حرب بوتين الباردة الجديدة

{{(articleDate.date | amDateFormat: 'DD-MM-YYYY') }}

محاولات الاغتيال، هجمات سيبرانية، تدخلات عسكرية – روسيا تلعب من جديد لعبة قاتلة مع الغرب، لكن على رغم مظاهر التبجح، تعاني الأمة الكثير من نقاط الضعف ومكامن الخطر.

فلاديمير بوتين ليس من نوع القادة الذين يتقبلون النقد من الغرب، حتى عندما تتهم بلاده بمحاولة الاغتيال باستخدام غاز الأعصاب المصنوع لأغراض عسكرية. لقد استهجنت السلطات الروسية هذه الاتهامات، بل وألمحت إلى مسؤولية المخابرات البريطانية في محاولة اغتيال سيرجي سكريبال وابنته يوليا في ساليسبري في 4 مارس/ آذار، إضافة إلى إشارات فجة تفيد بأن مصيرهما يجب أن يكون بمثابة تحذير لغيرهما من الخونة.

لقد تعرضت روسيا للعقوبات والنكسات الديبلوماسية، منذ أن ضمت شبه جزيرة القرم في آذار 2014، ويتوقع بوتين أن يتجاوز أي عقوبات قد يفرضها عليه البريطانيون، بالطريقة ذاتها التي تجاوز سابقتها في الماضي. وسيتحدث في خطاباته عن مرونة الدولة الروسية ويحدد خلالها الأشكال المناسبة للرد، التي سيكون من الصعب جداً على خصومه مواجهتها.

وليس من المستبعد أن ينتهز حال التوتر المتصاعدة مع الغرب، كفرصة قد تساعده في معالجة الأمر الرئيسي الآخر الذي يشغله في نهاية هذا الأسبوع، والمتمثل في الجولة الأولى من إعادة انتخابه رئيساً في 18 مارس/ آذار. كانت رسالة بوتين إلى الشعب الروسي لفترة من الزمن مفادها أن روسيا تتعرض لهجومٍ من الأعداء القدامى وأن ذلك يتطلب وحدة وطنية واستعداداً للتضحية، وأنه لا يشعر بالقلق حول نتيجة الانتخابات، لأن الانتصار أمرٌ مسلمٌ به. وتُظهر استطلاعات الرأي أنه يحقق تقدماً ملحوظاً بنسبة حوالي 65 في المئة من الأصوات، بينما يحصل المرشحون السبعة الآخرون على حوالى 5 في المئة من الأصوات لكل منهم.

لا توجد شخصيات روسية معارضة موثوقة لأن عمليات الاغتيال والسجن والاتهامات لم تترك سوى قلة قليلة قادرة على الاضطلاع بهذا الدور. وكان باستطاعة الناشط في مكافحة الفساد اليكسي نافالني أن يؤثر تأثيراً بالغاً، ويقوِض الأغلبية التي يحظى بها بوتين، لكنه مُنع من الترشّح من قبل لجنة الانتخابات المركزية. ويبقى الشيء الوحيد الذي قد يقلق بوتين هو عزوف المصوتين وتدني نسبة المشاركة في الانتخابات، الأمر الذي قد يحرمه بهجة الانتصار. ونظراً إلى عدم وجود منافسة حقيقية، وسير الحملات الفعلية في حدها الأدنى، والدعوة إلى المقاطعة من نافالني ومؤيديه، وانخفاض مستوى المعيشة وانسداد الأفق أمام الشعب الروسي، فإن نسبة المشاركة قد تكون أقل من نسبة 65 في المئة التي تحققت عام 2012، وهي نفسها كانت أقل من نسبة 70 في المئة عام 2008. 

ستكون هذه المدة الرابعة لبوتين (الخامسة إذا أخذنا في الاعتبار فترة 2008-2012 عندما قام بتبديل المواقع مع رئيس وزرائه، ديمتري ميدفيديف). ربما لن يحذو بوتين حذو نظيره الصيني شي جينبينغ ليعلن نفسه رئيساً مدى الحياة، لكنه مرر قرار تمديد فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وهذا يعني أنه سيبقى في الحكم حتى بلوغه 71 عاماً. وبينما تبحث الحكومات الغربية عن السبل الكفيلة بالتعامل مع ما تسببه روسيا من اضطرابات، لا ترى أي أفق واعد لتولي قيادة جديدة الحكم في موسكو، قادرة وراغبة في إعطاء البلد انطلاقة جديدة، ولهذا السبب تحتاج الحكومات الغربية إلى رسم سياسة للتعامل مع بوتين كرئيس، قابلة للاستمرار فترة من الزمن.

