fbpx

هنا القصة الثالثة

هاشم عدنان - مخرج مسرحي لبناني

مقالات الكاتب

أخيراً زرتُ الزيرة.. آخر شاطئ طبيعي في لبنان..

أخيراً زرت “الزيرة”، زرت جزيرة الأرانب. لم أفهم قبل هذه الزيارة ما معنى أن تكون قبالة شواطئ لبنان مجموعة من الجزر الصغيرة. اتضحت لي الصورة الآن، صورة كما كل الصور في هذا البلد وفي ظل عصر التوحّش الرأسمالي الحالي، تجمع الجنة والجحيم في آن واحد ومكان واحد.

الطريق من مرفأ طرابلس- المينا إلى جزر النخيل قبالة شاطئها تختصر المسافة بين العالم السفلي والفردوس الأعلى. مرفأ فوضوي، غير منظّم، متسّخ، ملوّث ومسموم. لا تفهم إن كان مرفأ تجارياً أم سياحياً أم مخصصاً للصيد أم للتهريب، لكن سرعان ما تكتشف أنه في الحقيقة مخصص لكل هذا وأكثر. لون الماء، تحت القوارب المتوقّفة في المرفأ، أصفر يميل إلى الرمادي ويخبّئ تحته أنواعاً وأشكالاً لا تحصى من الموت… أو هكذا خيّل لي. داخل حدود المرفأ تتربع أولى الجزر المتصلة باليابسة عبر جسر للمشاة. رائحة المشاوي تختلط بروائح يستحضرها اللون الأصفر، وألوان الشمسيات تتماهى مع ألوان القطع البلاستيكية المنتشرة فوق الماء. يبدو أن أحدهم يستثمر هذه الزيرة القريبة ويدير الحياة، المحدودة بعطلة نهاية الأسبوع، عليها… أو هكذا خيّل لي.

يخرج المركب من حدود المرفأ بعد أن سلك طريقاً متعرجاً بعض الشيء فنرى منشآت مهجورة ونصف مدمرة وخزانات وحاويات منتشرة، تبدو فارغة ومهملة. يجتاز المركب ما يمكن أن نسميه بوابة المرفأ، من خلال العبور تحت جسر يحتل طرفه صيادون ويقف فوقه شاب ينتظر وصول مركبنا ليقفز إلى الماء مستعرضاً سقوطه في الماء. فعلٌ ذات دلالة أبعد من الاستعراض: على رغم كل شيء هذا المرفأ لا يزال على قيد الحياة.

يتقدّم المركب ببطء وتلوح أمامنا مجموعة من الجزر الصغيرة المنتشرة بعشوائية أزلية. ركاب مركبنا ممتنين من الرحلة حتى الآن، فحضور البحر غالب على رغم أن بحرنا بات مغلوباً.

الجزيرة الثانية التي نقترب منها الآن تبدو تابعة بطبيعتها “النفاياتية” إلى اليابسة وليس إلى البحر. صخرة كبيرة ممتدة أفقياً تحدّها النفايات والأوساخ من كل الجهات ويحيط بها زبد أصفر يشبه قيء مريض يعاني من التهاب حاد في المعدة وقد أخرج للتو كل موجودات معدته ومصارينه بسبب تسمم من الأكل أو الماء الملوّث… أو هكذا خيّل لي.

زرت محمية جزر النخيل وتعرفت إلى عالم بحري فريد من نوعه يعيش على مقربة من شواطئنا المسمومة بالمنتجعات الخاصة والسياحية الاحتلالية. تعرفت ايضاً إلى احتمال تاريخ وحكاية. لقد زرت المحمية ووجدتها متروكة لمصير يبدو قاتماً

الجزيرة التالية أقل اتساخاً والزبد الأصفر بدأ ينحسر ويحتل مساحات أصغر من سطح الماء المتلألئ أبداً ودائماً. يتقدم المركب بثبات أهل البحر وعيون ركابه مشدودة إلى الأفق أو مشغولة بالصور التي تلتقطها كاميرات الهواتف النقّالة المتوفرة لدى الجميع تقريباً. صور كان بإمكانها أن تشكّل في زمكان آخر الدليل القاطع الذي يدين نظاماً مجرماً لا ينظّم سوى الخراب والاستغلال والعنف.

مع اقترابنا من الجزيرة الرابعة بدأت أتذكّر رحلتي إلى إحدى الجزر اليونانية في الصيف الفائت. رواد بحر وشمسيات وجو مريح، إلا أن بقايا الزبد الأصفر تعيد خلط أوراق المشهد وتوقد بداخلي غضباً مجبولاً بالقلق على بشر يسبحون في بحر من المفاجآت التي قد لا تظهر إلا على شكل سرطانات جلدية متوقّدة… أو هكذا خيّل لي.

