أغاني الصراع في سوريا(3):الاتحاد الديموقراطي الكردي وأسطرة المقاتلين

يتطلب الأمر الكثير من الشجاعة لدى المرء ليقف مكان أولئك المسنين العفرينيين، وهم يواجهون بصوتهم وحركاتهم الراقصة نيران قذائف تتساقط على بعد عشرات الأمتار فقط من حيث يقفون. لكن الأمر يتطلب أيضاً وجود الأغنية المناسبة. إنها قصة صنع الأغاني وتوظيفها.

هذا المقال هو الثالث بين أربعة مقالات تستند إلى نتائج بحث “ادلجة الغناء” الذي درست خلاله مضامين عينة شملت أبرز أنماط أغاني الصراع في سوريا وهي: أغاني السلطة، الأغاني الجهادية، أغاني حزب الاتحاد الديموقراطي وأخيراً الأغاني الثورية..

البحث نال منحة منظمة “اتجاهات ثقافية مستقلة” ضمن الدورة الخامسة لبرنامج أبحاث لتعميق ثقافة المعرفة..

(مدينة عفرين، آذار/ مارس 2018، مسنون أكراد يقفون إلى جانب المدافعين عن المدينة أثناء تقدم القوات التركية السورية على أطرافها، ناشطون)

يتطلب الأمر الكثير من الشجاعة والإخلاص لدى المرء ليقف مكان أولئك المسنين العفرينيين، وهم يقاومون بصوتهم وحركاتهم الراقصة نيران قذائف تتساقط على بعد عشرات الأمتار فقط من حيث يقفون. لكن الأمر يتطلب أيضاً وجود الأغنية المناسبة ليبتلع صخبها ارتجافات الخوف داخلهم. إنها قصة صنع الأغاني وتوظيفها، من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي كأداة للتأثير في أفكار جمهوره وسلوكه من الأكراد بالدرجة الأولى وبقية السوريين بالدرجة الثانية. وهي قصة شاسعة نأخذ منها جانب المضمون.

لا يمكن فهم المسائل المتعلقة بحزب الاتحاد الديمقراطي PYD من دون الإحاطة بعلاقته العضوية مع حزب العمال الكردستاني PKK، والأخير يصنف كحزب يساري ثوري كردي، نشأ أواخر السبعينات في تركيا وأطلق “الكفاح المسلح لتحرير كردستان” وكعادة الأحزاب اليسارية في ذاك الزمن برع العمال الكردستاني في تجنيد شعراء وموسيقيين أكراد ليغنوا خطاب الحزب، ويحشدوا جمهوره في تركيا وسوريا وغيرها على مدى عقود. والاتحاد الديموقراطي استند منذ تأسيسه في سوريا عام 2003 إلى التراث الغنائي للمنظمة الأم، لكن التداعيات الناجمة عن اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، مكنت الحزب من لعب أدوار جديدة في الخارطة السورية بعيداً من دوره التقليدي المتمثل في ردف المعركة الكردية في تركيا. وعلى ذلك، أنتج الحزب عدداً كبيراً من الأغاني الداعمة لمشروعه الطارئ في سوريا، معظم تلك الأغاني باللغة الكردية، لكن الحزب ينتج أيضاً أغاني باللغة العربية وحتى بالسريانية في بعض الحالات تماشياً مع توسيع نطاق جمهوره المستهدف.

(القامشلي، آذار 2013، أداء لفرقة بوطان المقربة من الحزب في عيد نوروز، يوتيوب)

منتجو أغاني الحزب في معظمهم فرق موسيقية مؤسسة أو مدعومة من قبله، ومن أشهرها فرقة بوطان، بعض تلك الفرق يعمل من داخل سوريا وبعضها الآخر من تركيا أو في بلدان أوروبية. وتبث أغانيها بكثافة عبر وسائل الإعلام التابعة للحزب وفي كل تجمع يقيمه بدءاً من الاحتفالات، وصولاً إلى مناسبات التأبين والتشييع. لكن ماذا عن محتوى تلك الأغاني وما الرسائل التي تبثها؟

الكلمات الأكثر تكراراً في أغاني حزب الاتحاد الديمقراطي

من تحليل نصوص الأغاني العشر الأكثر شهرة لحزب الاتحاد الديمقراطي، تبين أن الكلمات الخمس الأكثر تكراراً هي بالترتيب: (وحدات حماية الشعب YPG، أبطال أو أسود، الحلم يتحقق، الشعب الكردي، الثورة أو الانتفاضة).  

(وحدات حماية الشعب) القوة العسكرية التابعة للحزب في سوريا شكلت القيمة الأعلى في خطابه الغنائي، حيث تكرر ذكرها بشكل صريح في ثمانية من الأغاني العشر، بينما بلغ متوسط تكرارتها أكثر من 14 مرة في كل من الأغاني العشر. وردت الكلمة دائماً في سياق المدح التمجيد وهو ما تدلل عليه الكلمة المفتاحية الثانية المتجسدة في ألفاظ المديح منها (أبطال، أسود)، وهي أيضاً تكررت في 8 أغاني بمتوسط 11 مرة في كل أغنية، أغلبية ألفاظ المديح وجهت إلى المقاتلين في صفوف الوحدات ما يجعل من الكلمة المفتاحية الثانية امتداداً وتعزيزاً للأولى، وتعكس الكلمتان معاً العقيدة العسكرية للحزب ودرجة ارتكاز خطابه على صورة المقاتل والقوة العسكرية التي هي “الأسطورية”.

