fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

أفغانستان : التلوث أقسى من الحرب…

يعجّ عنبرُ الأمراض الصدرية في مستشفى إنديرا غاندي للأطفال في كابول -والذي أُنشئ بمساعدات هندية- بأطفال يصارعون من أجل الحياة. بعضهم يصرخ أثناء العلاج، فيتردد صوت الصرخات عبر الجدران. في غمرة الصرخات، يكافح الأطباء والأهالي والمرضى من أجل الحياة وتخفيف الألم والشفاء.

يتبع القسم نظاماً موسميّاً؛ إذ يُعالج الأطباء في الصيف مشكلات المعدة واضطراباتها؛ ولكن في الشتاء، يُعالج الأطباء السكانَ الأفغان المعرَّضين لخطر الإصابة باعتلالاتِ الجهاز التنفسيّ المزمنة، التي يُرجعونها إلى تلوث الهواء من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى مزيج من التلوث المنبعث من المناطق الصناعية وطرائق التدفئة داخل المنازل.

يقتل تلوث الهواء أكثر مما تقتل الحرب في أفغانستان. وبحسب ما أقرّه تقرير “حالة الأجواء العالميّة” The State of Global Air، وهي مبادرة تعاونية بين “معهد القياسات الصحية والتقييم” و”معهد الآثار الصحيّة” The Health Effects Institute، فهناك أكثر من 26 ألف حالة وفاة بين الأفغان عام 2017 يمكن أن تُعزى أسبابُها إلى التلوث. بينما وصلت الخسائر البشرية بين المدنيين جراء الحرب في الفترة الزمنية ذاتها، إلى قرابة 3500 شخص، وفقاً لما وثقته بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في أفغانستان. يكمن السبب الجذري لذلك في حرق الأفغان كلَّ ما يمكنهم حرقه -بما في ذلك البلاستيك والفحم والمطاط- للحصول على احتياجاتهم من الطاقة والحرارة لمُغالَبة برد الشتاء القارس. أضف إلى هذا، استخدام البنزين المحتوي على الرصاص والذي مُنِع استعماله في الغرب منذ عقود، إضافة إلى نفايات مصانع الطاقة والصناعات الثقيلة.

‏”خلال زيارة هذا العام‏، أحصيتُ قرابة 70 طفلاً يُعالَجون في المستشفى الموجود في كابل. ‏هذا العدد أكبر من عدد الأسِرَّة، وهي مشكلةٌ شائعة في بلد يعاني من الهواء ‏السيّئ الخانق”، بحسب ما قاله دكتور مهيم، أخصائي أمراض الجهاز التنفسي. يضع الفريق الطبي كل اثنين أو أكثر في سرير، و‏ينتهي الأمر بأن يفترش المرضى الأرض، بخاصة عندما يكون القسم مزدحماً. يضع أهالي المرضى البطاطين والأوشحة التي أحضروها من المنزل على الأرض. غالبية المرضى في العنبر أطفال صغار، تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

أحضر عبد الله وحيدي ابنه خالد إلى المستشفى من بكتيا، وهي محافظة جبلية في شرق أفغانستان تبعد نحو 90 ميلاً عن كابول. خالد عمره 9 أشهر فقط، ويعاني من المرض منذ ولادته، بحسب ما قاله وحيدي. أُصيب بحمَّى في الشتاء وعدوى في رئتيه. ‏يقول وحيدي، محتضناً طفله بين يديه، “في محافظتي، يستخدم الناس الفحم. بإمكانك أن ترى التلوث (في الهواء). ما يجعل التنفّس مؤلماً”.

وصف الأطباء في المستشفى لخالد جلسات علاج على جهاز الرذّاذَة (جهاز يحيل الدواء إلى رَذاذ يمكن المريض استنشاقه بعمق إلى الرئتين ويشبه صوته صوت ضاغط الهواء). تحمله أمه إلى قسمٍ في العنبر يمكن فيه الإشراف على العلاج. حينما يشرع الجهاز في العمل، يبدأ خالد يتشنج بين يديها. تضع القناعَ فوق أنفه وفمه، فيخاف ويبدأ الصراخ. تستمر جلسة العلاج 10 دقائق.

