fbpx

هنا القصة الثالثة

مينا إبراهيم - باحث وأكاديمي مصري

مينا إبراهيم - باحث وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

أقباط مصر… الكنيسة والقهوة والسجن

لم يكن صديقاً، لا أذكر إن كنا قد تكلمنا أكثر من مرة أو مرتين على سبيل المصادفة. فقط كان “رفيق مساحات” مختلفة، جمعتنا أماكن ثلاثة من دون أي احتكاك أو تعامل حقيقي: الكنيسة، والقهوة، والسجن…

“الأولى آه.. كانت الكنيسة”

كنت آراه بعد فقرة الترانيم والتسبيح، التي كانت تسبق تقسيمنا إلى فصول بحسب مناطق سكننا في حي شبرا في شمال القاهرة. كان ذلك في أيام الجمعة، وكانت الفصول تسمى مدارس الأحد. فالجمعة هو يوم العطلة الرسمي لمدارس جمهورية مصر العربية وأشغالها، وفي تلك الحالة الإسلامية أيضاً. أما الأحد، فهو يوم العطلة للغرب المسيحي، الذي نشر مسيحيته في الشرق. وبين الجمعة والأحد، يحار القبطي المسيحي في مصر، في تحديد اسم المكان الذي يتلقى فيه تعاليم دينه. فكان الاختيار مساومة، أن يطلق عليه خدمة مدارس الأحد، وأن يكون في أيام الجمعة.

صباحات أيام الجمعة، وخلال دوام مدارس الأحد، كنت أراه في محل “البلاي ستيشين” الذي تفصله عن الكنيسة أقل من مئتي متر. كان يلعب لعبة كرة القدم الالكترونية، التي كنا نسميها “اليابانية”. فقد كانت أسماء اللاعبين والفرق باليابانية، وعلى رغم من ذلك، كنا نستطيع تحديد هوية معظم اللاعبين. “اتنين فوق، اتنين تحت، شمال يمين، شمال يمين، اكس، أو.” كانت هذه هي الشفره التي كنا نحفظها وننفذها على أذرع البلاي ستيشين، والتي كانت تتيح لنا اللعب بمنتخبات خارقة تضم كل نجوم العالم وأوروبا. كنا نحفظ كل هذه الأشياء، ربما أكثر من الترانيم والتسابيح.

كنا نتهرب من فقرة الترانيم إلى محلات “البلاي ستيشين”، و”أكشاك الحاجة الساقعة”، والإنترنت “سايبر كافيه”، لنكسر ملل حصص اللغة العربية، والتاريخ والعلوم، التي اكتفينا بها طوال الأسبوع في مدارسنا. كانت الترانيم بالنسبة إلى كثيرين من جيلنا فقرة مملة رتيبة، تتكرر فيها الأغاني ذاتها، من دون تغيير، اللهم إلا قليل. كنا لا نكترث بالمكافآت، التي كان يعدنا بها القائمون على خدمة مدارس الأحد للحضور من الدقيقة الأولى. كان الأهم هو أن نفوز على من هزمنا يوم الجمعة الماضي، حتى نستمر في استفزازه إلى أن نلتقي مرة أخرى، خلال مدارس الأحد، يوم الجمعة المقبل.

لا أتذكر أنني لعبت “غايم” بلاي ستيشين أو شربت “حاجه ساقعة” مع “رفيق المساحات”. لم يجمعنا سوى المكان، الذي اخترناه بعناية، حتى نبعد من أعين اساتذتنا في مدارس الأحد. كذلك كنا نختار بعناية الطريق إلى الكنيسة، لنلتحق بفقرة الدرس، من دون أن يلاحظ أحد تأخرنا. وإن حدث، واشتدت المنافسة في محلات “البلاي ستيشين”، نتهرب أيضاً من تلك الفقرة. والحجج كثيره لغيابنا. الأهم أن نلعب ونمرح ونستغل وقتنا في كل ما هو تافه ومثير للغرائز الشبابية، التي تعلمنا أنها حرام، أو “لا تليق”، كما يحلو للأقباط تسمية “الأخطاء”. فقد قيل لنا إن ألفاظاً كالحلال والحرام تطلق عند المسلمين فقط، وإن كانت بالطبع تعبر عن المعنى نفسه.

“الثانية آه .. كانت القهوة”

“القهوة عالم بحاله قايم… فيه اللي قاعد جنب اللي هايم… وفيه تلاهي وفيه عبر… وفيه تلاقي كل البشر”. كلمات كنت اسمعها من سامية الأتربي مقدمة برنامج “حكاوي القهاوي”، الذي كان يذاع على قنوات التلفزيون المحلي، منذ أكثر من عشرين عاماً.

حفظت هذه الكلمات وأدركت مدى صحتها، عندما بدأت الانضمام إلى “عالم القهاوي” عندما كنت في السنة الثانية أو الثالثة من الجامعة. انضمامي للقهوة التي تجاور الكنيسة في شبرا جاء متأخراً عن “رفيق المساحات”. تأخري هذا ناتج عما كنت اتصوره التزاماً دينياً. فإن كانت محلات “البلاي ستيشين” تؤخرنا عن اللحاق بخدمة مدارس الأحد يوم الجمعة، فالقهوة تؤخرنا عن الانضمام لملكوت السموات بعد موتنا. هو “مكان كله عثرات ومشاكل… مكان مفيهوش ربنا… الملاك الحارس مش هيكون معاك هناك”، كلمات كنت اسمعها من أساتذتنا في الكنيسة، تضم في طياتها مساحات أخرى مثل السينما والبارات والملاهي الليلية.

ولكن كلمات سامية الأتربي ظلت الأقوى. بان صداها بعد دخولي إلى هذا العالم، وعجبت مما يقولونه عن سلبيات القهوة وغيرها من الأماكن. فمن رحم القهوة ومثلها من الأماكن تولد حلول لمشكلات الناس وضغوطاتهم اليومية. لماذا يعتبر البعض أن الكنيسة يجب أن تكون مركزاً للحياة بالنسبة إلينا، وأن منها تخرج كل التعاليم والأفكار عن كيفية خوض مصاعب هذه الدنيا؟ فهناك الكثير من المشكلات التي لا تحل إلا بالجلوس على القهوة لساعات طويلة، ومن خلال إقامة علاقات مع أناس لن تقابلهم في أي كنيسة، وصعوبات لن تسمعها في أي عظة.

قهوة “الإنعاش”، تجاور كنيستنا في شبرا. ليس هذا هو اسمها، ولكنه كناية عما يجد روادها من وقت جميل وصحبة جيدة، تخفف من ضغوطات الحياة، التي تتسبب أحياناً في “إغماءات” ومتاعب نفسية. “الإنعاش” هي عالم قائم بذاته، له خصائصه ومشكلاته ومناقاشاته وقوانينه. وله خدمته أيضاً، فهناك القهوجي الذي يرص “حجر المعسل” على الشيشة، وهي خدمة لا يجيدها كثيرون. وهناك أيضاً الخدمات والنصائح المجانية، التي يتناوبها أعضاء الطاولة الواحدة، والذين قد لا تعرف أسماء معظمهم. فما فائدة الحياة إذا لم نقابل أشخاصاً جدداً كل يوم، وإذا لم تتسع مداركنا لما هو غريب ومكروه؟

بينما كنت أتحسس أيامي الأولى في عالم القهوة، واخشى أن يراني احد هناك، بحرص أكبر من أيام الصبا و”البلاي ستيشين”، علمت من أحد أصدقائي، أن “رفيق المساحات” إياه عضو قديم وأصيل في “الانعاش”. “ازيك؟ عامل ايه؟ بتشتغل إيه دلوقتي؟” كانت هذه هي الأسئلة السريعة هي كل ما تحدثنا فيه، عندما تصادف أن غادرنا القهوة في الوقت ذاته. لأسباب مختلفة، لم أعد أذهب إلى الكنيسة لأقابله هناك. ولأسباب أخرى عرفت انه قلل مشاويره إلى الكنيسة أيضاً.

فماذا لو أن كل الأقباط زاروا عالم “القهاوي” وأصبحوا جزءاً من حكاياتها، التي تقبع خارج أسوار الكنيسة وخدماتها؟ كيف سيتغير معنى المكان المسيحي في مصر، وكيف لمعضلة قانون بناء الكنائس “الأزلية” أن تتغير، لو أن القهوة أصبحت المكان الوحيد الذي يجمع الأقباط؟ أو حتى نكون اكثر واقعية، كيف ندرّس الأقباط الذين لا يذهبون إلى كنائس، ويعتمدون في حياتهم على الخدمات التي يتلقونها في القهوة أو البار او الملهى الليلي؟ هل نستطيع ان نتحدث عن حقوق الأقباط كأقلية دينية من خلال من يدخنون “الشيشة” (نرجيلة) أو يشربون البيره والويسكي وغيرها من المسكرات؟ هل يحرمون من نعمة الحق في العيش والكرامة والحياة، لوجودهم في الدوائر التي “لا تليق”؟

“الثالثة آه.. كان السجن”

الأسئلة التي أطرحها في الفقرة السابقة، ما هي إلا محاولة لإعطاء أهمية أكبر للأفراد المسيحيين ولعلاقاتهم اليومية عن المباني الخرسانية، التي يخصص لها النظام السياسي الحالي في مصر ميزانيات ضخمة ومهولة. من الجميل أن تبني أكبر كاتدرائيه قبطية أرثوذكسية في ما يسمى العاصمة الإدارية الجديدة، بل ومن الرائع أن تقيم فيها الصلوات والقداسات بحضور رئيس البلاد، ليطمئن الاقباط إلى أن مصر “أم الدنيا” تحتضن كل أديان الدنيا.

من الجائز أن تحتضن كل الأديان، ولكن ماذا عن أصحاب هذه الأديان ومعتنقيها، الذين يذهبون في بعض الأحيان إلى أماكن “لا تليق”، أو يقيمون علاقات في مساحات، لا يحبها من يتكلمون باسم الله. بناء الكنائس يحل جزءاً من مشكلات الأقباط، ومن الخدمات التي يريدون أن تتوافر لهم في حياتهم. ولكن تبقى المشكلة، أن تلك الخدمات لا تغطي احتياجات أكبر اقلية مسيحية في الشرق الأوسط ورغباتها وحقوقها ومتطلباتها.

سافرت إلى بيروت لاستكمال دراستي، قبل أن أعود في الإجازة الصيفية الماضية، لأذهب إلى قهوة أخرى غير “الإنعاش”، وكان من اليقين أن أجد عالماً جديداً وحكايات كثيرة جديدة. هناك صديق كان في انتظاري. كان طلب مقابلتي، بعد أن عرف أن مشروع الدكتوراه الخاص بي يهدف إلى دراسة كل من هو خارج عن تغطية الخدمات التي تقدمها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر. بعد “حجرين المعسل” غاية في الجمال، قال لي أن هناك اثنين من أصحابه أدمنوا المخدرات من فترة ليست بالبعيدة، وإنهم يصرون أن يتوقفوا عنها، بعد أن كاد أحدهم يسجن بتهمة التعاطي.

استمر حديثنا قرابة الساعة. استمعت منه إلى قصص أخرى لمسيحيين أقباط نعرفهم، كانوا قد دخلوا السجن لتهم مختلفة. ربما فتح معي صديقي هذا النقاش، بعد عن عرف أنني سجنت لفترة وجيزة، بسبب نشاط سياسي عام 2016. “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب” كما يقول المثل المصري. فأنا لست “طبيباً”، كمثل الذين في الكنيسة، الذين يتبعون تعاليم الكتاب المقدس، ليساعدوا كل محتاج. أما “المجرب” فهو من خاض تجربة بين جدران الزنزانة، هو من ذاق العزلة والوحدة عن العالم سواء لأيام أو شهور أو سنوات، وهو من يريد أن يحول عزلته تواصلاً مع من يمر بهذه التجربة الآن.

