fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم محمد

مقالات الكاتب

30 حزيران/ يونيو: ذكرى الثورة “المضادة”في مصر

أحيا المصريون قبل أيام ذكرى ثورة 30 حزيران/يونيو 2013 التي مهّدت للاطاحة بالرئيس محمد مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي الى الحكم. ومع حلول هذه المناسبة، تبدو التحولات التي شهدتها مصر في الأعوام الأخيرة ثقيلة وقاسية، خصوصاً لجهة تصاعد الدور الأمني وضيق مساحات حرية التعبير.

لكن كيف وصلنا الى هنا، وكيف تم تقويض طموحات التغيير التي رفعتها ثورة عام ٢٠١١؟

ثمّة محاولات، تشبث بها النظام في مصر، منذ ربيع عام 2011، والحوادث التي تلتها، ساهمت فيها آلته الإعلامية، بهدف تقويض وتشويه الثورة المصرية ورموزها. وعلى خط مواز، دخلت الأجهزة الأمنية، في خط مواجهة آخر، ولعبت دوراً استراتيجياً، في مقاومة الاحتجاجات وكل أشكال الحراك الشعبي المندلع.

وعملت الأجهزة الأمنية، بالتحالف مع وسائل الإعلام، باتجاه إثارة الخوف من جهة وفرض القمع من جهة أخرى.

جرى استخدام وسيلة قديمة لجهة دسّ عدد من المجندين في الخدمة العسكرية المصرية، ممن يعرفون بـ”التحريات العسكرية” داخل المظاهرات، والوقفات الاحتجاجية، والاعتصامات السلمية.

وكان هذا الأمر بهدف استغلالهم للشروع في القيام بأعمال شغب، تجاه قوات الأمن، حتى تمنح الفرصة والمبرر لقوات الأمن، لفض المظاهرة بالقوة، واستخدام العنف المفرط ضدها، والقضاء عليها، واعتقال المشاركين فيها.

كذلك، جرى إعلامياً وسياسياً ربط دؤوب بين الحراك الشبابي وتهديد الأمن المجتمعي، وسلامة الدولة ومؤسساتها، فاتهمت “الثورة”، بإشاعة الفوضى والتخريب، والتعدي على قوى الأمن.ومن ثم، تصفية التعاطف الشعبي وتأليب الجماهير ضد كل ما مثلته ثورة 2011 من رفض للاستبداد وللفساد والتسلط، فضلاً عن سحب الشرعية من “سلمية”، تلك الثورة، ومشروعيتها في التغيير. أدى ذلك إلى استقطاب فئات المجتمع وانقسامهم، لخطاب الدولة “العميقة” والنظام “القديم”.

كان يتم وصف المحتجين، بأنهم “يعطلون الإنتاج”، وبأن مطالبهم “فئوية”؛ ومحاصرتهم في هاتين الدائرتين، بكل تدليس وافتراء. فدُهست الطبقات الفقيرة، عبر قرارات اقتصادية صعبة، نالت من موارد دخلهم الثابتة، في مقابل الأسعار، التي ظلت تتحرك باتجاه الزيادة باستمرار، حتى أضحت هذه الفئات، الحلقة الأضعف في المجتمع.

وبالرغم من ذلك، ظلّ هناك تعتيم متعمد، على مئات المصانع المغلقة، والمتوقفة عن العمل، والأحكام القضائية، الصادرة لصالح عدد من المصانع التي تم بيعها، تحت رعاية سياسات الخصخصة، بينما لم تتمكن  يد الدولة “الباطشة”، من انتزاعها من يد رأس المال ونفوذه القوي.

ناهيك عن، القيود على الإنتاج والتصنيع، والسيولة في الاستيراد العشوائي، لمنتجات شديدة الرفاهية وغير أساسية، في مجتمع يقع فيه نحو أكثر من 30 مليون مواطن تحت خط الفقر.

هذه التفاوتات الشديدة نجم عنها، فوارق طبقية واجتماعية ومعيشية غير معقولة، بسبب ما يعانيه الاقتصاد المصري، من معدلات تضخم شديدة، وهبوط في القيمة الشرائية للعملة الرسمية، وعجز في ميزان المدفوعات، وثبات في الأجور وعدم ربطها بالأسعار.

وهو ما أدى إلى صورة شديدة التناقض والبؤس، تبدو في التزايد المطرد، في انشاء منتجعات الفقر والعشوائيات، في قلب القاهرة “المتضخم”، ونزوح وهجرة الأغنياء داخل كمباوندات، على أطراف القاهرة ومنعزلة داخلها، بخدمات وشركات حراسة أمنية خاصة، تستغني فيها عن الدولة، التي أضحت بلا أي أثر واضح، وتأثير خفي ومتواضع.

جاء تدخل الجيش في 30 تموز/يوليو، وعزل محمد مرسي عن الحكم، كحدث حتمي في سياقاته، للحفاظ على شبكة مصالح المؤسسة العسكرية وتماسكها، والإطاحة بكل ما يهددها، سواء جماعة الإخوان المسلمين، أو القوى الثورية، كما حدث في السابق، من تلك التي شاركت في ثورة يناير، خاصة، في ظل ضعف وعدم مقدرة الثورة والقوى المدنية، على تقديم بديل سياسي قوي، ينافس على السلطة، ويحافظ على أهداف الثورة، وتقدمها في مواجهة المؤسسة العسكرية والدولة العميقة.

وقد ظلت التحية العسكرية، تلك التي أداها، أحد أعضاء المجلس العسكري للشهداء، وبثتها شاشة التلفزيون المصري، إبان الإعلان عن تنحية مبارك، رمزية قوية، تؤدي مفعولها السحري، في طمس الحقائق، والضغط على الأعصاب، واقتسام رصيد شعبي وشرعية ثورية، لحساب المجلس العسكري، بدخولهم، كطرف سياسي، في ميدان الثورة للتفاوض والتوجيه، ثم بعد ذلك، الضبط والاحتكار، وتصفية الخصوم.

وسقط من ذاكرة الثورة وخطابها، الدور المشبوه للمجلس العسكري، المكلف بحماية البلاد وقتها، والذي وقف عند مداخل ميدان التحرير حيث تركزت المظاهرات، سواء بـ”كشوف العذرية” ضد الفتيات المشاركات في الثورة.

وكذلك، تمت حماية البلطجية وعدم تصدي الأمن -على أقل تقدير- لهم، في موقعة الجمل الشهيرة، خلال الـ18 يوم للثورة بميدان التحرير، عندما حاولوا اقتحام الساحات والتعدي على المعتصمين، بالأسلحة البيضاء والجمال والخيول.

ويشير الكاتب جلبير الأشقر في كتابه “الشعب يريد” إلى نقطة أساسية، تعري الصلة العضوية، لعوامل الردة الثورية، وانتكاسة التحول الديمقراطي.

فمن ناحية، ساهمت التبعية السياسية، للرأسمالية العالمية وشروطها، في فرضِ سياسات نيوليبرالية نهبوية، نتج عنها انحسار استثمارات الدولة، وتراجع الاستثمار الخارجي وصعود ما سماه نخبة باتريمونالية (وهي شكل من أشكال الحكم، يتم التعامل فيه مع الدولة على أنها امتداد طبيعي للعائلة)، وهو ما تسبب في تقويض الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها الأنظمة الاستبدادية العربية.

وإلى ذلك، يمكن توضيح أن التوسع في دور الجيش قد برز إبان سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة في منتصف 2013، وقد تزامن في نفس الوقت، مع انحسار مكانة ودور رجال أعمال حقبة حسني مبارك، والشركات الكبرى الخاصة بهم، والتي جمعتها روابط قوية بالرئيس المخلوع، وتراجع نفوذها السياسي الحاد بعد 2011.

وفي ظل تنامي نفوذ الجيش، في النشاط الاقتصادي، توسعت الشركات التابعة للجيش، سواء المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، أو لهيئات عسكرية أخرى، في أنشطتها إلى حد كبير، وتمددت في قطاعات اقتصادية جديدة، من بينها الإسكان، وتربية الأسماك، وتصنيع اللقاحات، وحليب الرضع، وحتى التعليم.

إذن، فالصدام بين الإخوان والمجلس العسكري؛ باعتبارهما معسكري أو طرفي الثورة المضادة كان حتمياً؛ لأن ثورة مصر “نجحت فقط بالإطاحة بجزء هام من المكون السياسي لـ “نخبة السلطة”. لكن، البنية الطبقية الرأسمالية؛ المسؤولة عن الانفجار الاجتماعي، التي هي مزيج من برجوازية الدولة وبرجوازية السوق، في إطار يستلهم النيوليبرالية، نجت من الزلزال، مثلها كمثل النواة الصلبة القمعية للدولة، المكونة من الجيش والجسم الرئيسي، للقوات شبه العسكرية. كما يصفها جلبير الأشقر.

إقرأ أيضاً