fbpx

هنا القصة الثالثة

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

مقالات الكاتب

أرمينيا: ماذا بعد الثورة؟

يتظاهر آلاف الأشخاص كل أسبوع في شوارع بلغراد، منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر، احتجاجاً على حكم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش. ويتّهم المتظاهرون الرئيس الصربي بالفساد، وتقييد حرية الصحافة، واستخدام العنف والقوة ضد معارضيه. استمرت التظاهرات طوال شهر كانون الأول وحتى كانون الثاني/ يناير من العام التالي.

شهدت صربيا ثورة سلمية في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2000، أطاحت بالحاكم المستبد سلوبودان ميلوسيفيتش، باسم الديموقراطية ومكافحة الفساد. فلماذا إذاً يتظاهر الصربيون للأسباب ذاتها بعد 18 عاماً؟

صربيا ليست استثناءً. لنأخذ أوكرانيا على سبيل المثال. فقد مر عام 2004 باضطرابات سياسية ضخمة عرفت باسم “الثورة البرتقالية” والتي خلالها تجمّع آلاف الأشخاص في ميدان الاستقلال، الميدان الرئيسي في العاصمة كييف.

احتج المتظاهرون آنذاك على الانتخابات المزوّرة التي فاز فيها السياسي الفاسد فيكتور يانوكوفيتش. كانت الثورة الأوكرانية السلمية ناجحة، لكن على رغم ذلك، لم يلبث أن عاد يانوكوفيتش إلى السلطة بوصفه رئيساً للوزراء عام 2006، ثم أصبح رئيساً للبلاد عام 2010.

إلا أن سياساته تسببت في اندلاع ثورة أخرى عام 2014 (ثورة أكثر عنفاً بكثير، مع احتلال روسيا شبه جزيرة القرم، واندلاع نزاع مسلّح في دونباس شرق أوكرانيا) أطاحت به للمرة الثانية. ومع ذلك، ما زال الفساد في أوكرانيا مشكلة تنتظر الحل. ومرت قيرغيزستان -دولة في وسط آسيا الوسطى- في مراحل مماثلة: فقد أُطيح سلمياً بِعسكر آكاييف أول رئيسٍ للبلاد منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي والمتهم بالمحسوبية والفساد عام 2005.

لا يعني فشل الثورات الشعبية السابقة أن التاريخ يجب أن يعيد نفسه. إذ يمتلك البشر القدرة على التعلم من الماضي

وتبين أن خليفته قربان بيك باقايف أكثر فساداً منه وغير ديموقراطي. فبعدما تظاهر كثيرون ضده عام 2010، لم يتردد في إصدار أوامر لقواته بإطلاق النيران على المحتجين. وعلى رغم وقوع ضحايا، فقد أُطيح مع ذلك بِباقايف. ومثل قيرغيزستان، اندلعت ثورة سلمية في جورجيا عام 2003، وعلى رغم ذلك، لم تكن الانتخابات شفافة ولا نزيهة، ولم تُحل مشكلات الفساد في القطاع العام.

الثورة الثانية في أرمينيا

لم تكن ثورة أرمينيا عام 2018 -باسم الديموقراطية ومناهضة الفساد- هي الأولى في تاريخ البلاد، فقد سبق أن شهدت البلاد تغييراً سلمياً للنظام عام 1989. حينها كانت لا تزال إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي. وفي ظل الضغط الشعبي، تخلت النخبة السوفييتية المحلية (مجلس السوفييت الأعلى) عن السلطة لمصلحة حركة كاراباخ، المؤلفة من مفكري العاصمة الأرمينية يريفان ومثقفيها. وبناءً على ذلك، فإن لدينا بالفعل ثورة ثانية في أرمينيا باسم الديموقراطية والانتخابات الحرة والنزيهة وحكم البلاد من دون فساد. إذاً هل سيحقق الثوريون الجدد أهدافهم المعلنة؟

تُثبت الأمثلة المذكورة أعلاه أن ثمّة أسباباً هيكلية، لا تفسر أسباب اندلاع الثورات فحسب؛ بل وأسباب فشلها أيضاً. في الحقيقة، لدينا مجموعتان من الأسباب لفشل الأمثلة المشار إليها في الأعلى وهما: طبيعة العملية الثورية والظروف الخاصة للمرحلة الانتقالية في فترة ما بعد الاشتراكية. ثورة تسفر عن وضع يسوده الاستقطاب، وتتسبب في الخصومة والتناحر والمنافسة القاسية، ما يشجع على ظهور سلطة مركزية.

تقليدياً، تنشأ عن الثورات دول قوية، لكن نادراً ما تؤدي الثورات إلى إرساء الديموقراطية. فهذه الأخيرة هي عملية تستند إلى لا مركزية السلطة الضرورية لاستحداث الضوابط والتوازنات. لا يهم ما إذا صاح الثوار بأعلى أصواتهم أنهم خرجوا من أجل الديموقراطية، فإن هم استحوذوا على السلطة بمفردهم؛ حينئذ سيصبحون عاجلاً أو آجلاً حكاماً مستبدين.

