«وثائق بارادايز»..هكذا اجتمع عبدالناصر والقذافي في جنات النعيم "الضريبي"

{{(articleDate.date | amDateFormat: 'DD-MM-YYYY') }}

قبل رحيله بأشهر، قال جمال عبد الناصر موجها حديثه إلى "قائد الثورة الليبية" الشاب «معمّر أنت تذكّرني بشبابي».
تأثر القذافي كثيرًا بالرئيس المصري، واعتبر تلك العبارة القصيرة وصية معلنة من عبدالناصر ليكون «أمينا على القومية العربية» من بعده. كان مستمعاً جيداً لخطابات عبدالناصر التي يحملها أثير الراديو من القاهرة، يحفظها عن ظهر قلب ويرددها، حتى أنه تعرض للفصل من مدرسته بعدما نظَّم مسيرة لدعم الزعيم المصري.

تكشف «وثائق بارادايز» عن علاقة أخرى ممتدة بين الزعيمين.
الوثائق المسربة من داخل سجلات الملاذات الضريبية، التي حصلت عليها الصحيفة الألمانية
 «süddeutsche zeitung» وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ICIJ، تلقي الضوء على شركة جرى تأسيسها في مالطا، يتقاسم أسهمها عبدالحكيم جمال عبدالناصر، ابن الرئيس المصري، وشركة ليبية محظورة من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية لارتباطها بأموال القذافي، وشريك ليبي ثالث ذو علاقة وطيدة بالمخابرات الليبية.

ابن الزعيم
الفترة القصيرة ما بين وصول القذافي إلي السلطة في سبتمبر /أيلول 1969، وبين وفاة عبدالناصر سبتمبر /أيلول 1970، كانت كافية لتوطيد العلاقة بينهما بشكل كبير، تجاوزت معها اعجاب الضابط الشاب الذي لم يكن بلغ الثلاثين من عمره بعد، بالزعيم القومي، لتتحول لاحقا إلى عرفان جميل ورغبة ملحة من القذافي في رد الجميل ولو بعد سنوات.
في عام 2002، تعرض المهندس عبدالحكيم جمال عبدالناصر، رجل الأعمال الصاعد، إلى أزمة مالية كادت تلقي به في السجن، وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن لمدة 12 عاما لاصداره شيكات بنكية غير مغطاة، كان ”حكيم“ كما يسميه أصدقاؤه، في فرنسا آنذاك، فهرع حينها إلى ليبيا حيث صديق العائلة القديم، الذي داوم على زيارة منزلهم كلما زار القاهرة. سانده القذافي، وعرض تسديد كامل ديونه، واعاده إلى القاهرة على متن طائرته الخاصة.
يقول حكيم إن القضية انتهت لصالحه دون أن يدفع القذافي أية أموال.
تكشف الوثائق أن عبدالحكيم كان مساهما في شركة ليبية، جرى تأسيسها عام 2005 في مالطا تحت اسم «الشركة الإفريقية للتجارة والاستثمار»، وتوزعت أسهمها بين عدة مساهمين، أبرزهم شركة (لايكو) الشركة الليبية الافريقية العربية للاستثمار (3 آلاف سهم)، وعبدالحكيم جمال عبالناصر (2500 سهم)، وتم اجراء العديد من التغييرات على حصص الأسهم لتصل حصة عبدالحكيم في أغسطس/ آب 2007 إلى( 3500) سهم.
وثيقة تأسيس الشركة ذكرت أن نجل الزعيم القومي يحمل الجنسية المالطية.
في 28 فبراير 2007 نقل يوسف شاكونة 999 سهما لصالح أحد المساهمين (شركة ليبيافيا المحدودة)، وفي اليوم نفسه نقل شاكونة 2500 سهما لصالح شخص بوركيني، و3500 سهما إلى عبدالحكيم عبدالناصر.


