fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

The Economist: كيف يقود النظام اللبناني البلاد نحو الفشل…

من الصعب الهروب من قبضة الدين في لبنان. تدير المحاكم الدينية القواعد التي تحكم الزواج وحقوق الملكية والميراث. يستطيع اللبنانيون العلمانيون الميسورون السفر إلى قبرص ليتزوجوا في مراسم مدنية. ولكن إذا ساءت العلاقة بين زوجين بعد عودتهما إلى الديار، لا يزال على الزوجين التعامل مع القضاة الدينيين، الذين يحكمون في قضايا الطلاق والنفقة وحضانة الأطفال.
يزداد ضجر اللبنانيين من هذه الطريقة في تسيير الأمور. إذ انخفض عدد المؤمنين بشكل مطّرد منذ عام 2011. واليوم، يقول ربع الأشخاص تقريباً إنهم ليسوا متدينين، وفقاً للمقياس العربي. ويقول نصفهم تقريباً إنهم متدينون إلى حد ما.

لم تكن الثقة في رجال الدين منخفضة أبداً مثلما هي الآن.
يساعد هذا على تفسير سبب رغبة المزيد والمزيد من اللبنانيين في إصلاح طريقة إدارة البلاد. عندما حصل البلد على الاستقلال عام 1943، وافق قادة لبنان على تقسيم السلطة السياسية بين أتباع الأديان في البلد. وقد عُدّل النظام على مر السنين- في الكثير من الأحيان رداً على تفشي العنف- ولكن من دون تغييرات جوهرية. الرئيس دوماً مسيحي ماروني، ورئيس الوزراء مسلم سني، ورئيس البرلمان مسلم شيعي. ويتم تقسيم المقاعد في البرلمان والوظائف الحكومية بين المسيحيين والمسلمين.
يلقي كثيرون باللائمة على نظام تقاسم السلطة في التسبب بشلل الحكومات والفساد المنتشر. على سبيل المثال، هناك نظام الكهرباء، الذي يحتاج إلى تحديث فوريّ، إذ يقل المتاح من الطاقة الكهربائية عن الطلب، ما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي يومياً. لكن بدلاً من القيام بأي خطوة، تلوم الأحزاب السياسية المتنافسة بعضها بعضاً على هذه المشكلة، ثم تستفيد منها. يستخدم كثر من اللبنانيين مولدات باهظة الثمن لإضاءة منازلهم. وكثيراً ما يرتبط رجال الأعمال الذين يتاجرون بتلك المولدات بالزعماء الطائفيين، الذين يأخذون حصتهم من الأرباح.

عندما يتشاجر السياسيون، غالباً ما يتعلق الأمر بكيفية تقاسم غنائم السلطة بينهم، وليس بسبب اختلافاتهم السياسية. سياسيون كثر كانوا من أمراء الحرب الأهلية التي غذتها الطائفية بين عامي 1975 و1990، ويميلون إلى منح العقود للأصدقاء والعائلة والمؤيدين. اتسعت كشوف المرتبات العامة بسبب تسابق الأحزاب الكبيرة لإعطاء فرص العمل لأبناء دينهم. وتقوم العديد من الوكالات الحكومية، مثل هيئة البريد ومصلحة النقل، بالتهام ميزانيات ضخمة، فيما لا تقوم بأعمال كثيرة. ووفقاً للبنك الدولي، تكلف الموارد المهدورة المرتبطة بالحكم الطائفي 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان كل عام.

لكن على رغم أن كثيرين يريدون إلغاء نظام اقتسام السلطة، إلا أن قلة منهم على استعداد للعمل. والخوف هو أحد الأسباب لذلك الإحجام. ففي تجربة أجراها المركز اللبناني للدراسات السياسية، وافق 70 في المئة من الناس على توقيع عريضة تطالب بإلغاء هذا النظام. انخفض الرقم إلى 50 في المئة عندما تم إخبار الناس بأنه سيتم إعلان أسمائهم. إذ يعتمد معظم اللبنانيين على حزب سياسي للحصول على الدعم المالي. ويوفر القادة الطائفيون فرص عمل، ويغطون رسوم المستشفيات ويدفعون تكاليف التعليم المدرسي. “لدينا متلازمة ستوكهولم”، وفق ما يقول جواد عدرا من “مؤسسة المعلومات الدولية”، وهي شركة استشارية في بيروت، “يحتجزنا قادتنا كرهائن، لكنهم أيضاً ممرّضونا”.
سوف تفقد بعض الجماعات السلطة حتماً إذا تم إلغاء النظام. على سبيل المثال، يحصل المسيحيون على نصف المقاعد في البرلمان، بناءً على حصتهم المقدرة من السكان. لكن آخر إحصاء وطني أُجري كان عام 1932. ويخشى كثيرون من أن يؤدي إحصاء جديد إلى إثارة التوترات الطائفية- لسبب وجيه. وفقاً لقوائم تسجيل الناخبين التي حصلت عليها مجلة “الإيكونوميست” عام 2016، لا يشكل المسيحيون سوى 37 في المئة من الناخبين. ومن المرجح أن يتقلص هذا الرقم أكثر، إذ إن المسلمين اللبنانيين أصغر سناً ويتكاثرون بشكل أسرع.
السّنة تقلّصت سلطتهم بسبب انهيار الدعم السعودي والثروات المتداعية لحزبهم السياسي الرئيس. يوجد ناخبون شيعة أكثر من الناخبين السنة. لكن تدفق أكثر من مليون لاجئ سوري معظمهم من السنة، والذين يشكلون الآن ربع سكان لبنان تقريباً، يعقّد الوضع. استيعابهم كمواطنين من شأنه أن يخل بالتوازن الطائفي.
يقول المتفائلون إن القانون الانتخابي الجديد الذي يؤسس التمثيل النسبي سيجعل من الأسهل على الإصلاحيين الفوز بمقاعدهم عندما يُجري لبنان الانتخابات البرلمانية في السادس من مايو/ أيار. لكن يفشل المرشحون الذين يثورون ضد الطائفية في إقناع ناخبين كثيرين بأنهم يستطيعون تقديم مزايا مماثلة للتي يقدمها أولئك الذين يشترون الأصوات. ويشكك بعض الناخبين في الحكمة من ترك نظام أبقى على السلام بين الجماعات الدينية منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويقولون إن القضاء على هذا النظام قد يؤدي إلى صراع طائفي على السلطة تدعمه بلدان أخرى، مثل إيران والسعودية. وتمثل البلدان المجاورة للبنان أبلغ الحكايات التحذيرية.
قد يكون الإصلاح التدريجي أفضل طريقة للتقدم. على سبيل المثال، يمكن السماح للمرشحين البرلمانيين بالترشح من دون الحاجة إلى الإعلان عن دينهم أو طائفتهم. لا يزال بإمكان الأحزاب الطائفية تقسيم المقاعد في ظل الصيغة الحالية، لكن حصتها في البرلمان سوف تتقلص في ظل زيادة عدد النواب العلمانيين. إلا أن مثل هذه الإصلاحات تتطلب من النخب السياسية تغيير قواعد اللعبة التي تستفيد منها. وإلى أن يتحقق ذلك، سوف يستمر لبنان في التعثر.

 هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع THE ECONOMIST لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً