fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

أطفال “الكلل” الذين أصبحوا مقاتلين… عن ماري التي أنهت الحرب الأهلية!

وُلدتُ بعد انتهاء الحرب بسنة تقريباً. سألت كثيراً، حتى أصبح رأسي معركة من التناقضات. كبرت في عائلة مسيحية، تحب بشير الجميل، لا تؤلهه، إنما تحبه. أحببته من دون قصد. ثم لم يخبروني الكثير عن القضية الفلسطينية، فلم تدخل في وجداني. فهمتها قليلاً مع الوقت، لأنني التقيت فلسطينيين وأصبح بعضهم أصدقائي. في محيطي كانت الحركات اليسارية، شيئاً ضد الله، وهذا كل شيء. عملت في جريدة “السفير” وكانت “برجوازيتي” الموروثة تتعبني أحياناً. لم أكتب في السياسة هناك. وربما لم يعرف أحد أنني لست يسارية. أصدقائي المسيحيون اعتبروا أنني يوم ذهبت إلى “السفير” انتقلت إلى الجهة الأخرى.

ذات مرة، لم يحملني دمي حين كان الحديث عن بشير “العميل”، كان ذلك في ذكرى انتخابه رئيساً للجمهورية. انتفضت من حيث لا أدري. كانت المرة الأولى التي أتحدّث فيها بالسياسة هناك. وصرت من يومها أمثل اليمين المسيحي في “السفير”، التي كانت توجهاتها عروبية ناصرية يسارية.

ثم عملت في مؤسسات تسير في فلك المقاومة المسيحية. وبسبب سيرتي التي تتضمن أكثر من 3 سنوات في “السفير”، صرت في جبهة اليسار بنظر الزملاء في اليمين المسيحي. وهكذا.

قرأت عن الحرب، عن المجازر، عن الدم، عن الناس والمفقودين. أصبح مشهد الحرب الأهلية أكثر تعقيداً في ذهني. أدركت منذ فترة أنني لم أفهم الحرب في حياتي. بقي يراودني سؤال يتيم، هل كانت الحرب ضرورية؟ هذا الملف ههنا هو محاولة للفهم. رحلة للفهم، أرويها هنا كما حدثت في الأشهر القليلة الماضية.

بدأ الأمر حين وصل أخي إلى بيتنا مع أولاده، على وجه السرعة، يسأل أمي عن مجمع الكلل خاصته، حتى يريه لصغاره. كان كمن يبحث عن متحفه الخاص. فتّش مع أمي عن الكلل بنشاط، لم أره به أبداً من قبل.

وحين حصل على المجمع، جلس الجميع على الأرض وبدأت معارك اللعب، أبي السبعيني، أخي الأربعيني وأولاده الصغار. وبدأ بعدها حديث عن الكلل وعن الحرب. بين معارك الكلل ومعارك الدم. إنها تتشابه في مكان! “هيي ذاتا”، قال أبي. وحين طلبت منه تفسيراً، سكت من جديد. أبي لم يتحدث أمامي عن الحرب سوى نادراً. وقد اكتشفت منذ مدة قصيرة قصة خطف عمي أيام الحرب. كان بيتنا مضاداً لأحاديث الحرب، لسبب أجهله. بقيت أتعارك مع أمي 28 سنة بسبب صوت التلفزيون المرتفع حتى في أوقات النوم، إلى أن قالت قبل أشهر: “إنها الحرب”، وصارحتني بخوفها من السكوت، “إنه السكوت الذي يسبق القصف السكوت يرعبني!”.

أخبرني صديق لي في ما بعد أن بيع الكلل كان عمله في الحرب. قال جوزيف: “كان الأطفال الميسورون يشترون الكلل منا نحن الفقراء الذين يتعبون لتجميعها وربحها في المعارك. كنت أحزن على الكلل التي أضطر إلى بيعها لأشتري الخبز والقهوة لعائلتي. كنا نلعب تحت القصف، في الملاجئ، لأن الجميع كانوا يختبئون هناك، الفقراء والميسورين على السواء. وهناك كانت تحدث صفقات البيع”. أضاف: “كنت موهوباً في لُعب الكلل كلها، من المفرد والمجوز، وهناك لعبة كنا نسميها “الحرب”. وكنت غالباً ما أربح. كان رنين الكلل على الأرض، متناغماً مع صوت القصف”. ثم توقف ضاحكاً: “أتعرفين؟ في أوقات السلم ووقف النار لم يكن اللعب ممتعاً. كانت الكلل مرتبطة بالحرب والخوف. كنا ننسى الخوف مركّزين على معاركنا الصغيرة، في العتمة الحالكة في الملاجئ تحت الأرض. كانت ربما لحظات من الحياة في الموت الكثيف”.