نفى عبدالحكيم انه يحمل أي جنسية أخرى، أما عن علاقته ب«الزعيم الراحل» معمر القذافي فقال عنها ”كان بمثابة عائلة بالنسبة لنا“.
لم ينف ”حكيم“ علاقته بالشركة الليبية، وعلق على ما واجهناه به بأنها أسست في بدايات العقد الماضي، في شراكة مع أفراد ليبيين بغرض التبادل التجاري للبضائع المصنعة في ليبيا مثل الحديد المنتج في مصراته، والبضائع المصرية مثل مواد البناء والمخصبات والأجهزة المنزلية، غير أنه ترك هذه الشركة بعد عام من تأسيسها.
يقول عبدالناصر إن تلك الشركة لم تنفذ أي تعاقدات منذ انشائها، وإن لديه استثمارات في مجال البناء والتشييد داخل وخارج مصر منذ عام 1978.
غير أن إحدى الوثائق تقول إن نجل الرئيس عبدالناصر ظل مرتبطا بهذه الشركة، على الأقل حتى يوليو 2011. أي بعد 4 أشهر من حظر كل الشركات التي لها علاقة مباشرة بنظام القذافي، ومن بينها شركة «لايكو».

 

وثيقة تثبت أن عبدالناصر استمر في التعامل مع شركة لايكو حتى عام ٢٠١١

 


الشركة المحظورة

أدرجت شركة «لايكو»، الشريك الثاني في «الشركة الأفريقية للتجارة والاستثمار» ضمن قوائم الشركات الليبية المحظورة من قِبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي «أوفاك» في منتصف مارس 2011، باعتبارها واحدة من الشركات التابعة للمؤسسة الليبية للاستثمار، وهي الصندوق السيادي الذي يضم ويدير أصول الدولة الليبية. اعتبر «أوفاك» أنَّ شركة «لايكو» أحد مصادر تمويل القذافي.
الجريدة الرسمية الأوروبية نشرت كذلك حظر الشركة في دول أوروبا، موضحة أنَّ سبب ذلك هو كون «لايكو» مصدراً محتملًا لتمويل العاهل الليبي.

القذافي وأفريقيا

لطالما استعان القذافي الذى سمى نفسه (ملك ملوك إفريقيا) بشركة «لايكو» لتوسيع نفوذه داخل القارة السمراء، فسيطرت على سلسلة من 10 فنادق فاخرة في العواصم الافريقية.
في البداية استثمر القذافي ما يزيد عن 8 مليارات دولار من بين 65 مليار هي قيمة الصندق السيادي «مؤسسة الاستثمار الليبي»، من أجل بسط نفوذه في أفريقيا، مستخدما عدة شركات فرعية أخرى تتبع هذا الصندوق. أنفق القذافي تلك الأموال على إنشاء الفنادق الفخمة ومد خطوط النفط وحقول الأرز وقطاع الاتصالات، من بين الشركات الفرعية كانت «المحفظة الاستثمارية الليبية الأفريقية»، والتي جرى تأسيسها عام 2006، ومن خلالها أُنشئت شركة «لايكو»، واتسعت استثماراتها لتغطي 24 دولة أفريقية.

إحدى الرسائل الديبلوماسية المسربة في «ويكيليكس» عام 2010، كشفت عن وجود سيولة مالية قيمتها 32 مليار دولار من أموال الصندوق السيادي الليبي تتحرك داخل الولايات المتحدة، و5 مليارات تستثمر في أفريقيا، تستحوذ شركة «لايكو» على 2.5 مليار دولار منها.

