fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد الدهيبي - ناشط اجتماعي لبناني

محمد الدهيبي - ناشط اجتماعي لبناني

مقالات الكاتب

أنا الفاشل في الكتابة

لم أبرع في الكتابة يوماً. مادة القراءة العربية كانت الأحب إلى قلبي، هي قراءة فقط. أتقن لساني مخارج الحروف، الاستظهار كان سهلاً والتقطت سرّ الإعراب وتركيبات الأفعال وتوابعها، لكنني لم أبرع في الكتابة يوماً. كابوس الإنشاء كان متلازمتي. حملت همّه سبع سنوات من الثالث الابتدائي حتى الرّابع المتوسط.

هو ذاك السطر ونصف السطر الأخيران في أسفل ورقة الامتحان. أن أكتب موضوعاً محدداً ازدادت جديته مع كلّ مرحلة. يكون على شكل (ذهبت أنت وعائلتك إلى رحلة في الطبيعة، صف ماذا رأيت)! أتسمّر أمام السؤال مستهجناً طريقة طرحه. أنا أصلاً أعيش في الطبيعة، والطبيعة عندي هي مساعدة والدي بأعمال الزراعة. لم أعرف ماذا أصف، لم أنتبه يوماً لتفاصيل محيطي. الرّفش، المعول، جدول الرّي، سلّم الخشب، القطاف، العمل تحت الأمطار، تحت شمس الصيف اللاهبة، ملابس الحقل الموحلة، وحمل صناديقٍ أثقل من وزني لمسافاتٍ طويلة… وماذا غير ذلك؟ قد أصف جدول الأعمال الزراعي، وستضحك المعلّمة استهزاءً! ينتهي نصّ إنشائي بأنني ذهبت مع عائلتي رحلةً إلى البحر، لعبنا بالماء والرمل، حضّرت أمي الطعام، بكى أخي الصغير، غابت علينا الشّمس، عدنا إلى المنزل، وكنت سعيداً جداً.

توزيع نتائج «المسابقات» سيكون على صوت عالٍ، وعادة ما كان يبدأ بالحاصل الأعلى والجميع سيعرف على ماذا حصلت. علامتي في الإنشاء استقرت بمعدل الوسط (10-11 من 20)، مجموع «أسئلة حول النص، القواعد والإعراب، الصرف والنحو في المرحلة المتوسطة، ونصف علامة دائمة على موضوع الإنشاء». كان ذلك حاصلي الشهريّ على «مسابقة» التعبير الكتابي. لا أنتظر اسمي، في صفٍّ عدده فيه ثلاثون ولداً، سأتسلّم ورقتي بعد الـ15 أو الـ16، كنت أعدّ الأرقام، ولا آبه للأسماء.

عوّدونا على تسميتها بكلمة «مسابقة»، ليس امتحاناً أو اختباراً! مسابقة… نُسابق من؟ ترتيب الأوراق من أعلى حاصل إلى أدناه؟ الأشْطَر إلى الأكْسَل؟ الأول إلى الأخير؟ هو التصنيف الذي اتّبعه النظام المدرسي ليخلق حواجز فاصلة بين من هم في مستوى عمريٍّ واحد. (زقفوله، زقفولها) للتلاميذ الثلاثة الأكثر تفوقاً. أن نعبّر عن سعادتنا لتفوّق غيرنا علينا هو بداية لمشروع تهجيننا! علامة التعبير الكتابي كانت حصتها 7 من 20، يعني ذلك ثلث العلامة. نصيبي منها لم يتجاوز الواحد أو النصف علامة. أكتب فقرة صغيرة، أملأ بها ثلاثة أو أربعة أسطر. أكتبها حتى لا تبقى الأسطر العشرة المنقطة في أسفل ورقة المسابقة فارغة. كثيراً ما حصلت على ملاحظة «خارج عن الموضوع» مع شطب كل ما كتبته بخطٍّ مائلٍ طويل بلونٍ أحمر. تكتبها المعلمة بأحرفٍ كبيرة وبخطٍّ عشوائي، كأنها تعبّر عن غضبها، توبّخني بصوتها العالي، تصرخ في وجهي. وجهها أحمر بلون حبرها، عيناها منتفختان بحجم أحرف كلماتها، تعرف أنني سأفهم المغزى، «أنت غبي، لم تفهم المقصود من السؤال، جوابك خارج عن الموضوع، ورأيك بالنسبة إلي غيرُ صائب». أعتاد على فكرة التّخلي عن حقي بثلث العلامة، أُكافِئ نفسي بما حصلت عليه مقتنعاً بأنني حصلت على معدل جيد جداً (10 أو 11 أو 13).