وهذا أحد الأسباب التي تدفع باتجاه المقارنة بين ما يحصل حالياً والحرب الباردة- وهي فترةٌ بدأت بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى سقوط جدار برلين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. وخلال تلك الفترة كانت العلاقات بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحلفائهما متوترةٌ وخطيرةٌ. وكانت هناك العديد من الصراعات الشرسة، غالباً ما تشمل دولاً وسيطة، لكن استطاع الجانبان تجنب حرب عالمية ثالثة، التي كان من المتوقع أن يستخدم فيها أسلحة نووية بكثافة.

في التسعينات، كان يحدو العالم الأمل، وساد اعتقاد بأن كل هذا سيكون من الماضي الغابر وسيحفظه التاريخ إلى الأبد، لتحل محله فترةٌ جديدةٌ من السلام والازدهار، ينعم برخائها الجميع. وقبل فترة من بداية الأزمة الأوكرانية في آذار 2014، كان من الواضح أن هذه الآمال لم تتحقق، وقد اشتكت روسيا من أن الغرب يطالب بنظامٍ دولي قائمٍ على قواعد، في حين يقوم بخرق قواعده الخاصة.

ما جدوى التفكير في الوضع الجديد والنظر إليه كحرب باردة وما الفائدة المرجوة من مثل هذه المقارنة؟ يمكن أن تكون المقارنات مع الحالات السابقة، كما سنرى، مفيدة ولو من باب تفسير سبب اختلاف الأمور الآن، لكن "الحرب الباردة" هي أيضاً فئة يكتنفها الكثير من التعميم. وقد استُخدم المصطلح لأول مرة في فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية لوصف الظروف التي لم تؤد بعدُ إلى أعمال قتالية فعلية، ولكنها من المحتمل أن تسفر عنها في أي وقت. وكان ذلك هو الفهم الذي استنتج من العبارة عندما استخدمها المعلقون الأميركيون في أواخر الأربعينات من القرن الماضي- لم يكن لديهم ما يجعلهم يتوقعون حدوث حال انسداد طويلة الأجل، لكنهم كانوا يتوقعون قدوم فترة يكون فيها احتمال نشوب "حرب ساخنة" كبيراً جداً. وبنظرةٍ مماثلةٍ قد نفكر حالياً في احتمال وقوع حرب باردة الآن، ليست نسخة طبق الأصل تماماً عما يمكن أن نسميه الحرب الباردة 1.0، لكنها نسخة جديدة، لها مميزاتها الخاصة. تستحق الحرب الباردة 2.0 هذه التسمية لأنها قد تتحول إلى حرب ساخنة. وهذا هو الخطر الذي يسترعي الانتباه.

يمكن القول في بعض الجوانب، إن الوضع دافئٌ بالفعل، نظراً إلى عدد الإجراءات الحثيثة التي اتخذتها روسيا أخيراً ضد الغرب. كتذكيرٍ منه بأحد أكثر جوانب الحرب الباردة 1.0 إثارةً للهلع، بدأ بوتين هذا الشهر بعرض مجموعة من الأسلحة النووية الجديدة، بما في ذلك صاروخ كروز يمكنه "الوصول إلى أي مكان في العالم" ويتجاوز جميع أشكال النظم الدفاعية. في هذه الأثناء، وبنبرة تذكّرنا بفترة أوائل الثمانينات، وصف جنرالات الناتو مدى تعزيز روسيا الأخير للقوات التقليدية التي تهدد دول البلطيق والصراع الذي قد يواجهه التحالف، في رده على هجومٍ خاطفٍ، حتى لو انتهى الأمر مع مرور الوقت (إذا كان هناك وقت أصلاً) بانتصار قوته المتفوقة.

يُعتبر التركيز على الطاقة النووية أحد أوجه الاستمرارية الرئيسية بين الحربين الباردتين. إنه الأساس الذي تستند إليه مزاعم روسيا لتبوؤ وضع القوى العظمى (وهو السبب الذي يجعل بوتين يشير إليه بانتظامٍ يثير القلق). والوجه الآخر من الاستمرارية هو عضوية روسيا الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يسمح لها بمنع القوى العظمى الأخرى من التحالف ضدها، لكن مع ذلك، فإن الاختلافات بين الحربين البريتين 1.0 و2.0 عميقة. 

