fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

ألف كذبة وكذبة: كل ما تعرفونه عن “علاء الدين”… خاطئ

تُطلق “ديزني” راهناً النسخة السينمائية الحيّة من فيلمها الكرتوني “علاء الدين” الذي أنتجته عام 1992، لكن بعض محبي الفيلم شعروا بالفعل بأن النسخة الجديدة لم ترق إلى مستوى التوقعات، بعد اختيار الممثلة البريطانية من أصل هندي نعومي سكوت، لأداء دور بطلة القصة، واختيار الممثل المصري – الكندي مينا مسعود، لأداء دور الشخصية الرئيسية، وويل سميث لأداء دور الجنيّ.  

وتمنى المعجبون الساخطون لو وقع اختيار الشخصيات الرئيسية على الممثلين العرب ووصفوا ذلك بـ”الفرصة الضائعة”. لكن إذا أرادوا حقاً تمثيلاً دقيقاً لشخصيات القصة المحبوبة، فيجب أن يؤدي جميع الأدوار ممثلون صينيون لأن قصة “علاء الدين” الأصليّة تدور أحداثها في الصين. علاوة على ذلك، فإن علاء الدين ليس طفلاً يتيماً يهيم في الشوارع، بل هو ولد كسول يعيش في منزل مع الدته، وعلى ما يبدو فإن والده مات بسبب خيبة أمله بولده الفاشل.

 وعلى رغم أصول القصة الشرقية المزعومة، كان عالم الآثار والمترجم والمستشرق الفرنسي أنطوان غالان هو من دوّن قصة علاء الدين في مطلع القرن الثامن عشر. كان غالان مشهوراً في موطنه بجلب حكايات غريبة من العالم العربي إلى صالونات باريس وبلاط قصر فرساي. فبعدما تلقى تعليمه في المدرسة اليسوعية في بلدة نيون الفرنسية، أُرسل غالان إلى السفارة الفرنسية في إسطنبول عام 1670 بوصفه خبير آثار مبتعث من بلاط الملك لويس الرابع عشر.

وعلى عكس الرحالة الأوروبيين النمطيين المسافرين إلى الشرق الأوسط في ذلك الوقت، لم يكن لِغالان مغامرات مع النساء، ولم ينغمس في الرذائل الأخرى مثل زملائه. بدلاً من ذلك، تكشف تدويناته اليومية عن رجلٍ رزين مجتهد يحتفظ بروايات وقصص مُملّة من المخطوطات التي صادفها في المكتبات ومحلات بيع الكتب.

 من 280 إلى 1001 قصة

 كتشف غالان مخطوطة بعنوان “رحلات السندباد” في إسطنبول، ونشر ترجمة لها عام 1701. ألهمه النجاح النسبي لترجمته “السندباد البحري” -الاسم الذي عُرفت به في ما بعد-  لترجمة مخطوطة سورية مؤلفة من ثلاث مجلدات بعنوان “ألف ليلة وليلة”، والتي يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر أو القرن الخامس عشر.

 ظهرت أول مجموعة مكتوبة لما عُرف في ما بعد في الغرب باسم “ليالي عربية” باللغة الفارسية في القرن الثامن، وتضمنت قصصاً من حكايات هندية وفارسية وإغرِيقية وعربية تم توارثها ونقلها شفهياً. ويُعتقد أنها تُرجمت من الفارسية إلى العربية في فترة ما خلال القرن الثامن ونُشرت تحت عنوان “ألف ليلية”. لم تبدأ المجموعة في الانتشار إلا في القرن التاسع أو العاشر، خلال عصر الدولة العباسية، بفضل جهود كبيرة في العراق من أجل توفير المزيد من السجلات الفنية والأدبية المكتوبة. وعلى الأرجح، طرأ عدد لا يحصى من التغيُّرات على المخطوطة السورية التي عثر عليها غالان وترجمها مقارنة بالترجمة العربية الأولى قبل عدة قرون.

نُشر أول جزء من مجموعة غالان القصصية المكونة من 12 مجلداً عام 1704 تحت عنوان Les Mille et Une Nuit، “ألف ليلة وليلة بالفرنسية” وكانت تلك هي أول ترجمة أوروبية تُنشر لهذه الحكايات على الإطلاق. واحتوت تلك المجموعة على 280 حكاية فقط من المخطوطة الأصلية، لذا وحتى يرتفع عدد الحكايات إلى 1001 حكاية، أضاف غالان قصصاً -مثل الكثير من الكتُّاب الذين سبقوه- من مصادر عدة غير مترابطة.

 من ضمن القصص التي أضافها غالان كانت حكايات: “علاء الدين” و”علي بابا والأربعون لصاً” و”السِندباد البحري”؛ وهي قصص ستنسب خطأً عمّا قريب إلى شهرزاد، رَاوية القصص الخيالية الشهيرة في الكتاب الأصلي “ألف ليلة وليلة”. (في القصة، أنقذت شهرزاد حياتها من خلال قصّ حكايات في كل ليلة على سلطان يتزوج من امرأة جديدة كل ليلة، ثم يقتلها في اليوم التالي لمعاقبة بنات حواء على خيانة زوجته التي أحبها).

 تُشير مادلين دوبي، أستاذة  الأدب الفرنسي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، إلى حكايات غالان التي تفتقر إلى مخطوطات معروفة المصدر بوصفها “حكايات يتيمة”. وهو ما يطرح السؤال التالي: هل “علاء الدين” حكاية فرنسية أم شرق أوسطية؟

 وأخبرتنا دوبي عن، “باحثين ذهبوا إلى أنه ليس من قبيل المصادفة أن تدور قصة “علاء الدين” حول التسلُّق الطبقيّ. كان “الطموح والتطلُّع” سمة طاغية في فرنسا خلال القرن الثامن عشر. ليست مصادفة أيضاً أن تُصوّر القصة العرب على أنهم لصوص، لأن هذا سيتحول إلى سمة عامة يتبناها المستشرقون بشكلٍ لافت”، أو هو تصوير مثير للشرق يتبعه عادةً كُتَّاب الغرب.

جدير بالذكر أن الحكايات الخرافية كانت ذات شعبية كبيرة في بلاط قصر فرساي في هذا الوقت، لذا كان من اليسير على غالان أن يدمج بين حب القصص والاهتمام المتزايد بالشرق الأوسط.

لكن ربما لم يكن غالان هو المؤلف الوحيد لِحكاية “علاء الدين”. فأثناء إقامته في باريس، أصبح صديقاً لِرحالة سوريّ، وهو عالم ماروني مسيحي يُسمى حنا دياب.

يُعتقد أن دياب، الذي لا تزال هويته  تتسم بشيءٍ من الغموض، هو من نقل حكاية “علاء الدين” البطولية إلى غالان. وحتى اليوم، لم يُعثر أبداً على مخطوطة عربية لتلك القصة.

لم يستمد كتاب “ألف ليلة وليلة” قصصه من الحكايات الشعبية فحسب، وإنما من خبرات وتجارب غالان ودياب الحياتية أيضاً، تقول دوبي موضحةً. اصطحب تاجر فرنسي دياب مرة إلى قصر فرساي حتى يتمكن من عرض مقتنياته التي جمّعها خلال أسفاره على هواة جمع تحف فرنسيين. وتُضيف، “تحدث أمورٌ لحنا دياب خلال سفره مع هواة جمع التحف الفرنسيين، وخلال تجربة عرض مقتنياته في قصر فرساي بكاملها، وهي أمور تتسق فعلياً مع الأحداث المذكورة في قصة علاء الدين”.

وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن علاء الدين، مثل غالان بطريقة ما، خلّص نفسه من أصوله المتواضعة. أتى غالان من خلفية متواضعة اجتماعياً وكان محظوظاً لتلقيه تعليماً يسوعياً، ثم المضي قدماً والعمل لمصلحة الملك الفرنسي. تضيف دوبي، “يمكننا حقاً التفكير في حكاية “علاء الدين” ليس فقط من منظور كونها قصة فرنسية أم عربية، وإنما بوصفها قصة عن الترحال… عن شخصٍ يحاول فهم العالم الآخر”.

