fbpx

هنا القصة الثالثة

سلطان الجلبي

سلطان الجلبي

مقالات الكاتب

أغاني الصراع في سوريا(4) : الثورة وتشتت الخطاب وهيمنة المحلية

هذا المقال هو الأخير بين مقالات تستند إلى نتائج بحث “أدلجة الغناء” الذي درستُ خلاله مضامين عينة شملت أبرز أنماط أغاني الصراع في سوريا وهي: أغاني السلطة، الأغاني الجهادية، أغاني حزب الاتحاد الديموقراطي وأخيراً الأغاني الثورية.
. البحث نال منحة منظمة “اتجاهات ثقافية مستقلة” ضمن الدورة الخامسة لبرنامج أبحاث لتعميق ثقافة المعرفة..

كان كثر من السوريين ما زالوا يتهامسون سراً حول ما يحدث في درعا ومناطق أخرى ربيع 2011 حين غنى الفنان السوري سميح شقير أغنيته الأشهر “يا حيف” لتكون أولى الأغاني المناصرة للمحتجين وأكثرها شهرة ومشاهدة حتى اليوم.
عقب “يا حيف” ظهرت مئات الأغاني التي اشتركت في تبنيها مفهوم الثورة ضد نظام بشار الأسد، وتكاد تكون تلك الفكرة المشترك الوحيد بينها. جملة تلك الأغاني سميت لاحقاً الأغاني الثورية وهي النمط الغنائي الوحيد الذي ظهر فعلياً بعد عام 2011 بخلاف بقية الأنماط الغنائية التي عرضت في المقالات السابقة والتي تمتد جذورها إلى أزمنة سابقة داخل سوريا وخارجها.

(فيديو (1) أغنية يا حيف، سميح شقير، يوتيوب)
معظم الأغاني الثورية أنتجت بين عامي 2011 و2012 وهي فترة ذروة الاحتجاجات السلمية ضد النظام، وخلافاً لأغنية “يا حيف” فإن معظم تلك الأغاني لم يؤلفها موسيقيون محترفون، بل تطورت عفوياً من الشعارات والأهازيج التي كان يرددها المتظاهرون في مختلف المناطق السورية، ومن بين الأغاني العشر الأكثر شهرة التي اتخذت عينة للبحث كان هناك 7 من أغاني التظاهرات. كانت هناك مجموعات من الناشطين الشباب غالباً تكتب وتؤدي تلك الأغاني في التظاهرات فيحفظها الآلاف وتنتقل من منطقة إلى أخرى، حتى باتت تلك الأغاني هي السمة الأبرز للتظاهرات في سوريا. لم تكن هذه الأغاني مؤدلجة بالمعنى المألوف للكلمة لكنها عبرت عن انفعالات سوريي الساحات الذين انتجوها، ونطقت بلغة الشارع السوري غير المسيس والذي امتلك لأول مرة فرصة للتعبير عن أفكاره بعد عقود من الاستبداد.

ينبغي القول إن الأغاني الثورية شكلت الصرخة الأولى لسوريين حالمين بالتغيير، صرخة حملت مطالبهم وانفعالاتهم بل وحتى جهلهم بالسياسة في بعض الأحيان

من أشهر كتاب أغاني التظاهرات إبراهيم القاشوش، وهو من كتب أغنية “يلا ارحل” التي رددها مئات آلاف المتظاهرين في ساحة العاصي بحماة منتصف عام 2011 قبل أن تنتقل إلى ساحات التظاهر في كل المدن والقرى السورية تقريباً. دفع القاشوش حياته ثمناً لتلك الأغنية بعد أسابيع حين اختطفته ميليشيات تابعة للنظام، ثم رمت جثته منزوعة الحنجرة على ضفّة نهر العاصي في المدينة لتوصل رسالة النظام إلى معارضيه. قالت وسائل إعلام لاحقاً أن القاشوش لم يقتل وهو الآن لاجئ في ألمانيا واسمه الحقيقي هو عبد الرحمن فرهود، لكن الواقع أن فرهود كان المنشد الذي أدى الأغنية ولم يكن مؤلفها.

(فيديو (2) أغنية يلا ارحل، بصوت المنشد عبد الرحمن فرهود، حماة ساحة العاصي 01-07-2011، يوتيوب)
الكلمات الأكثر تكراراً في الأغاني الثورية
أظهرت الأغاني الثورية الدرجة الأضعف في تماسك خطابها مقارنة بالأنماط الغنائية الباقية، فبينما كان من السهل ملاحظة ارتكاز الأنماط الغنائية الثلاثة الأخرى على كلمات أو رموز أو قيم بذاتها وتكرارها باستمرار، بدا الأمر أقل وضوحاً في الأغاني الثورية التي مالت نحو التشتت وطغى عليها الطابع المحلي. ومن تحليل الأغاني العشر الأكثر شهرة بين الأغاني الثورية تبين أن الكلمة المفتاحية الأولى والأكثر تكراراً كانت “أسماء المناطق السورية المنتفضة” مثل درعا وحمص ودير الزور وغيرها، لقد واظبت ست من أصل الأغاني العشر على تكرار أسماء المناطق المنتفضة في سياق التضامن والتشجيع، بمتوسط بلغ 7.7 مرات في كل من أغاني العينة، وهو ليس معدلاً كبيراً بالمقارنة مع تكرار الكلمات المفتاحية الاولى في بقية الأنماط الغنائية. لكنه يحمل دلالات عدة منها أن الاحتجاجات كانت فعلاً مارسته مجتمعات محلية سورية تكاتفت في مواجهة سلطة استبدادية مركزية، لذلك كان محتجو حمص يغنون لدرعا ومحتجو دير الزور ينادون حلب، وضم خطاب أغاني الثورة مكونات مختلفة ومتنافية أحياناً.
أما الكلمة المفتاحية الثانية في الأغاني الثورية فتجسدت في ألفاظ المظلومية مثل “قصفونا، قتلونا، آلامنا” وتلك حققت أعلى ثاني تكرار في 5 أغان بمعدل 7.4 مرات في الأغنية الواحدة ضمن العينة، يمكن اعتبار محتوى المظلومية في الأغاني الثورية نتيجة طبيعية للعنف المفرط الذي تعرضت له المجتمعات المحلية المنتفضة ضد السلطة، لكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن “الآلام” شكلت نقطة تقاطع بين خطاب الأغاني الثورية والخطاب الجهادي في ورودها ككلمة مفتاحية في النمطين الغنائيين.

(فيديو (3) أغنية سكابا، أغاني التظاهرات، أداء وصفي معصراني، يوتيوب)
في المرتبة الثالثة جاءت كلمة “سوريا أو الوطن” ككلمة مفتاحية تكررت في 5 من الأغاني العشر بمتوسط تكرار بلغ 5.2 مرات في الأغنية الواحدة، وهنا نقطة تقاطع الأغاني الثورية مع أغاني السلطة، لكن على عكس أغاني السلطة التي دأبت على ربط كلمة سوريا بكلمة الأسد أو القائد لم يلاحظ ربط مشابه في كلمة سوريا في الأغاني الثورية. كلمة “الكرامة” ومرادفاتها شكلت الكلمة المفتاحية الرابعة ووردت في 4 أغان بمتوسط 4.9 مرات. والجدير بالذكر أن كلمة الكرامة ومرادفاتها القريبة كالعزّ والمجد والاباء شكلت كلمة مفتاحية مشتركة بين كل الأنماط الغنائية.
أخيراً كانت كلمة “الأسد” وما يشير اليها من نعوت أو سباب هي الكلمة المفتاحية الخامسة. حضور كلمة “الأسد” وإشاراتها في سياق التحقير والشتم أحياناً، تكررت في 4 أغان بمتوسط 4.7 مرات في كل من أغاني العينة، وهو أمر ملفت فبينما تجاهلت معظم أغاني السلطة ذكر الخصم أو حتى نعته بأي من الصفات، تبرز الأغاني الثورية اسم خصمها ككلمة مفتاحية تتصدر خطابها، وتلك إشارة إلى المسافة الكبيرة بين الذهنية التي تصنع خطاب أغاني السلطة وبين صناع خطاب الأغاني الثورية العديدين.
وامتداداً للفكرة السابقة تكاد تكون الأغاني الثورية هي النمط الغنائي الوحيد الذي وصّف بل وشخّص بدقة “الآخر” الخصم في الصراع، إذ وردت كلمات “النظام أو الأسد” صراحةً في 7 من الأغاني العشر. أما في ما يتعلق بصورة الذات أو ما اصطلح على تسميته في البحث “النحن”، فقد استخدمت 7 من الأغاني كلمة “سوريا” للتعبير عن الذات وذلك في سياقات مثل “الشعب السوري، أبناء سوريا، أبناء المناطق المنتفضة” بينما استخدمت بقية الأغاني كلمات “الثوار، المندسين”.

(فيديو (4) أغنية قالوا لي أني انسان، المنشد يحيى حوا، يوتيوب)
أخيراً ينبغي القول إن الأغاني الثورية شكلت الصرخة الأولى لسوريين حالمين بالتغيير، صرخة حملت مطالبهم وانفعالاتهم بل وحتى جهلهم بالسياسة في بعض الأحيان. لكن سرعان ما أخمدت تلك الصرخة وتلاشت أصوات المنشدين خلف أصوات البنادق والانفجارات، لقد انقطع زخم إنتاج الأغاني الثورية منذ السنة الثانية للثورة تقريباً، المرحلة ذاتها التي ازداد فيها إنتاج أغاني السلطة وحزب الاتحاد الديمقراطي والأغاني الجهادية التي ما زالت تضخ خطاباتها في آذان السوريين حتى اليوم من دون توقف.

إقرأ أيضاً:

 أغاني الصراع في سوريا(3):الاتحاد الديموقراطي الكردي وأسطرة المقاتلين

أغاني الصراع في سوريا(2): أغاني السلطة حيث القائد والولاء ولغة الطائفة

 أغاني الصراع في سوريا(1): الجهاديون الأكثر حزناً وغضباً

إقرأ أيضاً