التغير الأكثر وضوحاً هو أن روسيا حالياً في وضعٍ أضعف بكثير مما كان عليه الاتحاد السوفيتي. في نهاية عام 1991، انقسم الاتحاد السوفياتي إلى 15 جمهورية، وكل واحدة من هذه الجمهوريات انتهجت طريقاً منفصلاً، ثلاثة منها- إستونيا ولاتفيا وليتوانيا– هي الآن أعضاء في الناتو، وانضم حلفاؤها السابقون في حلف وارسو إلى حلف الناتو أيضاً، ما قلص دائرة نفوذ موسكو كثيراً. ولم يكن مفاجئاً، أن يسبب ذلك لروسيا شعوراً بالعزلة وعدم الأمان، إذ أصبحت أولوية السياسة الخارجية والأمنية الروسية الاهتمام بالفضاء السوفياتي القديم- "الخارجي القريب".

ثانياً، كانت الحرب الباردة 1.0 شأناً عالمياً. فعلى رغم أنها انطلقت أولاً في أوروبا، إلا أنها سرعان ما امتدت إلى آسيا ثم إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. في الحرب الباردة 2.0 تعتبر سوريا الاستثناء الرئيسي لتركيز روسيا على أوروبا. انخرطت موسكو بكثافة في عام 2015 من أجل منع هزيمة الرئيس بشار الأسد، وتكللت هذه العملية بنجاحٍ أكبر مقارنة بالعملية في أوكرانيا حيث وقعت روسيا في مستنقع مغلق غير مستقر. وأصبح بوتين الآن لاعباً رئيسياً في الشؤون السورية، حتى وإن بدأ يدرك أن هذا الوضع بمثابة نعمة ممزوجة بنقمة.

على رغم ما قام به لضمان بقاء نظام الأسد، إلا أن بوتين لم يتمكن بعدُ من التوصل إلى طريقة لتحقيق السلام الكافي الذي يسمح لروسيا بالانسحاب. ولا يمكن اعتبار هذا في الواقع جزءاً من الحرب الباردة 2.0 بصفتها مسرحاً جديداً للصراع مع الغرب. لم يبدِ لا الرئيس أوباما ولا الرئيس ترامب أي تحمس أو اندفاع للانخراط مباشرة في سوريا، على رغم ما خلفته الأزمة من كارثة إنسانية مروعة، وكلاهما اكتفى إلى حد كبير بشن غاراتٍ جويةٍ ضد الدولة الإسلامية ومؤيديها.

ثالثاً، نجم عن انكماش الاتحاد السوفياتي إلى الاتحاد الروسي عواقب اقتصادية كبيرة. لقد كان الاتحاد السوفياتي إلى غاية فترة تفتته، يشكل ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم، في حين يصارع الآن على المركز 13 في قائمة القوى الاقتصادية العالمية، من خلال منافسة استراليا، التي يبلغ عدد سكانها حوالي سبع سُكان روسيا. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا نحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا وبريطانيا، و40 في المئة من ناتج ألمانيا، وأقل من 8 في المئة من ناتج الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، يعاني اقتصادها من حالة اختلالٍ شديدٍ، بسبب اعتماده بشكل كبير على صادرات الطاقة، وهذا هو السبب الذي جعل اقتصادها يتعافى خلال العقد الأول من القرن الحالي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وبلوغها مستويات قياسية، قبل أن يتقلص اقتصادها نتيجة انخفاض أسعار الطاقة عام 2014. وكانت إعادة توازن الاقتصاد أحد أهداف بوتين في وقتٍ مبكرٍ من رئاسته، لكنه أخفق في تحقيق هدفه نظراً إلى الفساد المستشري وتجاهل حكم القانون.

رابعاً، خلال الحرب الباردة 1.0، كان التفاعل بين اقتصادات الكتلة السوفياتية واقتصادات باقي دول العالم ضئيلاً، فيما عدا قطاع الطاقة. ومنذ عام 1991، تفاعل الاقتصاد الروسي بشكلٍ مباشرٍ أكثر بكثير، من طريق استخدام أسواق رأس المال الغربية، واستيراد السلع والتكنولوجيا الغربية، مقابل تصدير النفط والغاز. ولطالما اعتبرت روسيا مكانتها كمُصدرة للطاقة، بمثابة مصدر نفوذ، فضلاً عن كونه مصدر إيرادات، وهي وسيلة مزدوجة، لتكريم الأصدقاء ومعاقبة الأعداء. وبمرور الوقت، أدى ذلك إلى إضعاف مكانة روسيا في السوق، بعد أن أصبح العملاء يتخوفون من شدة الاعتماد على روسيا كمورد للطاقة. في الوقت ذاته، أتاحت العلاقات الاقتصادية الكبيرة للغرب مع روسيا، فرص لفرض عقوبات غربية عليها، وإن كانت هذه العقوبات موجهة ضد الأفراد أكثر مما هي ضد قطاعات الاقتصاد بأكملها.