فكرت في أن داخل السجون تتهمش الهوية القبطية المسيحية، وتحل محلها بدلة زرقاء يكتب عليه رقم، ليصبح السجين “نمرة” ضمن نمر كثيرة لمساجين ذاقوا التجربة ذاتها

كان صديقي في “القهوة الجديدة” يقلب صور المحبوسين في هاتفه المحمول، وهو يذكر أسماءهم. نعم، كما يتوقع من يقرأ هذا المقال، وجدتني أنظر إلى صورة “رفيق المساحات” إياه في قسم شرطة، وقد قبض عليه مع عصابة تخصصت في سرقة الجزء الداخلي لإطارات سيارات من أحد أحياء القارة الراقية. ربما لحاجة مادية أو لظروف أخرى لا أعرفها، فعل هذا. ولكن بعيداً من أي مبررات وأسباب، فكرت في ما أتى به إلى السجن، على رغم من نشأته في الكنيسة، في خدمة مدارس الأحد يوم الجمعة. أليست المؤسسة الكنسية توفر العناية الروحية والمادية لشعبها؟ أليست تدعي أنها توفر لهم الغطاء الاجتماعي والسياسي لتمثيل كل ما يخص شؤونهم وحياتهم اليومية؟

فكرت في أن داخل السجون تتهمش الهوية القبطية المسيحية، وتحل محلها بدلة زرقاء يكتب عليه رقم، ليصبح السجين “نمرة” ضمن نمر كثيرة لمساجين ذاقوا التجربة ذاتها. يحاول البعض داخل الكنيسة أن يقوموا بتنظيم خدمة يطلقون عليها “خدمة السجون”، تهدف إلى “تقويم” “المنحرفين والمنحرفات” وإرشادهم، في المجتمع. الخدمة هنا لا تندرج تحت لافتة حقوق الأقباط، أو حقوق الأقليات الدينية، مثل مدارس الأحد. فهذه الحقوق لا تعطى إلا للمثاليين، للنماذج الإيجابية، التي تستطيع أن تكون خير نموذج لكل ما هو “لائق” في جمهورية مصر العربية، والاسلامية في بعض الأحيان. خدمة السجون هي بالأحرى جزء من “حقوق المساجين”، التي قد نجدها في ميثاق منظمة العفو الدولية، أو غيرها من المنظمات المعنية بالشؤون السجنية.  

سيخرج “رفيق المساحات” من السجن بعد نحو ثلاث سنوات، وهي مدة العقوبة التي نالها أخيراً. قد يرجع بعد هذه المدة إلى أحضان الكنيسة كلياً، ويصبح مؤهلاً للدخول في جماعة المؤمنين، ليطالب بحقه كقبطي مسيحي “مثالي”، وقد يبقى “مجرماً ثائراً” على وضعه المادي والاجتماعي، يحلم احلاما أكبر وأوسع من خيالات من يدعون تمثيله أمام الدولة. فيذهب إلى القهوة لإعادة اكتشاف علاقات جديدة ومختلفة، أو ربما لمحلات “البلاي ستيشين”، متذكراً “شقاوة” أيام الطفولة. ومن المحتمل أن يعود إلى السجن أيضاً، لتبدأ الدائرة المفرغة إعادة نفسها بين السجن، والقهوة، والكنيسة، وربما أماكن أخرى ترتكز على خدمات وحقوق، ذات هويات وعناوين وسلطات مختلفة.  

إقرأ أيضاً:

أقباط مصر.. الصلاة برخصة وأشياء أخرى

“أين ذهبت شادية”؟ : قصة أخرى عن المكان المسيحي الغائب في مصر

إقرأ أيضاً