fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

أزمة لتغطية ثورة … الكهرباء والغاز في محاربة الحرية

ما زال ذاك الصوت “المزعج” لبائع الغاز، الذي يتجول بين الحارات طوال النهار باحثاً عن زبائنه، يتردد في أذني إلى اليوم.

كنت حينها طفلاً لا أفهم ما الجميل في أن أستيقظ صباحاً على صوت دقدقة قطعة حديد بقارورة غاز لتعلن وصول هذا البائع إلى حارتنا! ثم إن طار النوم من عيني أتى بعده بائع المازوت ذو الصوت الأجش، مستخدماً مزماره الذي لا يصلح لعزف أي نوع من أنواع النوتات الموسيقية لاستفزازي، والتأكد من أنني استيقظت تماماً وسأبدأ يومي معكّر المزاج.

هذه الذكريات تشاركتها وأجيال كثيرة من السوريين في الماضي القريب، وكانت حاضرة في معظم المدن والبلدات السورية عندما لم يكن الغاز والمحروقات أكثر من سلعة تقدمها الدولة للمواطنين، انطلاقاً من واجبها كدولة، يجب أن توفر الخدمات الأساسية لمواطنيها، أو لعلها كانت تلعب دور التاجر الذي يبيع الزبائن من منتوجاته التي هي بالأساس من حق الزبون وميزانية وطنه. 

قبل أن تتحول هذه السلع وغيرها إلى سلاح حرب ومحور اقتتال بين أطراف النزاع في سوريا،أو تمسي حروباً ومعارك طاحنة للسيطرة على حقول النفط والغاز وسط سوريا وشرقها، من يد النظام إلى يد المعارضة إلى تنظيم الدولة ثم “قوات سوريا الديموقراطية” ثم النظام مجدداً، ولكل من هؤلاء أسلوبه في بيعها للمدنيين ولخصومه أيضاً. هكذا حتى أصبحت السيطرة على حقلٍ للنفط أو الغاز أو خطوط نقلها وتسويقها، لا تقل أهمية عن السيطرة على المدن والبلدات المكتظة بالسكان.

تحولت الكهرباء إلى وسيلة ضغط متبادلة، يقطعها النظام عن المناطق الخارجة عن سيطرته ليزيد من معاناة المدنيين فيها باعتبارهم حاضنة الفصائل، فترد المعارضة بتفجير أبراج الكهرباء أو أنابيب نقل الغاز، وإن طالت يدها، قصفت محطات التوليد والتحويل لتضغط على النظام، ليرد هذا الأخير بالقصف أو إغلاق الحواجز ومنع حركة العبور، ويدخل بعدها المدنيون في كلا الجانبين في دوامة من الضغط والابتزاز المتبادل بين أصحاب السلطة، استمرت في بعض الأحيان لأشهر وأعوام.

وحتى يكتمل مسلسل المعاناة يظهر فجأة “تجار الأزمة”، وفي حالة الكهرباء هذه ظهر بائعو الطاقة البديلة كألواح الطاقة الشمسية والبطاريات وغيرها، والذين للمفارقة لا نعلم كيف وصلت بضائعهم وتجاوزت الحواجز المغلقة والمناطق المحاصرة. 

لكن بعد التدخل الروسي في سوريا ودعم النظام عسكرياً لاستعادة مناطق واسعة من سيطرة فصائل المعارضة في جنوب سوريا والغوطة الشرقية وريف حمص، وصولاً إلى وسط البلاد حيث حقول الغاز، وشرقها حيث النفط، بدأ الحديث عن “الانفراج” والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار ووفرة الخدمات.

هنا بات واضحاً أن أحاديث الشارع السوري اختلفت، على الأقل ذاك الشارع الخاضع لسيطرة النظام، لم يعد الحديث عن التطورات العسكرية يتصدر المشهد. محيط دمشق “آمن” بمفهوم النظام طبعاً وجنوب سوريا عاد لسيطرته والمعابر الحدودية بدأت تستعيد نشاطها. شمال سوريا كذلك لم يعد يشهد أي نشاط عسكري بعد الاتفاق التركي – الروسي، والشارع لم يعد مهتماً بالحديث العسكري وكذا الأمر في الشأن الاقتصادي الذي بات يسير نحو الانتعاش وإن بشكل بطيء.