خامساً، لم يعد بإمكان موسكو تبوؤ زعامة حركة أيديولوجية دولية. هناك بعض اليساريين القدامى الذين ما زال يصعب عليهم النظر إلى موسكو، نظرة أخرى غير كونها قائدة النضال ضد الرأسمالية العالمية والإمبريالية. ومع ذلك، فإن رسائلهم الرئيسية أصبحت الآن قومية بشكل فج، وتجتذب مؤيديها الطبيعيين ضمن اليمين المتطرف الكاره للأجانب- وهم شخصيات من نوع نايجل فاراج، ومارين لوبان، وفيكتور أوربان. ومن المرجح أن نجد المتعاطفين الروس بين صفوف المنتسبين إلى الأحزاب والحركات المعادية للنساء والعنصريين وكارهي المثليين.

لقد اكتسحت هذه الحركات المجال في أوروبا بشكل كبير بسبب أزمة الهجرة، وقامت الدعاية الروسية بكل ما في وسعها لتشجيع ذلك. يبدو بوتين أكثر تعاطفاً مع الاهتمامات الشعبية مما هو الأمر في بروكسل أو باريس أو برلين. ومع ذلك، لا يشبه هذا الأمر قيادة حركة ذات هوية إيديولوجية واضحة. لقد وصل عددٌ من السياسيين المؤيدين لبوتين إلى السلطة في دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فيكتور أوربان في المجر، لكن افتقار روسيا إلى القوة الاقتصادية يعني أن هؤلاء القادة ينتهي بهم المطاف بالامتثال لسياسات الاتحاد الأوروبي السائدة (بما في ذلك العقوبات).

سادساً، كانت الحرب الباردة 1.0 صراعاً من عصر ما قبل الإنترنت، أما الحرب الباردة 2.0 فقد صاغت ملامحها شبكة الإنترنت، ما وفر فرصاً لأشكال جديدة من الإكراه والتأثير، التي تتميز بكونها رخيصة التكلفة نسبياً ويمكن تنفيذها سراً. وتسمح هذه الطرق بشن استفزازات، جد قريبة من عتبة ما يمكن أن يؤدي إلى حرب ساخنة. وبهذه الطريقة، يمكن أن يدور الصراع في حيز رمادي، ينطوي على إجراءات يصعب تحديد مصدرها، يمكن أن يقوم بها أفرادٌ ومجموعات خاصة يعملون كوكلاء لدولةٍ ما. فعندما تنهار أنظمة المعلومات الحساسة فجأة، وتؤثر في البنوك أو الشؤون الإدارية الحكومية، أو انتشار الرسائل المزورة والتحريضية التي تعُم وسائل التواصل الاجتماعي، قد تبدو واضحة مسؤولية روسيا، لكن يصعب إثباتها. وحتى عندما تكون الأدلة ساحقة، غالباً ما يكون الرد عليها الإنكار بكل بساطة.

من الجدير ملاحظة كثافة النشاط الروسي، دون بلوغ مستوى الحرب الفعلية. ينصب الاهتمام في المملكة المتحدة على محاولات الاغتيال، لكن القضية الأخرى البارزة تتعلق بمدى التدخل الروسي في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016. أشار المدعي الخاص روبرت مولر إلى دور وكالة أبحاث الإنترنت، وهي "مجموعة تحريضية على الإنترنت (ترول فارم)" مقرها سان بطرسبرغ، كانت جزءاً من جهد يروم تطوير روابط مع مجموعات اليمين المتطرف واليسار المتطرف الذين يعارضون "العولمة" وسياسات تدخل القوى الليبرالية. وألقِي اللوم أيضاً على روسيا في هجوم "بيتيا رانسوم وير" في حزيران (يونيو) 2017، الذي كان موجهاً في الأصل ضد المؤسسات المالية والطاقة والحكومية في أوكرانيا- لكن طابعها العشوائي جعلها تمتد إلى ما هو أبعد وتشمل الشركات الأوروبية الأخرى، ما تسبب في خسائرٍ تقدر بملايين الدولارات.

تعرضتْ مراسم افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لكوريا الجنوبية هي أيضاً لهجوم، مع توقف تشغيل الموقع الرسمي وانهيار التكنولوجيا في الموقع، بطريقة ربما تكون كوريا الشمالية تتحمل المسؤولية عن ذلك، في الوقت الذي كانت تُجرى فيه محادثات مع كوريا الجنوبية للحد من التوترات. ومن المحتمل أن يكون الدافع وراء الهجوم، عمل انتقامي رداً على قرار اللجنة الأولمبية الدولية بحظر الفريق الروسي من المشاركة في الألعاب بسبب سجلها في مجال استعمال المنشطات (وهي ممارسة أظهرت كيف أن روسيا مستعدة للتقدم عبر خرق القواعد). وكشفت الحكومة الألمانية أن أنظمة الكمبيوتر الفيدرالية اخترقت من قبل المتسللين الروس.

