fbpx

هنا القصة الثالثة

حسين جمو - كاتب وصحافي كردي سوري

حسين جمو - كاتب وصحافي كردي سوري

مقالات الكاتب

أردوغان .. مخترع “المعارك المصيرية”

تحولت المدينة التي سجل فيها الرئيس التركي، أعظم انتصاراته، منذ 25 عاماً وبشكل متواصل، إلى ساحة لهزيمته الكبرى.

في منتصف عام 2014 بدأ رجب طيب أردوغان في تغيير شامل لاستراتيجية حزب العدالة والتنمية. بدأها على المستوى الداخلي بالتخلي التدريجي عن مفاوضات السلام التي كانت قد أثمرت، قبل عام من هذا التحول، عن وقفٍ لإطلاق النار، وانسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من معظم مناطق انتشارهم داخل تركيا. عملية السلام حينها بدأت برسالة من زعيم الكردستاني، عبدالله أوجلان، وتمت قراءتها في كافة نقاط الاحتفال بعيد النوروز 2013.

يمكن توثيق لحظة انهيار عملية السلام في التصريح الذي أطلقه أردوغان خريف عام 2014 حين توقع “سقوط كوباني خلال 24 ساعة”. كان التصريح احتفاءً وليس تحذيراً، والتيار الكردي المنخرط في السلام قرأ هذا الموقف. 

حين جاء موعد الانتخابات البرلمانية في 7 حزيران/ يونيو 2015، حشد حزب الشعوب الديمقراطي أكبر حملة، وحقق انتصاراً تاريخياً بدخوله البرلمان – كحزب – للمرة الأولى. في السابق كان الوصول للبرلمان أو البلديات يكون عبر مرشحين مستقلين. استفاد حزب الشعوب من فترة السلام القصيرة التي دامت نحو عامين، واستطاع توسيع قاعدته الانتخابية حتى باتت تهدد مشروع التتريك التاريخي للدولة التركية. فالحزب بات يقف على أسوار ولايات غرب نهر الفرات، وكانت قبل مئة عام ذات غالبية لغوية كردية، لكن باتت لاحقاً، تحت تأثير الهندسة الاجتماعية غير المعلنة، تركيّة. وهناك ما ساهم أكثر في تهشيم عملية السلام، وهو رفض صلاح الدين دميرتاش، الدخول في تحالف مع أردوغان بخصوص النظام الرئاسي، وهو المشروع الذي – لسبب غير مفهوم كما في أمثلة أخرى – اعتبره أردوغان معركة مصيرية. في معجم السياسات اليومية أحال أردوغان الكثير من الخطط العادية إلى معارك وجودية له ولحزبه، فانتصر في النظام الرئاسي، ولاحق حزب الشعوب، وأطلق حرباً في مدن كردية عديدة، ودمر معظمها، وتهجر نحو نصف مليون شخص من ثلاث مناطق (دياربكر – جزير – نصيبين). 

بهذه الصورة انتهت عملية السلام بين الكردستاني والدولة التركية.

ولأن أردوغان اعتبر النظام الرئاسي، ولأسباب غير مفهومة في علم السياسة، معركة وجود، فإنه احتاج إلى حليف يستند إلى أصواته، فوجد ضالته في حزب الحركة القومية، ومعاً خاضا كل استحقاق انتخابي منذ ذلك الحين تحت اسم “تحالف الشعب” (جمهور اتفاق). وحزب الحركة القومية حزب “تأزيمي” تاريخياً، بيئته المثلى “الاستقطاب الحاد”، سواء قومياً، ضد الكرد، أو طائفياً، ضد العلويين. وتحت وطأة هذا التحالف بات الخطاب القومي التصعيدي، داخلياً، والذي هو منهج الحركة القومية، جزءاً يرافق تصريحات أردوغان وقيادات حزبه. باتت السياسة الكردية للدولة هي سياسة حزب الحركة القومية. ولم يسبق أن حقق الأخير مثل هذا الاختراق في بنية السلطة، منذ نهاية حقبة زعيمه التاريخي ألب أرسلان توركيش، في سبيعينات وثمانينيات القرن الماضي.