أخبرني صديق آخر يكبرني بسنوات قليلة عن رشميا، وهي بلدة عرفت معارك طاحنة في حرب الجبل. قال: “بعد الحرب، كنا نحمل كللنا ونلعب في ساحة رشميا. لكنهم أزالوها بعد فترة وشيدوا تماثيل لرجالات، لأن صوت الأطفال وكللهم كان يزعج الناس”. وأضاف: “لذلك لم أستطع أن ألعب كثيراً بالكلل، ولا حتى بالكرة. أنهوا حربهم ومنعوا أطفال ما بعد الحرب من اللعب”. هل كان ذلك انتقاماً؟ هل كان عليكم أن تقاتلوا مثلهم بدل اللعب؟، سألته. فأجاب: “ربما”.

لكنني أردت أن أفهم، من يمنع الطفولة في هذه البلاد؟ وبتلك السذاجة ذاتها، حملت دفتر ملاحظاتي وذهبت أطرق أبواب المقاتلين السابقين. لم أكن أريد أن أحدثهم عن السياسة، لكنني أردت لقاء الأطفال الذين سيقوا إلى الأحزاب وحروبها، وقد أصبحوا الآن رجالاً ونساءً، بظهور محنية من هول ما تحمله. زرت بيوتهم، ونظرت كثيراً إلى جدرانها. جملة واحدة كررها الجميع: “لم نكن نخاف أيام الحرب. لكننا الآن صرنا نخاف”.

“بعد الحرب، كنا نحمل كللنا ونلعب في ساحة رشميا. لكنهم أزالوها بعد فترة وشيدوا تماثيل لرجالات، لأن صوت الأطفال وكللهم كان يزعج الناس”

الأخبار الحزينة التي تُضحكنا…

أبدأ بما أخبرتني به ماري (1968- أتحفظ عن ذكر اسمها كاملاً بناءً على طلبها).

قالت: “كنت من أشرس المقاتلين. كانوا يرسلونني إلى المهمات الصعبة. كان عمري 11 سنة، حين قتل والدي. أخبروني أن الدروز قتلوه. لماذا؟ لأنه مسيحي. كنت أريد أن أثأر لوالدي”. وبابتسامة عريضة أضافت: “كان مغرياً لفتاة في سني أن تجلس بين الشباب (القبضايات) الوسيمين حاملي الأسلحة والقلوب القوية. مع الوقت صار قلبي كقلوبهم قوياً وبلا رحمة”. تابعت ماري: “كنت دائماً أرغب في اللعب. أشتاق للطفولة التي هجرتها، لأنني كنت ابنة أبي الكبرى، وكان عليّ أن أتصرّف كالرجال”.

ثم ذكّرتها سلوى سعد بقصة حبيبها، (سلوى مقاتلة سابقة سنروي قصتها في ما بعد)، فضحكت كثيراً، وضحكنا نحن الثلاث. وسألتهما: “كيف كان الحب في معادلات الحرب؟”. قالت سلوى: “الحب يصبح أقوى في الحرب”.

ثم طفقت ماري تخبرنا: “كان مقاتلاً مثلي في قوات حبيقة، وكنا نحب بعضنا كثيراً. كنا أحياناً نذهب إلى السينما وإلى أمكنة أخرى”. ثم تنهّدت: “لكنه قُتل!”.

ساد صمت حزين، قاطعتها لأسال: “ماذا فعلتِ؟”. رأيت دمعة صغيرة في عينيها، وقالت: “استشرست!”. ثم تابعت: “بعد مقتله، ارتكبت أموراً كثيرة. جعلت أبرياء دروزاً يدفعون الثمن. الآن أندم وأتألم من أجلهم. أحاول أن أجدهم حتى أعتذر منهم، إن كان الاعتذار ينفع في شيء”.

استمر حديث ممتع عن الحب والحرب، وأخبرتني ماري عن رجل آخر. قالت: “في معارك عين الرمانة، كنا في الملجأ ولم أكن في المعركة. أنزلوا لنا جريحاً شبه ميت يرتدي بدلة قوات جعجع. كان هؤلاء ضدنا لأنني كنت في قوات حبيقة. لكنني لسبب ما أشفقت عليه. حاولت مساعدته بالويسكي وقطع القماش. ووعدني يومها أن نذهب إلى سيدة حريصا، إذا بقي حياً. وهكذا حدث بعد وقت طويل”. أضافت: “ثم وقعنا في الغرام على وقع صوت القصف والذبح وقررنا الزواج. كان على أحدنا أن يضحي ويجلس في البيت لتربية الأولاد والاهتمام بالعائلة. فتركت القتال وبقي هو يقاتل حتى نعيش”.

قصة ماري تنفع لفيلم، لكن لا مساحة كافية لكتابة تفاصيلها كلها. المهم أن ماري فقدت إيمانها بقضايا الحرب كلها. ابنتها خطبت رجلاً درزياً. “أحلى شاب”، قالت ماري. وابنتها الثانية ارتبطت برجل من الحزب “السوري القومي الاجتماعي”، فيما ارتبط ابنها بفتاة شيعية. أخبرتني ماري ذلك بسعادة كبيرة، وقالت: “هكذا انتهت الحرب!”.

“هل ذهبت إلى الكنيسة ليلاً في عيد الغطاس؟”. يضحك أنطون ويقول: “لا بل ذهبت للاستحمام”

الحرب… حلمنا الذي تداعى

“الفروقات الاجتماعية، حرب فييتنام وما قرأته عنها، رغبتي في مغادرة القرية، كلها عوامل حفّزتني للذهاب إلى الحرب. كنت مناضلة طلابية، وحين شاركت في أول تظاهرة، شعرت بأن هذا هو مكاني، إضافة إلى تعاطفي مع القضية الفلسطينية”. قالت سلوى (1954-) ذلك، وأنا أجلس قبالتها وأصغي، برغبة عارمة في فهم كيف قد يولد هذا التعاطف الذي لم أرثه أبداً. تحدثت سلوى عن بكائها يوم قصف الجيش الفلسطينيين قبل الحرب، وتذكرت سذاجتي يوم كنت مقتنعة بأن بوسطة عين الرمانة كانت تقل كتائبيين وأن الفلسطينيين هم الذين قصفوها. تذكرت أول مرة ذكر فيها أمامي أن بشير الجميّل عميل، وكيف بقيت تحت أثر الصدمة، عاجزة عن التصديق.

سألتها مباشرةً: “ماذا فعلت بعد تفجير بوسطة عين الرمانة؟”. ردّت: “التحقت بمركز الحزب الشيوعي رسمياً. شعرت بالتهديد. أهلي جن جنونهم. لم أستطع إقناعهم. لكن النضال كان أهم من كل شيء وقتها. ربما اعتادوا مع الوقت”.

“المارونية السياسية بمسلميها ومسيحييها ودروزها، تحتكر السلطة وتهمّش الفئات الأخرى. لا توزيع للثورة بشكل عادل. يريدون قتل الفلسطينيين. نريد نظاماً أكثر عدلاً… هكذا كانوا يحشون في رؤوسنا حتى نواصل القتال. وطبعاً كان في الجهة المقابلة حشو مشابه إنما بمضمون آخر”. أوضحت سلوى.

علّقت ماري: “يعني قبل ما يقتلك… اقتلوه”.

كان في رأسي سؤال ساذج، سؤال طفولي، قلتُ سأطرحه مهما كلّف الأمر. “كيف يحدث أن يقتل إنسان إنساناً آخر؟”.

سكبت سلوى المزيد من الشاي الأخضر وقالت: “اليساريون وغيرهم كانوا يوصلون الأفراد إلى نقطة عدم التفكير في الآخر”. وأضافت: “تتقدري تقتليه، بدك تلغيه. تلغيه كإنسان عنده قضية”.

ثم كان حديث عن الخوف وآخر عن اللاخوف. أخبرتني السيدتان عن المشي بين الألغام والقذائف، كمن يتنزه في حقل أزهار.

سألت سلوى عن عمرها، قالت إنها ولدت عام 1954. فردت ماري ضاحكة: “يعني بس كنتِ عم تناضلي حضرتك، كنت أنا بعدني عم بلعب”. إنهما متحالفتان ضد الحرب التي خاضتاها. إنه تحالف مملوء بالسخرية والألم الذي يتمرّس مع الوقت ليصبح ضحكاً لزجاً وخفيف الظل.

فُتحت سيرة الحب والزواج من جديد. سلوى أيضاً تزوجت مقاتلاً شيوعياً، “لم يكن ممكناً أن أتزوج رجلاً لا يشاركني النضال. وطبعاً تركت القتال من أجل الإنجاب والعائلة عام 1983”. قاطعتها ماري بضحكتها: “يعني انت تركتِ وسلمتيني الشعلة. أنا كان عزي وقتها”.

“إذا عادت الحرب التي لم تنتهِ أسبابها، ماذا تفعلين؟”، ردت سلوى: “بفل من البلد”.

ذاكرة أكثر مما ينبغي

تبدو الحرب في ذاكرة أنطون مكرزل (1963-) حيّةً أكثر مما ينبغي، تعيش بتفاصيلها وجزيئياتها. ما زال أنطون يحاول تحليل ما حصل، كأنه يبحث عن حقيقة في أشلاء ما حدث.

يغص حين أسأله عن أمه “ماذا قلتَ لها قبل أن تذهب إلى المعركة؟ ثم ماذا قلتَ لها حين عدت؟”.

“بعد مقتل بشير الجميل، ألغي قرار التجنيد الاجباري وتُرك لنا الخيار. وقررت أن أبقى في المعركة، من أجل الدفاع عن النفس. حدث استنفار وكان علينا أن نكون جاهزين. لم أكن أخبر أهلي شيئاً. كان قبل عيد رأس السنة بيوم واحدعام 1983، كنا في سيارات مكشوفة في طريقنا إلى سوق الغرب حيث كانت المهمة. بللنا المطر. وحين عدنا من المهمة كان يوم عيد الغطاس. أمي كانت بحالة مذرية. كانت العائلة مجتمعة عندنا، وافتقدونا. ثم دخلت إلى البيت، إنما بثيابي العسكرية وبعد أسبوع بلا استحمام، كانت آثار المعركة بادية عليّ”. يتنهّد قليلاً، يشعل سيجارة أخرى، ويقول: “كان مشهداً مؤثراً. بكاء وضياع”.

“هل ذهبت إلى الكنيسة ليلاً في عيد الغطاس؟”. يضحك أنطون ويقول: “لا بل ذهبت للاستحمام”.

“كنتُ طفلاً سعيداً، لعبت بعربات الرصاص الجر، كنا أيضاً نصنع طائرات صغيرة ودراجات بدركسيون. ثم في فترة من الفترات، أصبحت ألعابنا، بناء متاريس وبندقيات الخشب وكنا نبني حواجز على أهلنا وأفراد عائلاتنا. ثم كانت الحرب”.

“بعد موت بشير شعرت بأننا لن نحقق الكثير. شو خسرت؟ خسرت أصدقاء أحبهم. سقط كثيرون، تبيّن مع الوقت انهم سقطوا من أجل لا شيء!”.

فركت أصابعي، طلبت المزيد من القهوة، وقلتُ سأسأله: “هل كانت الحرب ضرورية؟”. أجاب بسرعة: “أعوذ بالله!”. “هل انتهت الحرب؟”. “عسكرياً ربما. إنما نفسياً أظنّها بدأت منذ نحو 10 سنوات”.

كان صباحاً كاملاً مع الحرب، لا أظنه كان كافياً لأفهم كل شيء، لكنني خرجت بجرعة نضوج إضافية. إنها ساعات علمتني الإصغاء والسكوت. في طريقي إلى بيتنا، كانت الطرقات مملوءة كالعادة بصور زعماء الحرب. يا للعبث!

المهم أنني خرجت بمحبة أقلّ لبشير الجميل وشيء من التفهم للفلسطينيين وقضيتهم. ربما هكذا تكون بداية الفهم.

 

بشير الجميّل كما أحببته

 

إقرأ أيضاً