في النوم وأنا أحلم بلوحة ضخمة زرقاء بلا دوائر ولوحة بيضاء تماماً، بدائرة حمراء صغيرة. وغرفة كبيرة تخصني وحدي. أضع فيها أوراقي ورسومي وكتبي وموسيقاي، على رغم تعجب كثيرين من تلك الرغبة، لأن المتعارف عليه أن لا خصوصية للمرأة بعد الزواج والأمومة.

تقول لي صديقتي المقربة بعد أن تنظر إلى لوحاتي، “أنت مصممة على التخلي عن التفاصيل في لوحاتك، ربما للأمر علاقة بالكركبة البصرية الكثيرة حولك”. أخبرها أن اللوحة هي مساحة الحرية الوحيدة التي أتحرّك في داخلها كما أشاء، لكن الدوائر تحاصر لوحاتي، كما تحاصرني تماماً، أو أكثر بقليل.

“أعيش مثل امرأة”: عن جهود النساء التي لا يراها الرجال

إقرأ أيضاً