قصة علاء الدين متأثرة بالخبرات المشتركة للرحالين، لكن وضع دياب بصفته أجنبياً، ساهم بشكلٍ كبير في رغبة علاء الدين في الثروة والمكانة. يتشابه قصر السلطان في قصة علاء الدين بشكلٍ لافت مع سجلات دياب الشخصية التي تُفصّل مظاهر الترف في قصر فرساي. يقول باولو ليموس هورتا، أستاذ مساعد في الأدب بجامعة نيويورك، والذي نشر كتاب “لصوص مدهشون: المؤلفون السريون لكتاب ألف ليلة وليلة”، “تتشابه أحجام الحُلي التي ترتديها أميرات فرساي وعددها وألونها كما يصفها حنا، مع تلك الموجودة في قصة علاء الدين”.

في عصر غالان، كانت الصين مكاناً خيالياً ذا شعبية يرتبط بالثراء. ولذا، فقد جعل الرواة أحداث قصة علاء الدين تدور في الصين، لكنهم أضفوا عليها الثقافة والشخصيات الإسلامية المرتبطة بعلم الكونيات الإسلامي.  

قد تكون روايات دياب عن الغرب أكثر تشابهاً مع عالم علاء الدين من روايات غالان عن الشرق، لكن لا يوجد في سجلات غالان الشخصية ما يثبت أن القصة هي نتاج شخص ماروني مسيحي من سوريا.

يقول هورتا، “هناك شيء غريب وغامض في ما يخص أصول هذه القصة تحديداً، لأنه من بين كل القصص الأخرى التي أُضيفت باللغة الفرنسية، هذه هي القصة الوحيدة التي لا ملخص لها في مذكرات غالان”.

يجب تناول القصة باعتبار أنها نشأت بشكل مشترك ومتزامن بين سوقيْ تجارة عالميين عظيمين؛ هما صالونات باريس ومقاهي حلب. يقول هورتا، “يصعب تحديد الخطوط الفاصلة بين استشراق الرحالة الفرنسي في الشرق الأوسط واستغراب الرحالة العربي في باريس وفرساي”.

الكوفية والطّربوش والعمامة

لم تساهم قصة قصة علاء الدين في تمجيد “ليالي عربية” باعتبارها مجموعة أصيلة من الحكايات القديمة في الشرق الأوسط فحسب، بل كرست فكرة مسبقة عن الشرق الأوسط باعتباره متدني أخلاقياً، إضافة إلى الاعتقاد بأن نساء الشرق الأوسط كنّ إما مضطهدات للغاية أو مهمشات عبر إضفاء طابع جنسي عليهن علانية وبشكلٍ سافر.

تظهر تلك الأفكار في المشاهدة الافتتاحية في نسخة الرسوم المتحركة التي أصدرتها “ديزني”، عندما يقوم التاجر المسافر وحيداً عبر الصحراء بتقديم مدينة أغربة إلى المشاهدين، مدينة “السحر والغموض” الخيالية. ويغني للبلاد “البربرية” البعيدة حيث “تتجول قوافل الجمال”. (بعد احتجاجات شعبية قامت ديزني بتغيير السطر التالي من الأغنية “حيث يقطعون أذنيك إن لم يعجبهم وجهك”، إلى “حيث الأرض مستوية وهائلة والحرارة شديدة”).

كان من المقرر أن تدور أحداث فيلم عام 1992 في بغداد، المدينة المرموقة خلال العصر الذهبي للإسلام. لكن نظراً إلى تدخل الولايات المتحدة في حرب الخليج الأولى، والتي لم تنتهِ إلا في العام السابق لعام الفيلم (1991)، قررت ديزني أن تدور أحداث الفيلم في مدينة أغربة الخيالية.

تقع أغربة على ضفاف نهر الأردن، في حين أن المناظر الطبيعية والشكل المعماري للقصر ينمان عن تأثر واضح بالهند وبلاد فارس، وكذلك ملابس الشخصيات. في أحد المشاهد، يتجمع الرجال في حشدٍ وهم يرتدون أغطية رأس مختلفة، منها الكوفيات والطرابيش والعمائم.

بالكاد تكون مشاهد الفيلم شرقية، ربما كان ذلك إقرار متعمداً بالأصول المتنوعة للقصة، أو مجرد تجميع لمناطق متفرقة ينم عن جهل بالشرق.