في كل الحالات تُنكر الجهات المعنية المسؤولية عن هذه الهجمات، من دون حتى أن تكلف نفسها تقديم حججٍ وأدلةٍ معقولةٍ، وكثيراً ما يكون ذلك بنبرة ازدراء متعمدة. وفي الغالب نجد أن رفض المساءلة عن الأعمال، يكون مقروناً بمقدار من التلويح وإعطاء الانطباع بأن هذا الإنكار ينطوي على تهديد مبطن.

هل تقدم الحرب الباردة 1.0 أي إرشادات حول كيفية التعامل مع الحرب الباردة 2.0؟ كبداية، يجب أن نقبل حقيقة وهي أنها لن تنتهي قريباً. ولهذا السبب، من أجل منع تصاعد وتيرة الحوادث الصغيرة وتحولها إلى شيءٍ أسوأ بكثير، يجب أن نحافظ على خطوط الاتصال مفتوحةً وأن نكون مستعدين للتعاون عندما يكون في مصلحتنا المشتركة للقيام بذلك. هناك على سبيل المثال، بعض الاتفاقات المتهالكة للحد من انتشار الأسلحة المتخلى عنها في أوقات اليسر، التي تحتاج إلى بعض الاهتمام، إضافة إلى ذلك، في الوقت الذي يجب وقف السلوكيات السيئة، يجب علينا أيضاً الاعتراف بصعوبة تحديد نوعية العقوبات المناسبة. ولا يمكن البتة اعتبار الرد من نوع العين بالعين، على محاولة الاغتيال، رداً مناسباً.

على رغم مواصلة وسائل إعلامنا تحدي الروايات الروسية، لن تكون الحكومات الغربية يوماً بارعةً في مجال شن الحملات الإعلامية التي ترعاها الدولة. ومع ذلك، الملفت للانتباه أن الروس مقتنعون بأن الغرب بارعٌ تماماً في تقويض الحكومات بهذه الطريقة، مستشهدين على سبيل المثال بالربيع العربي لعام 2011، والمظاهرات ضد بوتين في موسكو عام 2011، وانتفاضة أوكرانيا عام 2014 (ما يشير إلى صعوبة إقناعهم بأن الحركات الشعبية يمكنها أن تتطور من دون مساعدة كبيرة من العملاء الأجانب). هناك أيضاً أسبابٌ تدعو إلى الحذر من الانخراط في العمليات السيبرانية الهجومية، لأنها يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة، على رغم أن احتمال تعاظم إغراءات السير في هذا الاتجاه.

من المهم الإبقاء على كل هذه العناصر في الحسبان. تعتبر الصين لاعباً أكثر أهمية في السياسة الدولية والاقتصاد، وثمة تحديات أكبر يطرحها المسار الجامح الذي يميز السياسة الخارجية للرئيس ترامب. وقد أعرب المنشقون الروس عن استيائهم وتذمرهم من المبالغة في الإشارة إلى براعة موسكو في الهجمات السيبرانية أو المبالغة في دورها في التأثير في الانتخابات الغربية، لأنهم يعتبرون أن ذلك يمنح بوتين هالة من القوة لا يستحقها (إضافة إلى تثبيت تقييمات صادقة تبين سبب تحوُل بعض الرسائل السياسية إلى رسائل شعبية في الغرب). بوتين يريد أن يتحدث عنه بصفته قائد عظيم لا أن يقلل من شأنه، لكي تظهر روسيا كقوة عظمى وتؤخذ مصالحها في الاعتبار ويكون لها كلمتها في جميع القضايا المهمة.

مع انتهاء الحرب الباردة 1.0، اتضح أن البلد الذي كان يقلقنا كثيراً كان في الواقع فارغاً من الداخل. بالطبع يجب أن نولي اهتماماً جاداً بروسيا، لكنها في نهاية المطاف، قوة اقتصادية ثانوية. وقد سمحت لشعورها بانعدام الأمان والاستقرار بأن يقودها إلى سلوك قد يؤذي خصومها، لكنه في النهاية، سيمنعُها من معالجة تطلعات الشعب الروسي واهتماماته.

 

*لورنس فريدمان، أستاذ متفرغ في دراسات الحرب في كلية "كنغ"، لندن.

 

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New States Man لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

 

تعليقات