تصبح الصورة أكثر تشاؤماً عند الأخذ في الاعتبار أن الأحزاب الثلاثة في البرلمان ذات أيديولوجية ليبرالية، وتجسّد طواعية مصالح طبقة رجال الأعمال

إذا ما أخذنا نتيجة الانتخابات التشريعية الأرمينية في كانون الأول في الاعتبار، فإننا نرى تمركز السلطة ذاك تحديداً. لم يتشارك سوى ثلاثة أحزاب في مقاعد البرلمان المنتخب البالغ عددها 132 مقعداً، مع ذلك فإن حزب رئيس الوزراء “حزب العقد المدني” المُنضم إلى “تحالف خطوتي”My Step Alliance، يهيمن على البرلمان بفوزه بـ70 في المئة من الأصوات و88 مقعداً، وحصل حزب “أرمينيا المزدهرة” الذي يقوده رجل الأعمال كَاكيك تساروكيان على 8.2 في المئة من الأصوات و26 مقعداً، في حين حصل حزب “أرمينيا المشرقة” على 6.3 في المئة من الأصوات و18 مقعداً.

خلال تظاهرة أرمنية في أيار/مايو 2018 دعماً لزعيم المعارضة

تُظهر حقيقة أن الحزب الجمهوري الحاكم القديم، وحزب الاتحاد الثوري الأرميني (حزب الطاشناق) العريق المتوارث، حصلا على أقل من 5 في المئة، وهي النسبة اللازمة للمشاركة في البرلمان، كيف أصبح تكوين الأحزاب السياسية متخلفاً بعد 28 عاماً من الاستقلال. وهذه حقيقة أكثر دراماتيكية وإثارة، فحتى بعد الإصلاحات الدستورية عام 2015، ما زالت أرمينيا جمهورية برلمانية، وبالتالي فإن السلطة والقرارات التنفيذية تكون صادرة من جانب القوى الممثلة في البرلمان.

لهذا فإن الميل الطبيعي سيجعل “تحالف خطوتي” التابع لرئيس الوزراء نيكول باشينيان يحل محل الحزب الجمهوري القديم؛ بصفته حزب إدارة الدولة. وهذا هو أحد أكثر آثار الإرث السوفييتي سلبية، إذ كان الحزب الشيوعي الحاكم يحتكر السلطة السياسية ويهيمن على الدولة. يتمثل الإرث السوفييتي الآخر في أنه لا تفرقة قائمة بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية.

يُعدّ هذا التفريق ضرورياً من أجل امتلاك مفاضلات سياسية، كما أنه يشكل أساساً اجتماعياً للمنافسة السياسية. بعبارة أخرى، لن يستحوذ حزب باشينيان على مؤسسات الدولة فحسب؛ بل إنه سيندمج أيضاً مع طبقة رجال الأعمال. وهذه ليست أخباراً سيئة لأولئك المهتمين بإرساء الديموقراطية في أرمينيا وحسب، وإنما بالنسبة إلى عملية مكافحة الفساد أيضاً. كيف يمكن أن تكافح الفساد في حين أن من يحددون القوانين ومن ينفذونها ومن يتربحون منها، هم ذاتهم؟

تصبح الصورة أكثر تشاؤماً عند الأخذ في الاعتبار أن الأحزاب الثلاثة في البرلمان ذات أيديولوجية ليبرالية، وتجسد طواعية مصالح طبقة رجال الأعمال. من يمثل إذاً مصالح العاطلين من العمل في الريف؟ أو مصالح عمّال المناجم؟ أو مصالح الطلاب الذين أدوا دوراً محورياً في الثورة؟

عندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كانت هناك حاجة ملحّة إلى إسقاط الدولة الشمولية وتحجيمها، وخصخصة الاقتصاد، آملين بأن الطبقات المتوسطة الصاعدة ستوفر قاعدة اجتماعية من أجل إرساء أسس ديموقراطية برلمانية. حتى الآن، ما زلنا نشعر بالضرر الذي تسبب به الاتحاد السوفييتي من خلال تقييد استقلالية المجتمع المدني؛ إذ لا تزال الدولة هي الجهة الفاعلة الرئيسة سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية، ولا يمتلك السلطة سوى تلك القوى التي تستحوذ على الدولة.

لا يعني فشل الثورات الشعبية السابقة أن التاريخ يجب أن يعيد نفسه. إذ يمتلك البشر القدرة على التعلم من الماضي. كانت السياسات الاجتماعية غير الشعبية هي أحد الأسباب الواضحة لفشل الثورة الجورجية. ففي حين فاز ميخائيل ساكاشفيلي فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي أجريت في كانون الثاني عام 2004 بنسبة بلغت 96 في المئة من الأصوات، إلا أن سياساته الاجتماعية المضرّة أدت إلى تظاهرات عارمة للمعارضة في وسط العاصمة تبليسي في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2007.

يمكن أن تتعلم الحكومة الأرمينية من دروس التجربة الجورجية وغيرها. فعلى مدار ثلاثة عقود، لم تجلب السياسات النيوليبرالية السعادة ولا الرخاء. ستفشل إن تصورت أن حل المشكلات الأرمينية، يكمن في جذب الاستثمارات الأجنبية.

ما تحتاجه أرمينيا هو اتباع نهج تصديري من أجل خلق فرص عمل في المناطق الجبلية والريفية، في المدن الصناعية السوفييتية السابقة التي تُركت لتواجه مصيرها بمفردها، وهو أمرٌ سوف تمتنع عنه الاستثمارات الأجنبية الساعية إلى تحقيق أرباح سريعة. ما تحتاجه أرمينيا في المقام الأول هو عملية إعادة توزيع. حينئذ فقط سيبقى قطاع من السكان -القطاع الذي يدعم الثورة- مخلصاً لقيادته السياسية.

إقرأ أيضاً:
من هي رئيسة جورجيا الجديدة؟
الثورة المستمرة في أرمينيا

إقرأ أيضاً