حين حدثت المحاولة الانقلابية في 15 تموز/ يوليو 2016، هيّأ الإجماع الحزبي الرافض بشدة للانقلاب، حين بدا أنه نجح، أرضية لتوافق سياسي عريض ينهي حقبة الاستقطاب السابقة. إلا أن أردوغان، اعتبر تطهير البلاد من الإرهابيين (جماعة فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب)، معركة وجودية أيضاً، رغم أن حماية الحياة السياسية، معركة جميع الأحزاب، وليس فقط لحزب العدالة وحليفه الحزب القومي.

تحت وطأة هذه المعركة، جرى اعتقال صلاح الدين دميرتاش، وثلاثة آلاف من كوادر حزبه. وتم فصل أكثر من 150 ألف مواطن تركي من وظائفهم وتسريح آلاف الضباط وإغلاق مئات المؤسسات.

 

لأن أردوغان اعتبر النظام الرئاسي، ولأسباب غير مفهومة في علم السياسة، معركة وجود، فإنه احتاج إلى حليف يستند إلى أصواته، فوجد ضالته في حزب الحركة القومية، ومعاً خاضا كل استحقاق انتخابي منذ ذلك الحين

 

حين وصل الزمن إلى الانتخابات البلدية، في 31 آذار/ مارس الماضي، قرر أردوغان، لأسباب غير مفهومة سياسياً أيضاً، أنها معركة وجودية. لم يسبق أن حظيت الانتخابات البلدية بالأهمية التي نالتها في الدورة الأخيرة. فالبلدية تمثل الجانب غير السياسي من الدولة. وحين كان أردوغان يدير بلدية اسطنبول من عامي 1994 إلى 2002، لم تكن الأحزاب السياسية ترى في الأمر تهديداً وجودياً في موقعه ذاك.

حين خسر مرشح العدالة والتنمية، بنعلي يلدريم، في اسطنبول، أطلق أردوغان تصريحه الغريب الآخر: من يفوز باسطنبول يفوز بتركيا. وهذه المقول غير صحيحة وفقاً للتجارب التاريخية للانتخابات، ما عدا في حالة واحدة، وهي حالة أردوغان. وتجربته تحولت إلى قاعدة ومعركة وجودية أخرى أضافها إلى سلسلة حروبه، حتى كانت الهزيمة الساحقة لحزبه في انتخابات الأحد، بفارق “مذل” من الأصوات.

بُعيد إعلان النتائج، لم يكن لدى أردوغان الكثير ليقوله. أما حليفه، زعيم الحركة القومية، دولت بهجلي، فسارع إلى إعلان زهده في الانتخابات، وأن على تركيا أن تعود للحياة الطبيعية وتكف عن المزيد من الانتخابات. تصريح بهجلي يأتي في إطار هروبه من احتمال “الانتخابات المبكرة” التي يُقال إن أردوغان سيدعو إليها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، أو ربيع العام المقبل. خشية بهجلي من الانتخابات المبكرة تكمن في أنه مدرك لصعوبة نجاح حزبه في دخول البرلمان. فالحزب فقد الكثير من أصواته بانشقاق ميرال أكشنر وتأسيسها “الحزب الصالح”.يضاف إلى ارتكاب بهجلي خطأ كارثياً، في نظر أنصاره، حين حاول الاستفادة من رسالة أوجلان الداعية إلى الحياد في الانتخابات. في نظر أنصار أردوغان، بعيداً عن الإعلام الرسمي، فإن بهجلي لم يعد يسيطر على حزبه. الانتخابات المبكرة – في حال تم اللجوء إليها – ستنهي التحالف الإسلامي القومي، والأرجح أن أردوغان يبحث عن حلفاء آخرين، ولا سبيل أمامه سوى مساعدة حزب آخر على دخول البرلمان، غير الحركة القومية، وهذا غير متوفر بسبب صغر الأحزاب خارج البرلمان، أو العودة للعمل عبر توافقات مؤقتة مع كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي.. إلا إذا اعتبر، مرة أخرى، أن تشكيل تحالف جديد “معركة مصيرية”.

بدايات انهيار تركيا الإردوغانيّة؟

إقرأ أيضاً