يقول محمد فهيم، أخصائي الباطنة العامة في مركز بلوسوم للرعاية الصحية (وهي عيادة خاصة في كابول)، إنه يلحظ ارتفاعاً حاداً في عدد حالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي كلَّ شتاء، عندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر. يبلغ متوسط درجة الحرارة الصغرى في كابل -3 مئوية، وفقاً لحساب البيانات الصادر من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة. يحرق سكان كابول، البالغ عددهم 4 ملايين نسمة، الفحمَ أو الخشب لمواجهة برد الشتاء. وقال فهيم، إنّه يعالج حوالى 40 مريضاً يوميّاً، نصفهم يعاني من مشكلات في الجهاز التنفسي.

تتكرر مشكلة انقطاع التيار الكهربائي في كابل خلال أشهر الشتاء، ما يُصعّب الاعتماد على التدفئة الكهربائية ويجعلها باهظة التكلفة. بإمكان أثرى مواطني كابل تحمل نفقات تشغيل المولدات الكهربائية بدلاً من الاعتماد على شبكة الكهرباء العامة، لكن هذه المولدات تساهم في استمرار حدوث الضباب الدخاني (الضبخان) الذي يقتل آلاف البشر في العاصمة كل عام.

يعَدّ الفحم والخشب المصدران الوحيدان للتدفئة بالنسبة إلى غالبية الأسر الأفغانية، على رغم الانبعاثات المترتبة على حرق المواد القابلة للاشتعال. أولئك الذين لا يستطيعون شراء الفحم أو الخشب -الذي يُباع في حِزَم تزن 15 رطلاً، مقابل نحو دولار واحد- يَخرجُون في الثلج لالتقاط القمامة التي تخلّص منها الأثرياء الأفغان، بحثاً عن أي شيءٍ يمكنهم حرقُه، بما في ذلك البلاستيك والأحذية وروث الحيوانات؛ وإذا كانوا محظوظين سيجدون البقايا المتفحّمة لخشب أو فحم الأسر الميسورة، حتى يحرقونها مجدداً في المدافئ الأفغانية التقليدية أو ما يعرف باسم “بُخاري”.

يعيش بهادار وأسرته على مشارف العاصمة كابل في مخيم للنازحين (مَن أجُبِروا قسراً على ترك مدنهم وقراهم من دون أن يتجاوزوا حدود البلاد). أصبح المخيم مستوطنةً شبهَ دائمة بُنِيت جدرانها من الطوب اللبن. بنى المخيم في الأصل، بحسب بهادار، نازحون من مُقاطعة هلمند، لكنهم رحلوا آخِذين معهم الأسقف والأعمدة الخشبية. يعتمد المخيم الآن على الأقمشة أو الأغطية البلاستيكية للتسقيف. لا يستطيع بهادار شراء الخشب أو الفحم؛ فهو مجرد مياوم في أشهر الشتاء. ينقّب هو وأبناؤه في صناديق القمامة بحثاً عمّا يحتاجونه. وأضاف: “لا تساعدنا الحكومة”.

ومع أن الحكومة الأفغانية لديها القدرة على ضبط وحظر المخالفين الذين يحرقون وقوداً سيِّئَ النوعيّة، قال عزت الله صديقي -نائب رئيس الوكالة الوطنية لحماية البيئة (NEPA) في أفغانستان- إنّه حين تُغلِق الوكالةُ الشركاتِ أو المصانعَ التجارية المخالفة بسبب حرق الوقود السيِّئ، تتجاوز قطاعاتٌ مختلفة في الحكومة قرارَ الوكالة وتُبطِله. وأضاف: “إنهم يتدخلون في صميم عملنا، يقول بعضهم إنّ عليك إغلاق (تلك المصانع والإدارات التي تحرق الوقود السيِّئ) ويقول البعض الآخر لا تغلقها واسمح لهم بالاستمرار في العمل”.

وكما يقول مهيم إنّها “مشكلة اقتصادية، (تكمن في) عدم استطاعة الناس شراء الوقود. الجميع يعاني، لكن الأشخاصَ المتعثرين ماليّاً سيحرقون كل ما يمكن إحراقه”.

 

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً