fbpx

هنا القصة الثالثة

ريد مطر - صحافية مصرية

ريد مطر - صحافية مصرية

مقالات الكاتب

أسرار محمد علي:دراما الوقائع وفضائح الفساد…

على السلم الخارجي لمبنى الجريدة نقف مجموعة من المحررين ممن يقبلون على التدخين بشراهة للتنفيس عما يحدث داخل أروقة التحرير. تسمح لنا هذه الدقائق المعدودة بمناقشة بعض الأمور بصوت منخفض، وهي نقاشات لا تحتملها مكاتب التحرير، وطبعاً لا يسمح لنا بالكتابة عنها. كانت أحاديثنا في الفترة الماضية عن فيديوات محمد علي المقاول الذي قرر فضح فساد الجيش وسيطرته على مجال المقاولات ونهب الأموال والسيطرة على مكتسبات وثروات البلد بحكم السلطة. كانت بداية أحاديثنا في البداية مذهولة مما تناوله محمد علي، من فيديوات ومعلومات، بإمكانها أن تطيح بنظام سياسي كامل، إن كان لدينا جهاز محاسبة وحياة برلمانية وأجهزة تحقق في الفساد.

طبعاً لم نتداول هذه الفرضية اليوتوبية في النقاش، كنا نعلق في سذاجة ومكر مفتعلين “مش معقولة المعلومات صحيحة، معقولة في الفساد دا؟”. نطلق هذه العبارات الاستنكارية ونراقب وجوه بعضنا بعضاً، وما تحكيه في وجل، ونراقب وجوه الزملاء الآخرين المقبلين على التدخين، ونترقّب إن آذانهم التقطت إحدى عباراتنا. “دا فضخ منظومة الجيش وفسادها” يقول أحدنا، لنختبر إن كان الزميل، عصفورة آتية لنقل الأخبار والوشاية بنا داخل المؤسسة، فنردف القول بسرعة، “مش معقول دا لازم يجيبوه بالانتربول عشان بيشوه سمعة مصر”. 

الفيديوات التي يطلقها محمد علي على صفحته “أسرار محمد علي” تخطت المليون مشاهدة ومئات الآلاف من التعليقات اليومية، في متابعة نهمة لمضمونها، الذي يقول فيه محمد علي حكايات ووقائع تظهر فساد منظومة الجيش وسيطرته واحتكاره قطاع المقاولات، وتتهم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي مباشرة بإهدار المال العام.

المتابعة اليومية الضخمة لفيديوات محمد علي، لم يكن يتوقعها هو نفسه بحسب ما قال في ظهوره المباشر على صفحته، ولم يتوقع أيضاً، هذا الدعم من جانب شريحة كبيرة من المعلقين ممن توقعوا سابقاً أن هذه المنظومة فاسدة وحجم فسادها معلوم. 

 

حجم الصمت الرسمي عن الرد على هذه الاتهامات التي يطلقها عبر فيديوهات شبه يومية، كان متوقعاً وكان من المتوقع أيضاً أن يتم الرد على محمد علي بطريقة أخرى، وهو ما حدث بوتيرة سريعة بعدما شن الإعلامي أحمد موسى حرباً إعلامية عليه ووصفه بالهارب!

 

محمد علي مع والده

صمت رسمي

حجم الصمت الرسمي عن الرد على هذه الاتهامات التي يطلقها عبر فيديوهات شبه يومية، كان متوقعاً وكان من المتوقع أيضاً أن يتم الرد على محمد علي بطريقة أخرى، وهو ما حدث بوتيرة سريعة بعدما شن الإعلامي أحمد موسى حرباً إعلامية عليه ووصفه بالهارب! وقال إنه صفّى أمواله وممتلكاته وحوّلها إلى خارج مصر. ولم تتوقف الحرب الإعلامية عند هذا الحد، بل تم استدعاء والد محمد علي في حوار مع أحمد موسى ليقول إنه يتبرأ من ابنه الذي يشوّه سمعة الجيش المصري، واستدعي شقيقه ليعلن من داخل مكتب أحد الضباط أن محمد على سرق أموال أبناء أخيه الأيتام.

لا يستبعد محمد على حتى أن يتم اغتياله، كونه استطاع خلق هالة حوله من المحبين والمتابعين، فيما يتم اتهامه بأنه جزء أساسي من منظومة الفساد، فهو وعائلته حققوا أرباحاً من مشاريع الجيش، تخطت مئات الملايين جنيهات، بحسب ما وصف والده حجم ثروة العائلة.

محمد علي الذي حلم دوماً بأن يكون نجماً سينمائياً لامعاً، إلى جانب كونه رجل أعمال وافر الثراء، نجح من خلال فيديواته في خلق جمهور ومحبين، وأصبح شخصية في فيلم واقعي شديد الدرامية، لكن إلى جانب ذلك تولدت كوميديا من قلب المأساة ليرى البعض في شخصية محمد علي جانباً كوميدياً خفيف الظل جديراً بالمتابعة، وهو خليط يشبه واقعنا البائس اللامبالي المحبط في انتظار المُخلِص.

المفارقة هي أن التحقق من ادعاءات محمد علي ليس وارداً رغم أنه ذكر اسماء ووقائع مباشرة، فلا أجهزة رقابة ستتحرك والاعلام الرسمي ركز على الهجوم على محمد علي واستحضار والده وعائلته للتشكيك بروايته، لكن أي جهة لم تقدم على التحقق فعلياً وبالوقائع على ما قاله الرجل… 

ماهي الاتهامات؟

محمد علي هو رئيس مجلس إدارة “شركة أملاك للمقاولات” وهي الشركة التي كانت تساهم بشكل كبير مع شركة “أوراسكوم” المملوكة لنجيب ساويرس وعدد من الشركات الأخرى في تنفيذ مشاريع للجيش، والتي وصفها محمد علي باعتبارها فناء خلفياً للترفيه لذوي الحظوة والسلطة، ولا يعلم المصريون عنها شيئاً، على رغم أن الأموال المهدورة على هذه المشاريع هي من أموال الشعب المصري وضرائبه.

يتحدث محمد علي أيضاً عن بداية استلام شركته مشاريع يتردد فيها اسم السيسي. كان هذا منذ 8 سنوات، حينما بدأت شركة أملاك استلام مشاريع إنشاء فلل وقصور لوزير الدفاع وأسرته، بدأت برغبة السيسي في هدم منزل المشير عبد الحكيم عامر وهي الفيلا التي يسكن فيها وزراء الدفاع في العادة بعد تقلدهم منصبهم، إلا أن السيسي رفض الإقامة في المنزل بحجة أن زوجته “بتقرف”. وفوض الجيش “شركة أملاك” بهدم المنزل وإنشاء قصر جديد مع سور عال لتسكن فيه العائلة، وعلى رغم انتهاء الشركة من بناء القصر، إلا أن القصر بحسب حديث محمد علي لم يعجب زوجة الرئيس، فقرر بناء قصر لها بكلفة 60 مليون جنيه، مع بعض الكماليات التي طلبت زوجة الرئيس إضافتها وكلفت 25 مليون جنيه. كل هذا كان قبل أن يتقلّد السيسي منصب رئيس الجمهورية، لكنه كان في مرحلة تهيئته من جانب المجلس العسكري كي يتقلد منصب الرئاسة.

بعد وصول السيسي إلى السلطة أصبح سؤال، أين سيسكن الرئيس؟، سؤالاً أكثر إلحاحاً على أسرة الرئيس الجديد، على رغم أن مصر فيها 30 قصراً رئاسياً عدا الفيلل والاستراحات الرئاسية، إلا أن الرئيس الجديد وأسرته فضلوا بناء قصر جديد في منطقة الهايكستب مع إنشاء قصور أخرى لقيادات الصف الأول الأكثر قرباً من السيسي، وإنشاء أنفاق تحت الأرض من القصور إلى المكاتب الإدارية هناك، عوضاً عن إنشاء قاعة المجلس العسكري الجديدة التي يقول محمد علي إنها كلفت ملايين الجنيهات.

مشاغل الرئيس الجديدة في تشييد الصروح لم تنتهِ، وكأنه هوس وولع بالعظمة، وهو ما نراه دائماً في خطابات السيسي، “أكبر كنيسة وأكبر منزل وأكبر دار أوبرا وأكبر عاصمة إدارية”، ولا يهم إن كانت هذه المشاريع تتوافق مع الإدارة الرشيدة للبلاد التي تمر في فترة عاصفة على المستويين الاقتصادي والأمني.

بالتوازي مع خطابات السيسي التي يوجهها للمصريين حتى لا يرتفع سقف طموحاتهم المعيشي، ليذكرهم بأنهم “فقراء أوي”، يعتقل في عهده واحد من أهم الباحثين الاقتصاديين لأنه قال في كتابه “هل مصر بلد فقير حقاً؟”، مشيراً إلى أن مصر غنية بالثروات، لكنها مهدورة بشكل قصدي. كما يقوم السيسي والجيش بتكليف شركات المقاولات بتهيئة المقابر لدفن والدته، ما كلف ميزانية الدولة مليونين و300 ألف جنيه، في الأسبوع الذي أصر السيسي فيه على إقامة احتفالية افتتاح تفريعة قناة السويس، الذي بحسب محمد علي الشريك باسم “شركة أملاك”، كلف الدولة 60 مليون جنيه، فيما كلف العمل في التفريعة الجديدة نحو 200 مليار جنيه.

هذه الأرقام والاتهامات من السهل ببساطة أن ترد عليها الحكومة أو الجهاز المركزي للمحاسبات، بخاصة أن رجل الأعمال المقيم حالياً في إسبانيا محمد علي، تحدى أكثر من مرة الجيش. إلا أن محمد علي قال إنه تعرض للمساومة بعد نشر الفيديوات وتدخلت أطراف من الجيش لتعويضه على الأموال التي لم يسددها له الجيش، شريطة أن يعتذر وينفي كل هذه المعلومات.

حكايات وأسرار محمد علي لا يبدو أنها ستطوى قريباً، لكن يبقى التساؤل هو: هل ستتحول المعلومات الى تحقيقات أم ستبقى مجرد حكايات يتداولها المصريون خلسة وهم يدخنون على أدراج المكاتب؟

“دولة السيسي” قلقة من عودة مبارك

إقرأ أيضاً