نصل قبالة الجزيرة مقصدنا وصول الروح إلى البرزخ. خلفنا جمهورية الباطون وأمامنا جزيرة الأرانب وبحر أزرق يغرينا بالمزيد من الإبحار. المياه هنا صافية وشفّافة، يمكننا ان نرى قعر البحر وأن نتخيّل غرقنا الافتراضي بشيء من الرضا. عندما وطئت قدماي أرض الزيرة شعرت أنني سافرت إلى بلد آخر. ليس بسبب غلبة الجمال الطبيعي على كل باقي العوامل الملوّثة التي باتت معروفة، بل بسبب استيعابي المفاجئ لمرور الوقت. مرّت نحو نصف ساعة انتقلنا خلالها من اليابسة إلى يابسة من نوع آخر.

تختلط القصص على هذه الزيرة لتخلق احتمال تاريخ وحكاية. فالسباحة قرب الصخور الملاصقة لها تكشف لنا عن عالم بحري رائع ومليء بالحياة. أسماك صغيرة شفافة وكثيرة، تسبح في مكانها وتعلن لمستكشفي أولى مستويات الأعماق عن سلطة الطبيعة على هذا المكان وليس الإنسان… أو هكذا خيّل لي. التجوّل على أرض هذه الزيرة يكشف لنا أموراً أخرى تُنبئ ببدء تشكّل الحكاية، حكاية جزيرة النخيل المسماة جزيرة الأرانب، على رغم انقراض الأرانب عن سطحها. حكاية تختلط فيها قصص اختباء مقاتلين من المقاومة الفلسطينية على هذه الزيرة وقصف الطيران الإسرائيلي المعادي لهم، بقصص الجنود الفرنسيين الذين قصدوها لسنوات بهدف الصيد والاستجمام وجلبوا معهم الأرانب، بقصص التهريب والنصب على المهاجرين غير الشرعيين من خلال ايهامهم بأنهم وصلوا إلى قبرص، وليس عليهم إلا أن يتوجهوا إلى الشرطة في الصباح الباكر كي يبدأوا مرحلة جديدة من حياتهم القاسية. تختلط هذه القصص مع بعض مظاهر غزو النفايات للبحر وتخلط معها أوراق المشهد من جديد. فتجد كيساً هنا وبقايا نظارة شمسية هناك، وترى مملكة الباطون في خلفية المشهد جهة اليابسة.

لقد زرت محمية جزر النخيل وتعرفت إلى عالم بحري فريد من نوعه يعيش على مقربة من شواطئنا المسمومة بالمنتجعات الخاصة والسياحية الاحتلالية. تعرفت ايضاً إلى احتمال تاريخ وحكاية. لقد زرت المحمية ووجدتها متروكة لمصير يبدو قاتماً، على رغم محاولات بعض أهل البحر الاهتمام بها وحمايتها من زحف النفايات والمشاريع الاستثمارية التي بدأت تطل برؤوسها المتعددة تعدد الطوائف والمذاهب الدينية في لبنان. يتربّع على عرش هذه المشاريع، مشروع قديم متجدد ينتظر الفرصة المؤاتية منذ عقود كي يرى النور. تخيّلوا: عقاراً وهمياً فوق مسطح مائي من 30 ألف متر! يابسة مفروضة على البحر بقوة عوامل ثلاثة: جشع المستثمرين وتواطؤ المسؤولين وادمان الجمهورية على السريالية. عقار غير موجود سوى على الخريطة وفي مخيلة مالكيه الذين فرضوا ملكيتهم الاحتلالية هذه بفعل قرار صدر عن وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي عام 2010.

أخيراً زرت الزيرة، آخر متنفسٍ لسكّان المينا ولصيّاديها وعائلاتها. أتمنى ألا تكون الزيارة الأخيرة! فالردم آتٍ، واليابسة تطمح إلى التوسّع باتجاه الزيرة، على أمل ضمها يوماً ما إلى مملكة الباطون…أو هكذا خيّل لي!

ربما حان الوقت كي تخرجي حراسك الأسطوريين من مخابئهم المائية، يا زيره، كي يقاتلوا الغزاة! ليس ملك قبرص هذه المرة ولا البيزنطيين ولا حتى الصليبيين، بل جوقة من الرأسماليين الوطنيين الجشعين المدرّعين بمجموعة من المسؤولين الحكوميين الرسميين. جوقة تواظب على إغراقنا بالنفايات واغراق بحرنا بالمزيد من اليابسة وتصرخ نصب أعيننا بفرح: سوف نقضي على آخر شاطئ طبيعي في لبنان حتى لو كان آخر عمل نقوم به في حياتنا! ههههههها!

 

إقرأ أيضاً