عوّدونا على تسميتها بكلمة «مسابقة»، ليس امتحاناً أو اختباراً! مسابقة… نُسابق من؟ ترتيب الأوراق من أعلى حاصل إلى أدناه؟ الأشْطَر إلى الأكْسَل؟ الأول إلى الأخير؟

غششت في إحدى المرّات عندما كنت في الثاني المتوسط، عرفنا أن مسابقة الإنشاء تتحدث عن موضوع العمل. اثناء «الفرصة» طلبتُ من أختي المتفوقة في الصف الثانوي الثاني أن تكتبَ لي مقطعاً عن العمل. أعطتني ورقة صغيرة فيها أسطر تصف عاملاً زراعياً، وصفاً دقيقاً يشبه والدي، يشبهنا، يشبهني! الموضوع يصف الرّفش، المعول، جدول الري، سلّم الخشب، القطاف، العمل تحت الأمطار، تحت شمس الصّيف اللّاهبة، ملابس الحقل الموحلة، وحمل الصناديق، ولكنها أضافت مستشهدة بقول النبي محمد «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، على اعتبار أن مواضيع الإنشاء التي تستشهد بقولٍ مأثور أو حديثٍ شريف تستحصل على علامات شبه كاملة في مدرسة دينيّة إسلاميّة. قرأت الورقة لمرة واحدة قبل أن أمزّقها نُتفاً صغيرة مخافة أن يُكشفَ أمري. علِق قليل منها في ذهني، استذكرته في الموضوع الذي أتى على شكل (صِف عاملاً رأيته يعمل، ماذا كان عمله، وما هو رأيك بالعمل). حصلت يومها على علامة 5 من 7 على موضوع الإنشاء. لم أكن سعيداً بما كتبته، لم أكن أنا من كتب، لم تلاحظ المعلّمة الفارق الجديد، لم أكن أريدها أن تلاحظ مخافة أن تسألني. أعرف أنني سأرتبك، ستحمرّ أذناي، سيُكشف أمري. ربما لاحظت ذلك وتجنبّت السّؤال، حتى لا أرتبك، ولا تحمرّ أذناي، ولا يُكشف أمري. ربما أرادت أن تُظهِر للإدارة أن تقدماً قد حصل عند بعض تلاميذها، لتثبت تفوّقها. من جديد، علينا أن نساهم وبصمتٍ بتفوّق غيرنا، على حساب سعادتنا. يشبه ذلك يافطات السّعادة التي تعلّقها المدارس في أيامنا هذه، بسبب نجاح تلاميذها وتفوقهم.

لم نتعلّم يوماً أن فكرة التعبير عن الرأي هي محض شخصية، وأن رأيك مهم حتى لو كان مختلفاً. نقرأ عن دول أخرى تفوّق تلاميذها لأنهم تشرّبوا ثقافة قبول الرأي الآخر واحترامه. «روحوا شوفوا باليابان شو بيعملوا» أو غالباً ما يظهر لنا على مواقع التواصل مواضيعاً وأفلاماً عن التعليم في فنلندا، المستوى الأعلى في العالم. نستهزئ من تلك الشعوب، نعزّي أنفسنا بتفوقنا «الجيني» في كل الأمور، في مستوى تعليمنا «المتفوّق على شعوب المنطقة» من دون أن ننتبه إلى ما يمكن أن يحدثه هذا التصنيف بمن هم حولنا، فتنتهي الحياة بجرعة سمّ أو طلقةٍ في الرأس لأنهم أقنعونا أننا خرجنا عن المجموعة، وأن ما كتبناه كان خارجاً عن الموضوع… فرسبنا.

لم نتعلّم يوماً أن فكرة التعبير عن الرأي هي محض شخصية، وأن رأيك مهم حتى لو كان مختلفاً.

لم أبرع في الكتابة يوماً، ولم يخبرني أحدٌ أن الكتابة هي سرد لتجاربنا، ونشر للوعي والمعرفة. أن نكتب لنتذكر، لنحزن، أو لنفرح. نكتب من دون خوف من الرقابة، غير آبهين بالحجب وعدم القبول. نكتب لأننا نحب أن نحكي عن أنفسنا، كما نرانا، من دون تصنيف أو تقييم.

لم أبرع في الكتابة يوماً، لكنني أحب اختلاق الحكايات كما أتخيّلها. ابن أختي (6 سنوات)، يأتيني كل يوم قبل أن ينام يطلب مني «خالو حكيلي حكاية». يحشرني في زاوية ذكراي القديمة… لا أعرف أي قصّة أحكي له. أروي له قصّة الصرصار والجندب التي أختلقها في وقتها. حفظها وصرنا نرويها معاً: كان ياما كان، صرصار أراد تعلم الطيران، يسأل الجندب ليعلّمه، فيردّ عليه الجندب، سأعلّمك بشرط واحد، أن تحكّ لي ظهري… يأتيه الصرصار ويحرّك شاربيه الطويلين على ظهر الجندب. يتدغدغ الجندب من شاربيّ الصرصار، يقلب على ظهره مغشياً من الضّحك، ويقلب ابن أختي على ظهره مغشياً من الضحك أيضاً، ضارباً كفّي يديه ببعضهما.

نحن الأطفال الغشاشون

إقرأ أيضاً