(أغنية bije YPG “عاشت وحدات حماية الشعب”، إحدى الأغاني الشهيرة، يوتيوب)

ترتبط الكلمة المفتاحية الثالثة في أغاني الحزب بالمظلومية الكردية، حيث استخدمت كلمات مثل (الحلم يتحقق، النور يبزغ، الحرية قادمة) وغيرها من الألفاظ التي تدل على زوال تلك المظلومة في 7 من الأغاني الـ10 بمتوسط 10 مرات في الأغنية الواحدة. ما يعكس مكانة تلك المظلومية التي تشكل أحد أعمدة شرعنة وجود الحزب. وذلك ما تؤكده الكلمة المفتاحية الرابعة وهي (الكرد، الشعب الكردي) التي تكررت في 7 أغاني بمتوسط 7.1 في الأغنية الواحدة. وبخلاف الرداء الوطني أحياناً الأممي الذي يرتديه الحزب في بعض الأحيان، تعكس الكلمات المفتاحية أن المسألة القومية تحتل الحيز الأكبر من الخطاب المصدر غنائياً، إذ لم ترد كلمات مثل سوريا أو الشعب السوري نهائياً في أي من أغاني الحزب الأكثر شهرة المتخذة كعينة.

أما الكلمة المفتاحية الأخيرة التي شكلت سمة ملفتة في خطاب الحزب فتجسدت في مترادفات مثل (الثورة، الانتفاضة) وهي تشير إلى “ثورة روجافا” التي يزعمها ويتزعمها الحزب في سوريا، وتكرارها جاء في سبعة أغاني بمعدل 6.2 مرة في كل من أغاني العينة ما يجعل منها أحد المفاهيم الأساسية التي يبني عليها خطابه. وفي خطاب الحزب تلك هي الثورة الحقيقية الوحيدة في سوريا، لا الثورة السورية التي لم يرد ذكرها نهائياً في أي من أغانيه الأكثر شهرة.

أغاني الحزب موسيقياً

السرعة الحماسية هي أبرز السمات الموسيقية لأغاني الحزب، فمن بين الأغاني الـ10 في العينة كان 9 منها ذات سرعات ايقاعية عالية، منها 7 أغانٍ على ايقاع “اللف” الذي تنتظم على دقاته الرقصات الشعبية الكردية، والملامح الشعبية الكردية لأغاني الحزب تتضح أكثر في البنية النغمية، فمعظم الحان أغاني الحزب مستلهمة من التراث الكردي الجبلي مع لمسة تحديث تطغى عليها ملامح الموسيقى العسكرية التي تجسدت في الاستخدام المتكرر للكورال مثلاً، أو في استخدام ايقاع “فوكس”. اما الآلات الموسيقية الأكثر استخداماً فكانت هي نفسها الآلات الموسيقية الأكثر استخداماً في الموسيقى التراثية الشعبية مثل “الطنبور” المستخدم في 9 أغاني و”الزورنا” المستخدمة في 5 أغاني الأقل. وهنا أيضاً تحول التراث الموسيقي إلى حصان طرواده المحمل بأفكار الحزب وقيمه.

يبقى أن نضيف أن أغاني حزب الاتحاد أظهرت الدرجة الأكبر في تماسك الخطاب من بين الأنماط الغنائية الأربعة التي درست خلال البحث، وهو ما تم الاستدلال عليه من درجة تشارك الأغاني في بث الرسائل نفسها ضمن كل نمط. وذلك يعكس بشكل ما درجة نجاح الحزب في استخدام سلاح الأغنية في معاركه السورية، وما مشهد المسنين الراقصين أمام القذائف سوى تعبير عن ذاك النجاح.

 

إقرأ أيضاً:

أغاني الصراع في سوريا(1): الجهاديون الأكثر حزناً وغضباً

أغاني الصراع في سوريا(2): أغاني السلطة حيث القائد والولاء ولغة الطائفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ليلة حزينة وعنيفة عاشتها العاصمة العراقية بغداد، بعد غزوة الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، وتنفيذها مقتلة مروعة في ساحة الخلاني وجسر السنك
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
ترجمة – Quartz
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة “أبل” عام 1997، بعد 12 سنة من الغياب عنها، كانت الشركة التي شارك في تأسيسها تفتقر للهمة والوجهة. فعرض جوبز خطته لإعادة إحياء العلامة التجارية المتعثرة، مستعرضاً أحد العناصر الضرورية: الشغف، قائلاً “من يملكون الشغف يمكنهم تغيير العالم للأفضل”.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
ربما لو أن جنرال الرابية الغضوب (الذي اشتهر بشتائمه)، لم يصبح الآن رئيساً للجمهورية، لكان استبدل خطاباته الهادئة الحنون بكيل من الشتائم التي كنّا معتادين عليها. أما شتائم اللبنانيين في الشوارع، فمرفوضة وغير مقبولة “بلا تهذيب”!
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email