جورج تيرنر الباحث في شبكة العدالة الضريبية قال إن القذافي، مثله مثل غيره من الأغنياء المستبدين، استعان بشبكة سرية معقدة لإخفاء أمواله.
بحسب تيرنر فإن شركات الأوف شور والصناديق المالية وغيرها من أشكال طمس الهوية المالية لا تحتاج في الغالب إلي الافصاح عن هوية المالكين الحقيقيين، حتى وإن كان ذلك بهدف إنفاذ القانون بحقهم، ”وحدهم المحامون والأشخاص أو الشركات المتخصصة في وضع خطة إخفاء الأموال يعرفون من هو المالك الحقيقي، وطالما أن أيا منهم لم يقرر التحدث لكشف هذه الكواليس، أو أن يصل إلينا تسريب يوضح ذلك، فلن يستطيع أي شخص معرفة ماذا يدور بالداخل أو يتعقب هذه الأموال“.
يتعجب تيرنر من لجوء شخص ذو سلطة مطلقة مثل القذافي إلى تلك الطرق المعقدة التي غالبا ما يستخدمها رجال الأعمال فاحشي الثراء الذين يخشون أن يتعرضوا للمساءلة، غير أنَّ من يستخدمون الأوف شور من كبار المسؤولين يدركون جيدا أنهم فوق القانون، وسوف يكونون بأمن في الملاذات الضريبية تلك، حيث قليلا ما تطبق القواعد.

رجل المخابرات

بحسب التسريبات، فإن مدير «الشركة الإفريقية للتجارة والاستثمار» وأحد المساهمين فيها هو شخص يدعى الدكتور يوسف شاكونة، ليبي الجنسية. المعلومات المتوفرة عنه قليلة جدا، بعضها يصفه بأنه رئيس «اتحاد المستثمرين الأفارقة»، غير أن أحد التقارير المسربة من جهاز المخابرات البريطاني (MI6)، قال عنه حين كان مقيما في لندن ويدرس العلاقات الدولية إنه ضابط استخبارات ليبي.
«لديه تاريخ استخباراتي واضح. أحد المصادر الأمنية الموثوق بها لدينا، أكد أن شاكونة كان يعمل في قسم المخابرات بوزارة الخارجية الليبية في طرابلس، وكان مسؤولاً عن اعتراض الرسائل» يقول التقرير.
الوثيقة البريطانية، التي تعود إلى العام 1995، تقول كذلك إن شاكونة كان مقربا جدا من خليفة أحمد بازيلا، رئيس قسم المصالح الليبية في لندن، والذي قامت بريطانيا بطرده بعدما قدمت لها الأجهزة الأمنية أدلة على تجسسه على المعارضين للعقيد معمر القذافي.
تعذَّر التوصل إلى شاكونة للتعليق على ذلك الأمر.

في سبتمبر/ أيلول 2008 وقف القذافي مخاطبا الحشود في احتفالات الثورة الليبية ”إن على الليبيين ان يستعدوا ليتسلم كل واحد منهم نصيبه من عائدات النفط، انطلاقا من بداية العام المقبل“.
وفي 22 فبراير/ شباط 2011 ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن"هناك فجوة بالغة من مليارات الدولارات تظهر سنويًا بين عائدات النفط والغاز الليبي وبين الإنفاق الحكومي"، مؤكدة أن هذا الخلل الواضح بين حجم العائدات وحجم الإنفاق هو المصدر الرئيسي لثروة القذافي وحاشيته.
في مساء اليوم ذاته، وبينما تسيطر طائرات التحالف على سماء ليبيا، والمتظاهرون المسلحون على أرضها، وقف القذافي ليخاطب شعبه للمرة الأخيرة، لكن هذه المرة كان الخطاب عبر شاشة التلفاز: ”تركنا لكم كل شيء، حتى فلوس البترول عييت وأنا أقول لكم خوذوها بيدكم ، كل شهر خوذوا فلوس البترول وتصرفوا فيها ، فلا يضحكون عليكم الآن ويقولون لكم أين فلوس البترول، أنتم قلتم؛ لا: دع فلوس البترول عند الدولة، عند اللجان الشعبية. أنتم الذين صعدتم اللجان الشعبية العامة؛ وصعدتم اللجان الشعبية كلها، أنتم مسؤولين عنها. هل أنتم سذج إلى هذه الدرجة حتى يضحكوا عليكم !“.



تعليقات