fbpx

هنا القصة الثالثة

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

أدونيس في أحضان سفير نظام الأسد

التاريخ لا ينسى. يهادن ربما ويتمهل، لكن لا بد أنه سيذكر ما يجب أن نراه بأم العين يوماً ما، من عداء “بعض” المثقفين العرب للثورات ووقفوهم الى جانب القتلة، وتفرجهم على المجازر بعيون متكبرة وكيدية، وقبل هذا حشد الصداقة مع رجالات الأنظمة القمعية والاستبدادية من باب التكريمات والعلاقات والفوز بمقابلات متلفزة محسوبة على هذا النظام. وسنقرأ (يوماً ما) أن أدونيس، كان شاعر بلاط خفي، وقاتل معنوي يساوي “جزار سوريا” بشار الأسد، في شحذ السكاكين على رقاب السوريين. 

سترفق صورة تاريخية له، يصافح بحميمية، سفير دمشق علي عبدالكريم في حفل تكريمي في بيروت. العاصمة التي تحكمها اليوم “لغة عداء” رسمي، بلسان وزير خارجية البلاد ضد السوريين، وتزداد فيها الحملات المغرضة بحق اللاجئين ويشارك فريق سياسي بارز فيها بعمليات الإبادة والتعفيش في سوريا، من دون أن يشير الى هذا. مضخماً الأنا الذاتية وهو يتحدث عن نفسه وعن ابنائه وزوجته وزواجه المدني، الذي كان “سابقة”، أنسته المبادىء التي دافع عنها وأولها الدفاع عن كرامة الفرد والانسان. والانسان السوري على ما يبدو ليس في حسابات أدونيس، الطامح الى “نوبل” للآداب والحالم بدول “ديموقراطية” في عالمنا العربي، ومثاله بشار الأسد. 

 هذه المصافحة ليست سوى رمزاً، لما أراد أدونيس ايضاحه لنا: “نعم أنا فخور بعلاقتي مع هذا النظام”. هذه المرة لم يخاطبنا بنظرياته حول “أسلمة” الثورات وخروجها من المساجد، متناسياً المجازر التي يرتكبها نظام الأسد بحق المدنيين، بل أعطانا لقطة للتاريخ حين يتحد المثقف مع السلطان الجائر في رؤيتهما للدم السوري من عين الذبّاح والقاتل. 

 

والحال، أن أدونيس الذي يعيش في باريس، مدينة الثورات، يجب أن نذكره بأن أحد أكبر كتاب فرنسا، الذي صفق للنازية، الكاتب سيلين، امتنعت “غاليمار” (منذ عام تقريبا) عن نشر اعماله، بعد نقاش طويل حول موقفه الأخلاقي من القتل والذبح والتهجير

 

في الصورة، يصافح أدونيس صديقه الذي انتسب الى الثقافة بصفة شاعر والى ماكينة القتل بصفة ديبلوماسي، بودّ تظهره الملامح كأن هذا اللقاء له لقاءات سابقات وليس جديداً. وكأنه ليس سوى استكمالاً لرسالة يود أدونيس إبلاغها الى بشار الأسد أنه ممتن له على هذا “الصمود” والبقاء رئيساً وبعد 7 سنوات من قتل شعبه والعالم يتفرج. كأنه يقول له: إبق لا يهم، المهم ان لا يصل الاسلاميون الى الحكم. إبق معززاً الحكم العلماني (ولو كان ديكتاتوريا، قاتلاً، سفاحاً)، لكن لا تجعل المتظاهرين يخرجون من المساجد. لا تجعل الحناجر تصدح: بالحرية. اقتلهم فرداً فرداً. إنهم أعداء  فكرة الدولة الديموقراطية العادلة، أنهم مشاريع إرهاب وداعشية. هذا ما أراده يوماُ أدونيس باختصار لهذه الثورة اليتيمة التي قامت على الحق. 

في هذه الصورة تحديداً، يكرس أدونيس نفسه مستبداً، في إعلانه إجازة قتل السوريين عبر مصافحة سفير نظام الأسد. ومن مكانه كمثقف “تنويري” وحداثي، يخاطب أدونيس بهذا المشهد، سقوطه الأخير. أمام الجمع: نخبة وعوام. علمانيين ومتأسملين. متعلمين وجهّال. كما يحلو، له أن يصنف طبقات المجتمع ويفككها.   

لا بد من أن يقال للشاعر الذي أطاح بالثورة منذ لحظتها الاولى، أن شعره لا يعنينا. شعره الذي صار اليوم، صفائح مبللة بالدم السوري. ولم يسجل له أي كلمة ضد هذا النظام. وأن مواقفه من مدنيين عزل، يقتلون في العراء او تسقط على رؤوسهم القنابل والبراميل المتفجرة ويبادون بالكيماوي، كلها سنسمعها ونقرأها ونعيدها في محكمة التاريخ. وحين سيستعيد السوريون دولتهم من آل الأسد وزمرة البعث.

والحال، أن أدونيس الذي يعيش في باريس، مدينة الثورات، يجب أن نذكره بأن أحد أكبر كتاب فرنسا، الذي صفق للنازية، الكاتب سيلين، امتنعت “غاليمار” (منذ عام تقريبا) عن نشر اعماله، بعد نقاش طويل حول موقفه الأخلاقي من القتل والذبح والتهجير. وتذكيره أيضاً أن الأديب الفرنسي إميل زولا وقع على عريضة سياسية، ضد العداء للساميّة الذي رافق محاكمة الضّابط اليهودي الفرنسي درايفوس، وهو موقف اخلاقي، يناط بكل مثقف وفاعل في العمل الثقافي. فالمثقف ليس متفرجاً، وليس عدائياً ضد الشعب. هو منه وفيه، وعليه هناك معايير اخلاقية عليه التحلي بها تجاه قيم الإنسان وكرامته وحرياته. 

وإن كان أدونيس، لا يشبه بتاتاً شعراء وفلاسفة عرب عاشوا في ظل حكم السلاطين، وقالوا “كلمة حق”، كالتوحيدي والجرجاني وابن المقفع وأبي العلاء المعري وابن رشد، فإنه بالطبع يلبس خطابه وموقفه لبوس الطاغية، والتاريخ لن ينسى.   

إلى جبران باسيل: وماذا عنا نحن اللبنانيين أبناء الأمهات السوريات؟

 

إقرأ أيضاً