لم يبق للشارع ما يتحدث عنه إلا ذاك الموضوع الذي لا يريد النظام لمن يقيمون في سيطرته أن يفتحوه، الانتقال السياسي والاتفاقيات الروسية – الأميركية – التركية، وهل سنشهد انتخابات مبكرة؟ هل سيعيد المجتمع الدولي التطبيع مع النظام بعد كل ما فعله؟ ما مصير الميليشيات الأجنبية وكيف ستتعامل أميركا وإسرائيل مع التمدد الإيراني؟ ألا يجب على النظام أن يُخرج “حزب الله” اللبناني من ريف حمص ليسمح للاجئين بالعودة؟

أسئلة كثيرة وأحاديث باتت تتصدر أي اجتماعات، وعاد الحديث عن السياسية ومستقبل سوريا ليكون محور الاهتمام وساحة تبادل النقاش وربما الخلاف.

النظام لم يكن يريد فتح الباب للشارع أمام هكذا نقاشات، فهي كانت خطوطاً حمراً قبل الثورة وما زالت، ولكنه أوصل السوريين إليها بقصدٍ أو من دون قصد، ودائماً ما كانت هذه النقاشات تؤسس لما بعدها من حراك ونشاط قد لا يسيران على النحو الذي يُرضي النظام.

 

لقد نجح النظام في إنهاء الأزمة السياسية، ليس بحلّها، بل بخلق أزمة أخرى للتغطية عليها، هو فن “إدارة الأزمات” لدى النظام السوري، إن لم تستطع معالجة الأزمة فتجاهل وجودها، فإن شعرت بأنها قد تهددك فأوجد أزمة أخرى واشغل شعبك بها.

 

لإيقاف هذا الحالة وقطع الطريق على ما يمكن أن تصل إليه مستقبلاً، كان لا بد من إعادة إشغال الشارع بما هو أهم من الحرية والانتقال السياسي ومستقبل سوريا الدولي، لتبدأ ومن دون سابق إنذار ومن دون أي مقدمات، أزمة، بل أزمات، معيشية داخل المجتمع السوري. اختفى الغاز المنزلي من الأسواق، بدأت وزارة الكهرباء تقنين ساعات تزويد المواطنين بالكهرباء لفترات طويلة متهمة المواطن نفسه بالتسبب بالمشكلة من خلال استخدام الكهرباء للتدفئة ودعته إلى استخدام مازوت التدفئة، المازوت نفسه مفقود في الأسواق والحصول عليه بكميات محدودة بحاجة إلى موافقات ومعاملات رسمية ووزارة النفط تتذرع بضعف الإنتاج وارتفاع الاستهلاك في فصل الشتاء، انخفضت كميات إنتاج الخبز بشكل كبير، وأصبحت طوابير الحصول على ربطة خبز تتطلّب الوقوف ساعات متواصلة والذريعة أن الإنتاج المحلي من القمح لا يكفي لسد الحاجة.

هذه الأزمات جميعها كان النظام نفسه بشر السوريين قبل أشهر قليلة بأنها أصبحت من الماضي بعدما استعاد السيطرة على مساحات واسعة من جنوب ووسط سوريا الغنية بالموارد النفطية والزراعية.

نوابٌ في مجلس الشعب وفنانون ومسؤولون والإعلام الموالي للنظام، جميعهم يتحدثون عن هذه الأزمات، بل ذهب بعضهم إلى المطالبة بالمحاسبة، الحالة التي ظهر عليها هؤلاء باعتبارهم نُقاداً للأزمة ومتضررين منها لا تبدو أكثر من كونها محاولة لترسيخ الأزمة نفسها وليس معالجتها، هي رسالة بأننا جميعاً نعيش في المعاناة ذاتها، دعونا نستمر في الحديث والبحث عن الحلول.

لم يعد الحديث السياسي يشغل اجتماعات السوريين، بالكاد أصبح لديهم وقت لهذه الاجتماعات وهم يسعون يومياً خلف رغيف الخبز ومازوت التدفئة وقارورة الغاز، والبحث عن عمل واثنين وثلاثة وقائمة طويلة مما يجب على المواطن القيام به إن أراد وعائلته البقاء على قيد الحياة في “سوريا الأسد”.

لقد نجح النظام في إنهاء الأزمة السياسية، ليس بحلّها، بل بخلق أزمة أخرى للتغطية عليها، هو فن “إدارة الأزمات” لدى النظام السوري، إن لم تستطع معالجة الأزمة فتجاهل وجودها، فإن شعرت بأنها قد تهددك فأوجد أزمة أخرى واشغل شعبك بها.

 

إقرأ أيضاً:

عن منتخب البراميل وفصل السياسة عن الرياضة

من الانشقاق إلى الالتحاق: هكذا أعاد الأسد تجنيد معارضيه

إقرأ أيضاً