“أقف بين القاتل والقتيل”: اشتباكٌ في شارع الرشيد

زهير جزائري – كاتب عراقي
ديسمبر 9, 2019
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.

في الطريق إلى سوق الكتب في شارع المتنبي، جذبني الاشتباك في شارع الرشيد. قبله رأيت العجب: أمامي تماماً مدرعة خاصة بـمكافحة الشغب تتحرك ببطء بسبب الزحام. لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس. 

من بين جدران المدرعة وقف عسكريان مقنعان رشاشاتهما في حالة تأهب قصوى، موجهة نحو الناس على الجانبين. في طريقة العرض يقلدون مدربيهم الأمريكيين: الحبة في بيت النار، والعين على الفرضة والشعيرة. الغريب في المشهد أن أربعة من المتظاهرين لفَوا الأعلام العراقية حولهم وتعلَقوا بالمدرعة. لابد أنهم سألوا الشرطة عن اتجاههم ووافق رجال الشرطة على أن يأخذونهم إلى الموقع حيث سيشتبك الاثنان. أمام المدرعة تماماً سيارة من نوع بيك اب، تكدّس في حوضها صبيان يرقصون لمشاكسة ومداعبة الشرطة، التي سيطلق عناصرها النار عليهم بعد قليل. خارج ساحة المعركة وعلى مسافة دقائق يبدو الأمر كما لو أنها مباراة ودية، لكن عند الحواجز سينقسمون إلى قاتل وقتيل. 

توقفتُ على مسافة أمتار من الحواجز الكونكريتية التي تسد الطريق إلى البنك المركزي. هل أذهب إلى الكتب في شارع المتنبي أم أراقب المشاهد وهي تغنيني عن الكتب؟ أراقب أجساد الشبان وقد تقوست استعداداً للقفز. لماذا يصرّون على اقتحام الموقع مع أنه بعيد عن الجسر؟ لا أصدق أن الهدف هو المال وحده، أن ينهبوا البنك. طبيعتي تقول لي الناس طيبون بالفطرة. لا يمكن لهذه التضحيات أن تكون من أجل المال وحده. الاعتصام دائماً هو الخطوة التي تسبق احتلال المجال العام، والمجال العام يتجه نحو الجسور. الجسور توحد الغضب على جانبي النهر. والجسور هي القوس النموذجي لمعركة حيث لا مكان للاحتماء. ما من مكان للسلامة سوى الاندفاع قاتلاً أو قتيلًا. المتظاهرون الشبان ملّوا من البقاء ساكنين في الخيام، فخرجوا للاستيلاء على الفضاء الأوسع. حشدٌ من الأفعال الصغيرة يقوم بها شبان مجهولون. من مجموع هذه الأفعال سيُصنع التاريخ الذي سيتجاهل تفاصيل الأحداث والجنود فيها. ستختصر الشهادات ببضع كلمات باردة (الاضطراب عم البلد…) وتدفن هذه المشاهد الباهرة تحت قبور من الكلمات. 

مع الاشتباك تغيرت الحياة المسترسلة في ساحة الرصافي. انكسرت دائرة باعة الخضار. انزاحوا إلى الجانبين بعيداً عن قنابل الغاز التي تريد أن تبعد المتظاهرين عن الحواجز. شابان غادرا مكان احتمائهم وراء أعمدة الشارع، وخرجا إلى العراء، ليلتقطا القنبلة ويطفآها في قدر طعام. صبي اختبأ خلف الساتر الكونكريتي، أرى نصف وجهه المتأهب، بانتظار توقف الرصاص ليتسلق الحاجز أو يسقطه. حفنة من شبان وصلوا وهم يركضون بمرح عجيب. أراقب المشهد وقد مددت ساقاً متوترة لأعبر إلى الجهة الأخرى. أردتُ أن أقلد خفة الصبية وقفزاتهم ثم ترددت وقد أدركت أن المشهد لا يليق بشيخ مثلي. سألني الصبي قبل أن يقفز:

ـ هل تريد مساعدة يا حاج؟

أنا عالق بين عمود الإسمنت وبين الرصاصة المحتملة. خوفي يعلمني تلقائية الفعل القادم. الحركات تتقاطع. هناك صبي خلف العمود قفز إلى جهتنا. لم يفكر طويلاً إنما فعلها تلقائياً. قلّص جسده وغار الرأس بين الكتفين وسار لولبياً ليتيه القناص…

-من أين تعلم هذه الحركات؟ 

من المشاركة، أقول لنفسي. من خلال فعل الناس القريبين والتحاور معهم بالأفعال. أسمع آخر، لابد أنه أكبر عمراً، يصرخ من وراء العمود:  

“ديروا بالكم هذا رصاص حي”.

الغريب في المشهد أن أربعة من المتظاهرين لفَوا الأعلام العراقية حولهم وتعلَقوا بالمدرعة.

أترك القتلى لأبحث عن القاتل. هل ارتجفت يده؟ لابد أنه لعن المهنة وأطلق رصاصة؟ في البداية كان تصور القاتل كما رآه أحد فناني “فيسبوك” شبحياً مقنعاً، يختفي وراء عسكري رسمي، هو من سماه عادل عبد المهدي (طرف ثالث)، لكن بعد سلسلة المجازر وختامها في الناصرية، توضح وجه القاتل، وهو السلطة. السلطة متأزمة، ليس لديها الوقت للدخول في التفاصيل التي ستلي. تعطي الأوامر دون أن ترى التنفيذ. لا الجثث ولا الدم، ولديها تبريرها الجاهز: “الوطن أهم من الدم”! 

يبدو كلام مرتضى ليناً إزاء شباب الحواجز الذين يرونها “سلطة عدوة رهينة عدو خارجي”. ولذلك يبدو المولوتوف مجرد بداية. 71٪ من المتظاهرين حسب استطلاع رأي أجرته إحدى منظمات المجتمع المدني يريدون تغيير النظام بكامله.

ليلة الرعب في بغداد: الميليشيات تفتح النار على المتظاهرين

إقرأ أيضاً

ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
ترجمة- Vox
“لم أكن أعرف الشعور الذي خالجني حينها. فلم أستطع الإفصاح عن أنني مسرور لأنه مات، ولم أستطع القول إنني سعيد”… ماذا قال الشباب الإيراني عن مقتل سليماني؟
عبير محسن – صحافية يمنية
ليس هناك ما هو أقسى من أن تقف الأجهزة الأمنية والقضائية التي تعد ملجأ المغلوب على أمره وحامي المظلوم الذي لا حيلة له، في وجوه النساء اللاتي يطالبن بأول حق مكفول للإنسان “حق الحياة”.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
سقطت حكومة الحبيب الجملي، بعدما فشلت في إقناع نواب البرلمان التونسي باستقلاليتها وكفاءتها. سقوط وضع حداً لطموح اللاعب الذي اختاره رئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، ليكون في الواجهة كـ”مستقل”.
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
اتسمت الليلتان الأخيرتان بعنف مفرط لم تشهده الانتفاضة اللبنانية منذ بدايتها… هنا بعض الصور التي تُظهر مشهدية ليلتي العنف في بيروت.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email