مَهووسات بالجنس وعاجِزات

ربما لم تعرف ديزني أن حكاية علاء الدين لم تكن جزءاً من قصص شهرزاد الأصلية، وأنه تم تأليفها بعدها بألف سنة. في أي حال، يكرس فيلم عام 1992 القوالب النمطية للمستشرقين: هؤلاء الذين يتكلمون بلكنات هم إما أشرار أو شخصيات فكاهية، وغير ذوي اللكنات –علاء الدين وياسمين- هم الشخصيات التي يمكن أن يتعلق الجمهور بها، والقادرة على الوقوع في الحب والسعي إلى عيش حياة أفضل. يقدم الفيلم للجمهور عالماً من السحرة والجن، حيث النساء يُجسدن نزوة الحرملك، ويرتدين حمالات الصدر ووشاحات الرأس في الأسواق.

خلافاً لمعظم أفلام أميرات “ديزني”، فياسمين ليست الشخصية الرئيسية، بل العشيقة. وبينما تغني نظيراتها من الأميرات الأوروبيات في الأفلام الأخرى للعصافير ويحضرن حفلات الرقص المنمقة، تلجأ أول أميرة غير أوروبية إلى إغواء جعفر؛ خصيمها الذكر الذي يكبرها بسنوات والرجل الذي يُفترض بها الزواج منه. الأميرة ذات حمالة الصدر الفيروزية والبنطال الفضفاض، المتمردة على القمع الذي تعيشه، والتي يصفها جعفر “بالهرّة”، هي واحدة من أكثر شخصيات ديزني التي أُعطيت طابعاً جنسياً.

بعد نشر كتاب غالان “ألف ليلة وليلة” في ثمانينات القرن التاسع عشر، قام الأكاديمي الإنكليزي ريتشارد برتون –الشهير بتوثيق رحلاته حول العالم- بترجمة ما قيل إنه النسخة الأكثر شمولاً من القصص إلى الإنكليزية.

يحتج المؤلف الإيراني الأميركي رضا أصلان بأن برتون نوى أن تكون المجموعة بمثابة كتيب تعليمات جنسي للرجال البريطانيين في العصر الفيكتوري. وقد اشتملت نسخة برتون على الحواشي المُفصّلة حول العادات الجنسية “الشرقية”. اصطدم الانفتاح الجنسي الذي ينسبه الباحثون إلى العصور الوسطى في الشرق الأوسط، والذي لا يمكن إنكاره في بعض الحكايات في كتاب ألف ليلة وليلة، اصطدم بشدة مع قيم كثر من القراء الأوروبيين وسرعان ما صار مُتنفساً لإشباع فضول رجال العصر الفيكتوري المكبوتين جنسياً.

بعد نسخة غالان من الحكايات، أخذ كثر من المترجمين ذوي المعرفة الضئيلة أو المعدومة تماماً بالشرق الأوسط، على عاتقهم تلبية المطالب الجديدة بحكاياتٍ شرقية مشوقة. ويظهر ذلك في الإفراط في وضع النساء في قوالب جنسية، إضافة إلى التلميحات الجنسية الموجودة في كل قصة ذات أصل عربي. واشتهرت أيضاً ترجمة كتاب “الكاماسوترا” (علم الجنس الهندي). وبمرور الوقت، سوف تنتشر تلك التوجهات للحط من قدر العرب، وتصوير النساء العربيات عاجزات ومقهورات، وتنميط الشخصيات شرق الأوسطية في الأفلام كشخصيات إرهابية.

وبينما يأمل كثر من محبي علاء الدين أن تكون إعادة صنع الفيلم فيها تصحيح لأخطاء نسخة عام 1992، لا يمكن إرجاع أصل الحكاية نفسها إلى كونها قصة شرق أوسطية أصيلة. فليحاولوا قدر ما يستطيعون، إذ سيستحيل على صناع الأفلام في ديزني أن يصوروا بدقة قصة لا تزال أصولها غامضة.

لكن على رغم كل شيء، ما زال المنتجون يستثمرون أموالهم في حكايات ألف ليلة وليلة، يرجع السبب جزئياً إلى التحوّل المحبب (الغنى بعد الفقر) وعلاقة الحب المحكوم عليها بالفشل في حكاية علاء الدين، وأيضاً لأن الحكايات توضح شيئاً عن تاريخ العلاقة المعقد بين الشرق والغرب. قصة علاء الدين هي قصة الاستشراق.

 

هذا المقال مترجم عن haaretz.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً